لكنّه في ركن السياسة وركن الاقتصاد الّذين أخذني إليهما بعد ذلك، أخذ يتلو أيضًا عناوين كتبٍ مروّعة متشابهة.
“لا، ليس مثل هذه الكتب، ألا توجد أشياء أكثر متعة؟”
تذكّرتُ الكتب الّتي كنتُ أحبّ قراءتها، وبدأتُ أذكر العناوين واحدًا تلو الآخر.
“مثلًا…
خادمةُ الدوق تُخفي قوّتَها، السيّد الصغير قاسٍ جدًّا، الدوق الّذي لا يهوَس إلّا بي…….”
“ماذا؟”
سأل كاليوس بصوتٍ كأنّه سمع شيئًا صادمًا.
“ولِمَ أبي… يكون مُهوَسًا بكِ؟”
آه، يا للهفوة.
“حسنًا، على كلّ حال، ليس هذا وقتَ المزاح!
علينا أنْ نكتب التقرير بسرعة!”
قلتُ ذلك وأنا أدفعه من ظهره.
بدا أنّ كاليوس يريد أنْ يسألني المزيد، لكنّه لم يجد بُدًّا من التحرّك أمام إلحاحي.
—
بعد أنْ تركتُ كاليوس وحده في المكتبة ليُركّز على كتابة تقرير بديل عن الحضور، خرجتُ إلى الخارج.
فحتّى لو ظللتُ بجانبه، لم يكن هناك ما أستطيع مساعدته فيه الآن.
ما تبقّى يعتمد فقط على مدى جودة التقرير الّذي سيكتبه كاليوس.
حسنًا، لنثق بقدرات البطل للمرّةِ هذه أيضًا.
وبينما كنتُ أفكّر بذلك وأنا أنزل إلى الطابق الأوّل، سمعتُ وقع أقدامٍ ينهمر من جهة العلّيّة.
“أوه، ليزي.”
“إلى أين أنتِ ذاهبة؟”
كانت أصوات خادماتٍ أُخَر.
“آه، أنا ذاهبة قليلًا إلى المطبخ….”
“المطبخ؟ آه، إذًا لم تكوني متّجهة إلى المعبد؟”
كان في صوت إحدى الخادمات نبرةُ عدمِ استحسانٍ واضحة.
“ألم تتغيّبي أيضًا عن صلاة الصباح؟”
“نعم، كان لديَّ عملٌ اليوم…….”
حاولتُ أنْ أضحك بتوتّرٍ وأتفادى الحديث، لكنّهنّ لم يتركنني بسهولة.
“إذًا يجب عليكِ بالأحرى أنْ تذهبي إلى صلاة العصر، أليس كذلك؟ اليوم يومُ عيد.”
في هذا العالم، كانوا يبجلون حاكم النور بوصفه الحاكم الوحيد، ويعدّون التديُّن أهمّ الفضائل.
ولذلك، بغضّ النظر عن المكانة، كان الخدم أيضًا يذهبون في يوم العيد إلى الصلاة، موزّعين بين فوجٍ صباحيّ وآخر مسائيّ.
وكان النبلاء الّذين يُحبّون إظهار تديُّنهم يُشجّعون هذا السلوك من خدمهم.
‘وفي وضعٍ كهذا، بما أنّني الوحيدة الّتي لم تذهب إلى المعبد، فمن الطبيعيّ أنْ ينظروا إليَّ بعينٍ غير راضية.’
لكنّني لم أكن أختلق عذرًا بلا سبب، بل كان لديَّ فعلًا جبلٌ من الأعمال.
فبعد طرد ماري ودوروثي، أصبحتُ وحدي المسؤولة عن جميع مناطق التنظيف الّتي يقيم فيها كاليوس.
وفوق ذلك، كان كاليوس يناديني في كلّ وقتٍ تقريبًا.
لكن بدا أنّ الخادمات لا يُراعين ظروفي هذه إطلاقًا، إذ سمعتُهنّ يتهامسن بصوتٍ خافت.
“مهما يكن، أنْ تكون مشغولة إلى هذا الحدّ لدرجة ألّا تزور المعبد مرّةً واحدة…….”
