ابتسم وهو يرمق ابن عمه بعينين حادّتين.
“هذا ابن عمي، ماركوس لايفانيون.
تذكّره، أليس كذلك؟ قبل ثلاث سنوات ذهب معي لاختبارات ومقابلة القبول بالأكاديمية الملكية.”
“آه…… بالطبع، أتذكّر جيدًا.”
ردّ الأستاذ وهو يحاول طرد ملامح الاستياء عن وجهه، بينما ارتبك ماركوس من سلوك الأستاذ البارد فتراجع ببطء إلى الخلف.
في الواقع، بعد رسوبه في الاختبار، لم يرضَ ماركوس بالنتيجة وحاول الاتصال بالأساتذة سرًّا، بل إنه حاول حتى الرشوة لدخول الأكاديمية الملكية.
لكن أساتذة الأكاديمية كانوا يعتزون بمناصبهم وكرامتهم المهنية، فأثارت رشاياه غضبهم أكثر من أي شيء آخر.
‘سمعت أنّ عمي دفع للموظفين مبلغًا كبيرًا لتجاوز تلك الأزمة.’
استحضر كاليـوس تلك الحكاية التي سمعها من والده، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
بعد ذلك، اختفى عمه عن الساحة الاجتماعية، وغادر ماركوس البلاد للدراسة في الخارج هربًا من الفضيحة.
تذكّر ماركوس تلك الإهانة، فاحمرّ وجهه من الغضب والحرج.
“……على أي حال، بما أننا التقينا بعد طول غياب، أودّ مناقشة تقريرك! هل لديك وقت؟”
أدار الأستاذ آدمز وجهه إلى كاليـوس وكأنه غير مكترث، بينما التفت الجميع نحو كاليـوس باهتمام.
“……”
راقب ماركوس المشهد بوجه متجهم، ثم لم يحتمل أن يُسلب اهتمام الناس منه، فتراجع ببطء وخرج من قاعة الاحتفال.
—
‘هل سيكون الدوق الصغير بخير؟’
خلال الحفل، وبما أنّه لم يكن لديّ عمل محدّد، خرجت إلى المطبخ المزدحم عن قصد.
فالخدم الذين يمرّون لتقديم الطعام غالبًا ما يخبِرون عن أخبار الحفل.
من أخبار حضور زوجة البارون مع الحكومة والحفل، إلى قصص عن أحد الكونتات الذي حاول إخفاء صلعته بارتداء باروكة.
وكانت تلك الأخبار تصلني وكأنّني في قلب الحدث.
لكن أكثر ما يثير فضولي هو أمر واحد فقط: أخبار كاليـوس.
“ماذا؟ ظهر الدوق الصغير كاليـوس في الحفل؟”
أحدثت هذه المعلومة التي نقلها أحد الخدم ضجة في المطبخ.
“هل يعني هذا أنّ صحته تحسّنت؟ لقد انتشرت شائعات عن مرضه طوال الأشهر الماضية.”
“لقد لم نسمع صوته منذ شهور.
حتى أصوات الأطفال في الإسطبل كانت مجرد إشاعات.”
واصل الخدم حديثهم فيما أنا أستمع بصمت، وكانت الأخبار تشير إلى أنّ كاليـوس بخير ويحظى باهتمام الجميع.
‘كلما كان الضوء ساطعًا، زاد الألم…
يبدو أنّ العلاج أثمر، الحمد لله.’
ابتسمت في سرّي مطمئنة، إذ كان يبدو أنّه يسير على ما يرام.
فجأة!
‘ما هذا؟!’
مرّ شيء أبيض بسرعة عند مدخل المطبخ، فالتفت بسرعة.
كان ما رأيته لا ينبغي أن يظهر أمامي.
نهضت مسحورة من مكاني، ودفع الناس سريعًا للخارج متجهة نحو الممر.
هناك، عند زاوية الرواق، تلوّح ذيل أبيض كالثلج بخفة.
‘ذلك الذيل بالتأكيد……’
إنه الذئب الفضي الذي رأيته قبل أن أفقد وعيي في الغابة.
