3
…يبدو أنّه هو نفسه شعر بأنّ عدم الاستحمام لأسبوعٍ كامل أمرٌ غير مريح على الإطلاق، أليس كذلك؟
بدت الأمور وكأنّها تسير بسلاسة. مددتُ ذراعي ليتمكّن من الإمساك بها والنهوض.
لكن في تلك اللحظة—
طَق!
…كما توقّعت.
حطّم كاليوس آمالي في لحظةٍ واحدة حين ضرب ذراعي بقسوة.
‘أوف… يده ثقيلة فعلًا.’
تمتمتُ في داخلي، ثم قلتُ له:
“…سيدي الصغير، للوصول إلى الحمّام علينا المرور عبر ممرٍّ مظلم. سأقودك.”
“لا حاجة.”
كان ردّه أبرد من ريح الشتاء القارسة.
يا إلهي… هل عاد الشتاء فجأة؟
بعدها مباشرةً، شعرتُ بحركته إلى الأمام.
أرهفتُ السمع بقلق، مركّزةً على خشخشة ملابسه.
في البداية بدا وكأنّه يسير على ما يرام، لكن سرعان ما دوّى في الظلام صوت—
دونغ!
اصطدم الدوق الصغير بشيءٍ ما، وأطلق أنينًا قصيرًا.
غيّر اتجاهه، وهذه المرّة اتّجه إلى الجهة المقابلة.
‘مهلًا… ذاك ليس بابًا.’
وقبل أن أتمكّن من منعه، دوّى صوت اصطدامٍ آخر قريب—
دونغ!
اصطدم بالأثاث واحدًا تلو الآخر—خزانة، طاولة—ثم تعلّقت ثيابه بحافة كرسي، فسقط أرضًا وسط جلبةٍ مدوّية.
“أوه….”
أنّ أنينًا خافتًا. اقتربتُ من جهة الصوت.
“أمسك بذراعي، سيدي الصغير.”
“لا حاجة.”
“إذًا كيف تنوي الوصول؟”
“قلتُ لا حاجة! لا تلمسيني!”
عنادٌ لا يُصدّق.
قرّبتُ طرف عصاي قليلًا من جسده.
“ما هذا؟!”
تفاجأ كاليوس وضرب العصا بعنف.
“إنّها عصاي.”
“عصا؟”
أطلق ضحكةً جافة، وقال بلهجةٍ مستهجنة:
“أأنتِ الآن… تطعنيني بهذا؟”
تطعن؟
أملتُ رأسي قليلًا، ثم أجبت:
“يبدو أنّك لا تحبّ أن تلمسني، سيدي. فظننتُ أنّ الإمساك بالعصا بدلًا من ذراعي سيكون مقبولًا.”
طرقتُ الأرض بالعصا ليحدّد موقعها.
لكنّه بدل أن يمسك بها، سأل بصوتٍ بارد:
“…ومن سمح لكِ بإدخال شيءٍ كهذا إلى هنا؟”
“ماذا؟”
“يُمنع على الخدم حمل أيّ سلاح داخل غرف نوم عائلة الدوق… ألم تتلقّي حتى هذا القدر من التدريب الأساسي؟”
سلاح؟
تجمّدتُ في مكاني.
هذه أوّل مرّة يُساء فيها فهم عصاي—التي أستخدمها لاستشعار الأرض والعوائق—على أنّها سلاح.
صحيح أنّه يمكن استخدامها لطعن عيون الأعداء في الحالات الطارئة، لكن—
“سيدي الصغير، هذه ليست سلاحًا. إنّها عيني.”
قلتُ ذلك بنبرةٍ يشوبها شيءٌ من الظلم.
“أنا لا أرى، ولهذا يجب أن أحملها معي دائمًا.”
“لا ترين…؟”
ردّد كاليوس كلماتي في الظلام.
كان في صوته ارتباكٌ وحيرة.
هاه؟ ألم يخبره أحد؟
يبدو أنّه لم يكن يعلم أصلًا أنّني عمياء.
حسنًا… حتى لو أخبروه، فهذا السيّد الذي كان يمضي يومه مستلقيًا بلا حراك، هل كان ليصغي أصلًا؟
وجّهتُ كلامي إلى كاليوس، الذي ما زال جالسًا على الأرض دون حراك.
“رئيسة الخادمات لم تقل شيئًا عن عصاي… لا تقلق. لن أضربكَ بها، أتعلم؟”
عملي ثمين بالنسبة لي.
ابتلعتُ بقيّة كلامي، وأعدتُ تقريب العصا من جسده.
“تفضّل. قلتَ إنك لا تريد الإمساك بذراعي، أليس كذلك؟ إن تأخّرنا أكثر، سيبرد ماء الاستحمام.”
ولن يكون هناك أحدٌ ليُسخّنه من جديد، سيدي.
عند إلحاحي، أطلق كاليوس ضحكةً ساخرة.
“أنتِ فعلًا… لا شيء يردعكِ، أليس كذلك؟”
“ماذا؟ أعني… كما قلتُ قبل قليل، أنا لا أرى—”
“ليس هذا ما أعنيه!”
قاطعني صارخًا بنفاد صبر.