“لهذا السبب لعلّ الحاكم عاقبها فأصبحت هكذا، أليس كذلك؟”
“صحيح، آه… أخشى أنْ يُصيبنا شؤم. هَيّا بنا، لا نتأخّر.”
أنا أسمعكنّ كلّكنّ، أيتها الوقِحات.
منذ وقتٍ ما، بدأت الخادمات يُظهرن عداءهنّ لي على نحوٍ واضح.
فعادةً ما كانت خدمة السيّد الصغير تُسند إلى خادمةٍ ذات خبرة طويلة.
لكنّ كونَ فتاةٍ عمياء مثلي، لم يمضِ على دخولها سوى شهر، قد استولت على ذلك الموقع، كان أمرًا غير مقبولٍ بالنسبة لهنّ.
“أنتنّ، ماذا كنتنّ تهمسن به الآن؟”
في تلك اللحظة، جاء صوتُ تيلدا الحادّ من أعلى السلّم.
كانت تنزل الدرج بخطواتٍ غاضبة وسريعة.
“ليزي لا تستطيع الذهاب إلى الصلاة بسبب ماري ودوروثي، أليس كذلك؟”
حتّى أنا شعرتُ بالرهبة من برودة صوتها الّذي لم أسمعه منها من قبل.
“هل نسيتم أنّ هذه الطفلة تتحمّل وحدها الآن كلّ الأعمال الّتي كانتا تقومان بها؟”
عند كلامها، أطبقت الخادمات أفواههنّ بعدما كنّ يثرثرن منذ قليل.
فتيلدا تُعدّ من أقدم الخادمات، وكلامها لم يكن فيه ما يُخطئ.
وحين التزمن الصمت، قالت تيلدا بصوتٍ عالٍ وكأنّها تُريهنّ عمدًا.
“لا تُبالِي يا ليزي. لو ذهبتِ إلى الصلاة فلن يبقى أحدٌ ليُحضِر الطعام لسيّدنا كاليوس. ثمّ إنّ الدوق نفسه قد أذن بذلك، فكوني واثقة.”
“أحم…….”
حين ذُكر اسمُ الدوق، بدا أنّ الخادمات ازددن انزعاجًا، وأخذن يسعلن سُعالًا مصطنعًا.
لكنّ تيلدا تجاهلتْهنّ وتابعت كلامها إليّ.
“وليزي، إنْ خفّ عملكِ لاحقًا في رعاية السيّد الصغير، أخبريني. إنْ أردتِ الذهاب إلى الصلاة، سأرافقكِ في أيّ وقت.”
“نعم، شكرًا لكِ، يا تيلدا.”
فأنا أصلًا كنتُ أشعر بالحرج من الاضطرار إلى الاعتماد على الآخرين كلّما خرجتُ.
ولهذا كنتُ ممتنّة جدًّا لأنّ تيلدا عرضت ذلك من تلقاء نفسها.
“حسنًا، إذًا لا تُجهدي نفسكِ كثيرًا وخذي الأمر على مهل. أمّا أنا فسأعود إلى عملي…….”
وبينما كانت تهمّ بالمغادرة، قالت فجأةً كأنّها تذكّرت أمرًا.
“آه، صحيح، ليزي. قبل قليل قالت رئيسة الخادمات شيئًا لم تسمعيه. بعد نحو شهر سنذهب جميعًا إلى الغابة القريبة لقطف توت البرّي. هل تودّين المجيء معنا؟ لم تخرجي في نزهة حقيقيّة منذ دخلتِ البيت.”
ما إن اقترحت تيلدا ذلك حتّى ارتفعت أصوات الخادمات مجدّدًا.
“لكن، يا تيلدا! إنّها لا ترى أصلًا!”
“صحيح، كيف ستذهب عمياء لقطف التوت؟”
لكنّ الأصوات خمدت سريعًا، ويبدو أنّ تيلدا أسكتهنّ بنظرةٍ حادّة.
“ما رأيكِ يا ليزي؟”
“أم… أظنّ أنّ عليَّ أنْ أستأذن السيّد الصغير أوّلًا.”
