“أأنْتَ مصابٌ بالزكام في مثل هذا الطقس؟”
“لقد أصبت به بعدما استحممت بماء بارد.”
“لكن… كيف لا تستطيع الخروج لملاقاة ابن عمّي بعد ثلاثة أعوام؟ إذاً سأراك في حفل الرقص فقط.”
“لَعَلَّه لن تتمكن من الحضور إلى حفل الرقص أيضًا، إذ إنَّ الزكام الذي أصابكم شديد جدًا.”
“إلى هذه الدرجة؟”
“……يقال إنّ الزكام في هذا الوقت من السنة يكون الأقسى.”
أومأ ماركوس برأسه كدليل على فهمه.
ولكن لحظة أن التفت بعيدًا عن الخادم، لمع بصره بحدة غير عادية.
منذ أسابيع، حين تلقّى رسالة الدوق التي يدعوه فيها لقضاء عطلة الصيف في بيت الدوق، شعر ماركوس بشيءٍ غريب.
فالموضوع كله غير مألوف، فالعم لم يُظهر أي اهتمامٍ به من قبل.
حتى الكلمات الرسمية البسيطة لم تُتلفظ بها سوى له، ولم يتواصل معه أولًا أبدًا.
وها هو الآن، يرسل له رسالةً شخصيّة من الخارج ويدعوه إلى القصر.
ومنذ طفولته، رغب ماركوس في نيل رضا الدوق، وكان واثقًا أنّ هذه الدعوة فرصة عظيمة بالنسبة له.
لذلك، وعلى الرغم من بقاء أسبوعٍ كامل على العطلة، أعدَّ حقائبه بسرعة وعاد إلى البلاد.
وحين وصل إلى المنزل، تلقّى خبرًا غريبًا من والدته.
وهو أنّ ابن عمه كاليـوس لم يخرج من غرفته منذ عدة أشهر.
‘هناك أمرٌ ما.’
أدرك ماركوس ذلك حدسًا.
لم يعرف التفاصيل، لكنّه شعر أنّ شيئًا كبيرًا يحدث في بيت الدوق، وبخاصّةً بالنسبة لابن عمه.
“تفضل إلى هنا، سأرشدك إلى غرفتك.”
قال الخادم بينما كان يخرج الحقائب من العربة، لكن ماركوس هزّ رأسه.
“لا، أريد أن أزور عمي أولًا، بعد كل شيء، لم أرَه منذ ثلاث سنوات.”
“حقًّا؟ حسنًا، سأرشدك إلى مكتب السيد أولًا.”
دخل ماركوس القصر مع الخادم، وأومأت إليه الخادمات في القاعة احترامًا.
رغم أنّه لعب هنا كثيرًا في صغره، شعر الآن بشيء مختلف.
لمح لحظة قصيرة شعورًا بالامتلاك، كأنّه سيد هذا القصر.
—
“هاه… لقد أتيت حقًا.”
نزلتُ إلى الطابق الأوّل، وصادفتُ صوت ماركوس، فركضتُ إلى الجناح الغربي.
ثم توقفتُ في ممر شبه خالٍ لألتقط أنفاسي.
ترددتُ في نقل الخبر إلى كاليـوس على الفور.
‘سيعرف الأمر قريبًا على أي حال، فالأفضل أن أخبره مباشرة.’
جمعتُ شجاعتي ودخلتُ غرفته.
ما إن دخلتُ حتى سألني كاليـوس بصوتٍ مشكوك فيه:
“لماذا دخلتِ بهذه الوجه الغريبة،هل أنتِ منزعجة؟”
“أنا؟ لا، لستُ كذلك.”
تجاهل كتابه وأدار صفحة أخرى، وهو يقول:
“هم، ليس كذلك.”
وقفتُ أمامه مترددة قليلًا، ثم بدأتُ الحديث بأقصى قدرٍ من الطّبيعية:
“سيدي، وصل ضيف إلى القصر.”
“ضيف؟ بالفعل؟ الحفل لم يبدأ بعد، أليس كذلك؟”
“إنّه ماركوس… ابن عمّك، أليس كذلك؟”
لم يُجب كاليـوس فورًا، ربما من الدهشة أو الإحباط، فلم أستطع معرفة مشاعره.
