“أووو…….”
أطلقتُ أنينًا خافتًا، وحرّكتُ أصابعي ببطء.
كنتُ أنوي في الأصل أن أقفز من على ظهر هذا الكائن الذي لا أدري أهو ذئبٌ أم شيءٌ آخر، لكنّ القوّة لم تكن تسعف جسدي كلَّه.
فلم يكن أمامي سوى أن أتشبّث بفرائه بإحكام كي لا أسقط.
الذئب الذي كان يحملني قفز بخفّةٍ على منحدرٍ حادّ، ثم هبط على أرضٍ مستوية.
ثم خفّض جسده كي أتمكّن من التدهرج بلطفٍ إلى الأرض.
فلوب.
لامستْ أوراقُ العشب خدّي، وتسلّل إلى أنفي عبقُ التربة.
أين أنا؟
……يبدو أنّني في العالم الآخر.
لقد سقطتُ من الجرف ومِتُّ، والذئب العجيب الذي أراه بعينيّ العمياء هو رسولٌ جاء ليأخذ الأموات إلى الدار الآخرة.
“شكرًا لأنّك ساعدتني.”
بعد أن قلتُ ذلك، مددتُ يدي بصعوبة وربّتُّ على رأس الذئب.
أغمض الذئب عينيه بهدوء وهو يتلقّى لمستي، ثم استدار مبتعدًا.
بدأ وعيي يتلاشى من جديد.
حدّقتُ في ظهره وهو يبتعد، ثم أغمضتُ عينيّ ببطء.
—
“……ألو!”
بعد وقتٍ غير قصير، استعدتُ وعيي على أثر يدٍ تهزّ كتفي.
“أمم…….”
لا أدري كم مرّ من الوقت، لكنّ الطقس كان باردًا إلى حدٍّ جعل كتفي يرتجفان بخفّة، وكان يُسمَع في الجوار صوتُ بومٍ ينعق.
كأنّ الليل قد أرخى سدوله تمامًا خلال تلك المدّة.
ماذا؟ ألستُ ميّتة؟
كنتُ متأكّدة أنّني ركبتُ الذئب الأبيض وبلغتُ بوّابةَ طريقِ الآخرة.
“هل عدتِ إلى وعيكِ؟”
عند سماعي الصوت فجأةً من قريب، شهقتُ بشدّة.
كاد قلبي يتوقّف.
“تحرّكي ببطء.
قد يكون هناك كسرٌ في أحد العظام.”
“مَن أنت؟”
على الرغم من نبرة العطف في كلامه، خرج جوابي ممتلئًا بالحذر.
فذكرياتُ ما حدث قبل قليل مع ذلك الغريب ما زالت عالقةً في ذهني.
توقّف الطرف الآخر كأنّه ينظر إليّ بصمت، ثم قال بهدوء:
“همم…… هل تصدّقين إن قلتُ إنّني مسافرٌ عابر؟”
“في هذا الوقت المتأخّر؟”
“ضللتُ الطريق قليلًا في الغابة.”
يا للهول.
لا أستطيع التمييز أبدًا إن كان هذا الرجل مجرّد عابرٍ حقًّا، أم هو نفسُ الذي خدعني قبل قليل.
وبما أنّني لا أرى شيئًا، فلا أجرؤ على التصرّف بطيش.
في هذا المأزق الخانق، حاولتُ النهوض بكلّ ما أوتيتُ من قوّة.
لكنّ ساقيّ لم تُسعفاني، فكنتُ في كلّ مرّة أحاول، أهوِي من جديد إلى الأرض.
راقبني الرجل بصمت، ثم قال بحذر:
“هل أساعدكِ قليلًا؟”
“لا، لا تقترب!”
“آه.”
شعرتُ بأنّ حركته توقّفت.
“لم أقصد إخافتكِ.
ألا تريدين مساعدتي؟”
“لا، لا أحتاج!
اذهب إلى مكانٍ آخر!”
“……إن كنتِ مُصِرّةً.”
أجابني بسهولة على صراخي.
“طريقُ الخروج من الغابة من هناك.”
ثم أشار إلى اتّجاهٍ لا أستطيع أنا رؤيته.
وبعدها، سمعتُ صوتَ خطواته يبتعد.
نعم، ابتعد بعيدًا.
ربّما هذا أفضل.
وسط السكون الذي خلّفه رحيله، أخذتُ أتنفّس بصمت.
—
لكن بعد لحظات.
حين انقطع حتى صوتُ البوم الذي كان يُسمَع كخلفيّة، لفّني ظلامٌ مخيف.
كأنّني تُركتُ وحيدةً في فضاءٍ شاسع.
عندها فقط أدركتُ أنّ الرجل الذي غادر كان، في هذه اللحظة، الشخصَ الوحيد القادر على مساعدتي.
“ا، انتظر……!
لا تذهب!
عُد!”
صرختُ بأعلى صوتي نحو الاتّجاه الذي اختفت فيه خطواته.
“قلتُ لك عُد!
ارجع فورًا، أيّها الأحمق!”
“نعم، أنا هنا.”
“آه!
أفزعتني!”
قفزتُ في مكاني وأنا أرفرف كسمكةٍ علقت في صنّارة.