“حسنًا، اسأليه إذًا.”
“نعم، يا تيلدا.”
قد يظللن ينظرن إليَّ بعين السخط، لكن…
همف!
أنا لا أراكنّ أصلًا، أيتها الوقِحات.
تجاهلتُ نظراتهنّ، وتوجّهتُ بخطاي نحو المطبخ.
—
وفي أثناء ذلك، كان تقرير كاليوس قد اكتمل.
أنْ يُنهيه بهذه السرعة، هذا يؤكّد أنّ قدرات البطل فعلًا ليست عاديّة.
بدا على كاليوس بعض الإرهاق، لكنّه سلّمني التقرير بصوتٍ لا يختلف كثيرًا عن المعتاد.
“تفضّلي، هنا.”
“هذا مذهل! أنْ تُنهيه بهذه السرعة!”
“لا شيء مميّز، فقط رتّبتُ الأفكار الّتي كنتُ أُفكّر فيها أصلًا وكتبتُها.”
قال ذلك ببساطة، لكنّني كنتُ أستطيع أنْ أسمع في صوته كم بذل من جهد.
“لا تقلق، بالتأكيد ستكون النتيجة جيّدة!”
بعد ذلك مباشرةً، نقلتُ التقرير إلى براندن.
“الآن لم يبقَ إلّا انتظار النتيجة، أليس كذلك؟”
سألتُ براندن.
“نعم، بعد أنْ تُراجعه الأكاديميّة سيُرسَل الردّ. وعندها سأأتي أوّلًا لإبلاغكِ بالنتيجة، يا آنسة ليزي.”
ثمّ غادر براندن إلى الأكاديميّة وهو يحمل التقرير.
حسنًا، لقد فعلنا ما علينا.
فكّرتُ بذلك وأنا أستمع إلى وقع خطواته وهو يبتعد.
والآن، فلنثق بحظّ البطل وننتظر براحة.
—
……لكنّ تلك الراحة لم تدم حتّى أسبوعٍ كامل.
‘آه…… أشعر بقلقٍ بلا سبب. قالوا إنّ ظهور النتيجة قد يستغرق وقتًا، فهل عليَّ فقط أنْ أهدأ وأنتظر؟’
ومضت أيّام وأنا أحمل هذا القلق في صدري.
“آنسة ليزي!”
“آه، السيّد براندن!”
ما إن سمعتُ صوته بعد طول غياب حتّى بادرتُه بفرح.
“كنتِ هنا إذًا. بحثتُ عنكِ طويلًا.”
“كنتَ تبحث عنّي؟ هل ظهرت نتيجة الأكاديميّة أخيرًا؟”
“آه…… لا، ليس هذا.”
أجاب براندن بنبرةٍ مُحرَجة أمام صوتي المتحمّس.
“لديَّ ما أُبلِغكِ به، لكنّه ليس للسيّد الصغير، بل رسالة موجّهة إليكِ أنتِ.”
“إليَّ أنا؟”
وبينما كنتُ واقفة بملامح حائرة، ناولني براندن رسالة.
“تفضّلي. آه، إنْ أردتِ، هل أقرأ لكِ ما فيها؟”
“نعم، من فضلك.”
فتح براندن الظرف وألقى نظرةً سريعة، ثمّ قال.
“إنّها رسالة من خالتكِ. تسأل عن أحوالكِ، وتقول أيضًا إنّها استلمت الصابون والتوابل الّتي أرسلتِها. هل أرسلتِ طردًا إلى البيت؟”
“آه، نعم! لقد استلمتُ راتبي الأوّل الشهر الماضي.”
أجبتُ وأنا أومئ برأسي.
كان الراتب الّذي أتقاضاه من بيت الدوق كبيرًا بما يكفي لأنْ أُدّخر بعضه، وأُرسل في الوقت نفسه مستلزمات ضروريّة إلى بيت خالتي.
‘يا للحمد! كنتُ قلقة من أنْ يضيع الطرد في الطريق، لكن يبدو أنّه وصل بسلام.’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"