لكن بعد لحظة، خرج صوته هادئًا ومطمئنًا:
“يبدو أن والدي اشتاق لمعرفة أخبار ابن أخيه بعد فترة طويلة.”
ثم عاد لتصفح كتابه وكأنّ شيئًا لم يكن.
رأيتُ طمأنينة تعود إليّ على أثر هدوئه.
‘حسنًا، طالما يقبع في غرفته فلن يواجه أحد، وربما يعود بعد الحفل مباشرة.’
شعرتُ ببعض الحرج من تسرّعي، وفكرتُ أنّه يكفي أن أتصرف بهدوء.
لكنّ هذا الظن كان ساذجًا، وسرعان ما تبيّن خطؤه.
مع حلول المساء، أراد ماركوس مقابلة كاليـوس بنفسه.
“ماذا أفعل؟” سألتُه.
“أدخليه.”
أجاب كاليـوس بلا تردد.
“هل هذا مناسب؟ لم تسمح أبدًا لأيّ زائر بالدخول.”
“كيف يمكنهم اكتشاف حالتي إذا دخلوا لحظة فقط؟”
كان كلامه صحيحًا، فقد جُهزت غرفة كاليـوس بشكل يخفّي أي شيء.
أزيلت الألواح القديمة عن النوافذ، واستُبدلت بنوافذ جديدة أجمل.
وصُنعت مصابيح تحتوي على أحجار سحرية تغيّر لون الضوء إلى أبيض عادي بدل الأزرق.
وكان يمكن تغطية الضوء أثناء النوم.
بذلك، لا شيء يثير الشك إذا تجوّل ماركوس في الغرفة.
“ادخليه، فأنا أيضًا أريد معرفة أخبار ابن عمي بعد طول الغياب.”
لكن صوته كان يحمل شيئًا من التحدّي.
ترددتُ قليلًا، ثم فتحتُ الباب.
—
ما إن فُتح الباب حتى تغيّر الجو.
كنت أعلم، رغم عدم رؤيتي، أنّ عيني ماركوس تتبعي.
شعرت بشيء بارد يخترق بشرتي، لكنه سرعان ما توقف عن النظر إليّ وواصل السير إلى الداخل.
ثم تمزّق الصمت بصوت ساخر:
“مر وقت طويل، كاليـوس.
كيف حالك؟”
كل خطوة كان يصدر عنها صدى على الأرض، كأنّه يريد التباهي بحضوره.
أمسكته بعيني في مكاني، ورغم ذلك تكلّم ماركوس بحرية مع كاليـوس:
“واو، هذه الغرفة أيضًا طالما لم آتِ إليها.
كنا نلعب هنا كثيرًا صغارًا.”
تجوّل ماركوس في الغرفة كأنه يبحث عن شيء، متحدثًا بلا توقف:
“منذ أن كبرنا لم نلتقِ كثيرًا، لطالما كنت صارمًا قليل الأصدقاء، لذلك كنت دائمًا ألعب معك.”
بينما كان يتفقد الأشياء على الطاولة، اصطدمت بعضها ببعض.
“لطالما كنت قاسيًا معي بلا سبب. لو كنت أقلّ برودًا، ربما كنا نتواصل أكثر ونتقابل أكثر.”
أخيرًا، تكلّم كاليـوس لأول مرة:
“صحيح، لو نجحت في امتحان الأكاديمية الملكية، لكان لنا لقاءات أكثر.
أتذكر كم شعر العم بالأسف حينها.”
توقفت خطوات ماركوس فجأة، ثم انفجر بغضب:
“وماذا تعرف أنت؟ لم أرغب مطلقًا بالالتحاق بالأكاديمية الملكية!
أخبرتهم بذلك!
ذاك المكان مليء بأولئك الذين يسعون لتقوية علاقاتهم النبيلة فقط، أما أنا فلدي لقب ورثته بالصدفة!”
حلّ صمتٌ بارد في الغرفة.
واو…
كل هذا بعد كلمة واحدة فقط، كم ستكون ردة فعله في المرات القادمة؟
التعليقات لهذا الفصل " 27"