“م، متى جئتَ……؟
لم أسمع لك أيّ خطوة…….”
تمتمتُ وأنا أضغط على صدري الذي يخفق بعنف.
“بدا لي أنّك خِفتِ منّي، فابتعدتُ قليلًا.
كنتُ أراقب إن كنتِ ستغادرين بسلام.”
“حسنًا، فقط ا، ابتعد قليلًا.”
عند قولي ذلك، تحرّكت خطواته ببطء إلى الخلف.
“حسنًا.
سأبقى على هذه المسافة.
هكذا يكون أفضل، أليس كذلك؟”
ثم ضرب الأرض بقدمه طرقاتٍ خفيفة، كأنّه يريد أن يعرّفني بالمسافة بيننا.
يبدو أنّه أدرك في تلك اللحظات القصيرة أنّني كفيفة.
“هل كان هناك مَن يطاردكِ؟”
“هاه؟”
“هناك رجلٌ ممدّدٌ قريبًا من هنا.
ألستِ قد سقطتِ من الجرف وأنتِ تهربين منه؟”
عند سماعي عبارةَ “رجلٌ ممدّد”، شحب وجهي وتراجعتُ خطوةً متردّدة.
لا بدّ أنّه ذلك الذي حاول اختطافي وسقط معي من الجرف.
“لا تقلقي.
ذلك الرجل ميتٌ بلا شكّ.”
“وكيف تجزم بذلك؟
أنا أيضًا سقطتُ، ومع ذلك ما زلتُ حيّة.”
“……حسنًا، الأمر أنّ.”
وبنبرةٍ هادئة، بدأ الرجل يشرح:
“عنقه ملتوية بزاويةٍ غريبة، وXX انفجرت فيه XX فخرجت XX وXX، وفوق ذلك، في منطقة الرأس XX بارزة إلى الخارج…….”
“آه، توقّف، توقّف!
لا داعي للشرح!”
هل هو مجنون؟
على أيّ حال، إن كان كلامه صحيحًا، فذلك الذي حاول اختطافي قد لقي حتفه فعلًا.
لكن بدل أن أشعر بالشماتة، تسلّل إلى ظهري قشعريرةٌ وأنا أفكّر أنّني كنتُ على وشك أن أكون رفيقته في الموت.
‘كيف سقطتُ أنا وحدي وبقيتُ سالمةً هكذا؟’
يبدو أنّ ذلك الذئب الأبيض الذي رأيتُه في شبه الحلم كان نوعًا من ملاك الحظّ الخاصّ بي.
على أيّ حال، حين أدركتُ أنّني نجوتُ من موتٍ محقّق، شعرتُ بالارتخاء، لكنّ ساقيّ بدأتا ترتجفان.
“حسنًا، هل ننهض الآن؟”
قال الرجل في تلك اللحظة.
“في هذه المنطقة كثيرٌ من الحيوانات الخطِرة، وقضاء الليل هنا ليس خيارًا جيّدًا.”
كان محقًّا.
لو بقيتُ في الغابة طوال الليل، فقد أصبحتُ فريسةً للوحوش، أو أموت من شدّة البرد.
وفوق ذلك، كانت أصواتُ الحيوانات البعيدة التي تصل إلى مسامعي تزيد قلقي.
—
عندها، لامس يدي شيءٌ بارد.
“آه!”
“هذا حزامُ حقيبتي.
ظننتُ أنّك لن ترغبي في الإمساك بيدي.”
“…….”
تردّدتُ ولم أستطع أن أمسك بالحزام الذي قدّمه.
من طريقة كلامه، لا يبدو رجلًا سيّئًا.
لكن هل يكتب الأشرار على جباههم: أنا شرير؟
وفوق ذلك، كدتُ اليوم أُختطف، وعلى يد شخصٍ تظاهر بأنّه غيره.
“أنا…….”
آه، رأسي سينفجر.
ماذا أفعل؟
هل أستطيع الوثوق به؟
—
وبينما كنتُ أتشبّث برأسي وأصارع أفكاري، مددتُ يدي في النهاية نحوه.
في وضعي الحالي، لا خيار لديّ أصلًا.
فالخروج من هذه الغابة لا يكون إلّا بالاعتماد على مساعدة شخصٍ لا أعرف عنه شيئًا.
“إن كنتِ قلقةً حقًّا، فسأوصلكِ إلى مدخل الغابة فقط.”
قال ذلك، ثم تقدّم أوّلًا.
وأنا أيضًا بدأتُ أتحرّك بحذر، ممسكةً بحزام حقيبته بإحكام.
—
على خلاف ما توقّعت، كان الرجل لطيفًا أكثر ممّا ظننتُ.
“أمام قدمكِ حجر.”
لم يسألني عن شيء.
كان يتوقّف أحيانًا ويقول ما يلزم فقط.
وبفضل عنايته، بدأتُ أطرح الشكوك جانبًا شيئًا فشيئًا وأتبعه.
‘لكن لا ينبغي أن أرخِي حذري تمامًا.
فهو لم يُفصِح عن هويّته بوضوح.’
قلتُ ذلك في نفسي وأنا أبقى متيقّظة.
التعليقات لهذا الفصل " 23"