‘إذن لم يكن حلمًا؟’
اقتربت ببطء، وعيناي تتسعان من الدهشة.
وفجأة، اختفى الذيل خلف الزاوية.
“مهه، انتظر!”
تتبعت الذيل على عجل، أتصادم مع الخدم الحاملين للأطباق، وأسمع صوتًا غاضبًا يصرخ بي:
“مهه، ماذا تفعلين بهذه الطريقة الخطيرة؟”
“آسفة! سأمرّ سريعًا!”
لقد ظهر أمامي شيء لم يكن يجب أن أراه.
وصلت إلى نهاية الممر وأنا أبحث عن الذيل، مترددة.
“إلى أين ذهب……؟”
حدّقت للأعلى بقلق، فرأيت ذئبًا فضّيًا كبيرًا يصعد الدرج بهدوء.
تتبعت خطواته بعصاي، وقلبي يخفق بشدة من الإثارة.
عندما وصلت إلى الطابق الثالث، رأيت الذئب يدخل إلى مكان ما.
“أيّها الذئب……؟”
تبعت أثره ودخلت، منادِية في الظلام.
لكن لم يظهر له أثر.
‘لا بد أنّه دخل هذا المكان.’
وأثناء بحثي، سمعت صوت رجل شاب من خلفي:
“ماذا تفعلين هنا؟”
فجأة تجمدت من الخوف.
‘أوه، هذه غرفة مخصصة للمالكين!’
التفت بسرعة وانحني أمام الشخص، فهو بلا شك أعلى مني مكانة.
“أ-أمر، أم…”
“بالتأكيد لم تحتاج الخادمة هنا، فلماذا دخلت؟”
لكن صوته كان مألوفًا، شعرت أنّني قد سمعتُه من قبل.
هززت رأسي قليلًا، ثم عدلت موقف الحياد، وقلت:
“آسف، سيدي! رأيت ذئبًا يدخل هذه الغرفة، فتبعت أثره……”
“ذئب؟”
تمتم الرجل متعجّبًا: “ذئب في قصر الدوق؟ هل تتوقعين أن أصدّق هذا؟”
“آه، حتى أنا لا أصدّق… لكنني رأيته بوضوح.”
“آسف، لكن طوال الوقت كنت هنا وحدي.”
رفعتُ رأسي برهة لأتفحّص الغرفة، ‘ماذا؟! كنتُ متأكدة أنّه دخل هنا!’
وإلا فربما كنت أتوهم.
لكن الذئب الفضي كان حيًّا وواقعيًّا بشكل مذهل.
أذناه المرفوعتان، ذيله المتمايل، وطرقه البيضاء الأنيقة عبر الممر ما زالت واضحة في ذهني.
‘ما الذي يحدث بحقّ الجحيم……’
وبينما كنت مذهولة، قال الرجل بوجه متسائل:
“ومع أنّني أخلع ثيابي، ألا تعتقدين أنّه من الوقاحة التحديق بهذا الشكل؟”
“ماذا؟”
استدرت على الفور عنه.
‘ماذا بحقّ الجحيم! لماذا هو عار؟!’
ابتلّت يدي بالعرق البارد، وأدركت متأخرة أنّه لا داعي لتغطية عينيّ.
خفضت يدي وقلت بصوت ثابت:
“سيدي، لم أرَ شيئًا.
لا جسدك، ولا حالة الغرفة…… فأنا عمياء ولا أرى شيئًا.”
“هل تتظاهرين الآن بعدم الرؤية؟”
“مستحيل!”
خشيت أن يظنّ أنّني خادمة ماكرة سيبلغ عنها خادمة أخرى، فمددت عصاي إليه:
“انظر، سيدي.
هذه عصاي للمكفوفين. أنا عمياء تمامًا، لا أرى شيئًا!”
“لكن قلت للتوّ أنّك تبعت الذئب إلى هنا.”
تجمدت في مكاني وأنا ممسكة بالعصا، عاجزة عن تفسير ما حدث.
التعليقات لهذا الفصل " 32"