ثم تنفّس بعمق، وفجأةً أمسك بطرف العصا بعنف.
ما هذا؟ هل سيقذفها أيضًا؟
تراجعتُ خطوةً مذعورة، لكن ما خشيتُه لم يحدث.
بل شعرتُ به ينهض بصعوبة وهو يمسك بالعصا.
“…حسنًا، هكذا أفضل؟”
قال ذلك بصوتٍ بدا كأنّه استسلم للأمر الواقع.
ثم تنفّس مرارًا، وتمتم بصوتٍ متعبٍ ساخط:
“خادمةٌ تجيب وتجادل….”
“نعم؟ أنا؟”
“وهل هناك خادمة أخرى غيركِ هنا؟”
“كنتُ فقط أجيب على ما تسألني عنه—”
“كفى. فقط تحرّكي.”
دفعني كاليوس قليلًا بالعصا التي كان يمسك بها.
تسك.
شعرتُ بالظلم. لقد أجبتُ فقط لأنّه سأل.
لكن بدا لي أنّ الجدال أكثر سيشعل غضبه حقًّا، فآثرتُ الصمت واستدرتُ نحو الباب.
* * *
قصر آل ليفانيون، المشهور بضخامته وروعة مظهره.
قالت لي تيلدا من قبل إنّ الجناح الغربي من الطابق الثاني في المبنى الرئيسي كان دائمًا عامرًا بالحياة والدفء.
فهو المكان الذي عاش فيه وريث الدوق، كاليوس—مكانٌ بالغ الجمال، يعجّ بالخدم والحركة.
لكن الآن…
كأنّ كلّ ذلك الدفء والحيويّة قد تبخّرا دون أثر.
نوافذ مسدودة بإحكام بالألواح، لا تسمح لشعاع ضوءٍ واحدٍ بالتسلّل.
مداخل مغلقة كلّها، باستثناء بابٍ واحدٍ يحرسه الجنود على الدوام.
وبسبب ذلك، فقدت مساحة معيشة الدوق الصغير كلّ بريقها السابق، وتحولت إلى ما يشبه قلعةً جليديّة—باردة، صامتة، خانقة.
وحيث لا يُرى شيء، لا يعود أحد يجرؤ على المرور.
حتى دوق ليفانيون نفسه—الذي لم يجد وسيلةً لعلاج مرض ابنه—قيل إنّه انقطع عن زيارة هذا المكان منذ زمن.
ربما كان كاليوس يدرك وضعه هذا جيّدًا.
فذلك الشاب الذي أصرّ على أنّه لا يحتاج مساعدتي، صار الآن يتبع إرشادي دون مقاومة تُذكر.
وربما، أثناء سيره في هذا الممرّ البارد، أدرك فجأةً حقيقةً مريرة:
لم يبقَ إلى جانبه أحدٌ سوى هذه الخادمة العمياء.
“وصلنا.”
بعد قليل، وصلنا إلى باب الحمّام.
أدخلتُ كاليوس إلى الداخل، وأوّل ما فعلته هو فحص حرارة ماء الحوض. ولحسن الحظ، كان لا يزال دافئًا.
“سيدي الصغير، الحوض هنا. يمكنك الدخول مباشرة.”
“حسنًا. اخرجي.”
“ماذا؟ سأبقى بجانب الحوض، فإن احتجتَ شيئًا—”
“لا حاجة. اخرجي.”
“لكن احتياطًا—”
“قلتُ اخرجي.”
“حسنًا.”
كما توقّعت. عناده لم يذهب إلى أيّ مكان.
استسلمتُ ببساطة، واستدرتُ لأمسك بمقبض الباب.
لكن—
“انتظري.”
أوقفني كاليوس فجأة.
“نعم؟”
“الصابون.”
“نعم؟”
“أين الصابون؟”
…يا للوقاحة.
منذ لحظةٍ كان يطردني، والآن يطلبني بكلّ بساطة!
كتمتُ تنهيدةً في داخلي، ثم اقتربتُ من الحوض، وبحثتُ عن علبة الصابون التي حفظتُ موقعها مسبقًا، وطرقتُها بيدي.
“هنا. هل تسمع الصوت؟”
“أسمع. الآن اخرجي.”
“حسنًا.”
أوه، كم هو مستفزّ.
استدرتُ وشفتيّ مزمومتان.
كنتُ أُسرع للخروج قبل أن يناديني مجددًا—
“انتظري.”
لم أبتعد سوى خطواتٍ قليلة حتى أمسك بي صوته مرّةً أخرى.
“الفرشاة.”
“نعم؟”
“أين الفرشاة؟”
“هاااه…”
“…هل تنفّستِ الآن؟”
“لا؟”
تظاهرتُ بالبراءة، و—في سرّي—أهديته إصبعًا وسطى، ثم عدتُ إلى الحوض.
طرقتُ المكان المجاور للصابون.
وبما أنّ هذا الإزعاج سيستمرّ بلا شك، قلتُ له:
“سيدي الصغير، ألا يمكنني البقاء هنا فقط؟ في النهاية، لا أنتَ ولا أنا نرى شيئًا. ممّ تخجل أصلًا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 3"