1
للمتجسدين داخل الروايات قاسمٌ مشترك واحد.
وهو أنّهم، في يومٍ ما، يفتحون أعينهم ليجدوا أمامهم سقفًا غريبًا.
وسرعان ما يقود ذلك السقف الغريب إلى جسدٍ غريب، ووجهٍ غريب، وعالمٍ غريب.
لكنني كنت مختلفة.
حين فتحتُ عينيّ، لم أواجه سوى لا شيءٍ لا يختلف عمّا كان قبل التقمّص.
مهما أغمضتُ عينيّ وفتحتهما مجددًا، كانت النتيجة واحدة.
غير أنّ الأصوات والروائح التي لا يمكن أن تصدر من غرفتي، وكذلك اختلاف درجة الحرارة عن المعتاد، جعلتني أستنتج أمرًا واحدًا.
وهو أنّني جئتُ إلى مكانٍ مختلف تمامًا عن المكان الذي كنت أعيش فيه.
* * *
طَرَاخ!
صوتُ تحطّمٍ حادٍّ لخزفٍ اندفع نحو أذني.
تلاه صراخٌ حادٌّ من خادمتين، مع دويّ خطواتٍ ثقيلة.
لا شكّ أنّ ماري ودوروثي كانتا تتخبّطان هربًا من مزهريّةٍ طائرة.
زحفتُ على الأرض ببطء مبتعدةً قدر الإمكان عن مصدر الضجيج، ثم ارتميتُ ممدّدةً على بطني، وغطّيتُ رأسي بيديّ.
كلّ هذا الهرج بدأ في اللحظة التي فتحت فيها ماري الستائر بحجّة تهوية الغرفة.
فقد نهض الدوق الصغير، الذي ظننّاه نائمًا، فجأةً من سريره وهو يصرخ صرخة ألمٍ مروّعة.
“قلتُ إنني أكره الضوء! ألم أقل لكِ ألا تفتحي الستائر؟!”
تفجّرت كلماته غضبًا، ثم قذف بعنفٍ مزهريّةً كانت موضوعة على الطاولة الجانبيّة.
ومن بعدها، عمّت الفوضى التي سبق ذكرها.
الخادمتان تصرخان مذعورتين، والدوق الصغير يواصل الصياح مطالبًا بإغلاق الستائر…….
“لا! لا أريد!”
كان أشبه بحيوانٍ جريحٍ يطلق عواءً هستيريًّا، في حالةٍ يستحيل تهدئتها.
وسرعان ما انتقل عبر الأرض صوتُ احتكاكٍ لشيءٍ ثقيلٍ يُجرّ.
ومن ثِقَل الاهتزاز، خمّنتُ أنّه الإبريق الزخرفيّ الضخم الموضوع قرب الطاولة.
‘جنون… هل ينوي رمي ذلك أيضًا؟’
التصقتُ بالأرض كأنني سمكة مفلطحة، وما هي إلا لحظة حتى دوّى صوت تحطّمٍ آخر كاد يمزّق الأذنين.
صرخت ماري ودوروثي صراخًا هستيريًّا، ثم ولّتا هاربتين خارج الغرفة.
طَق طَق طَق!
تلاشى صوت أقدامهما بسرعة.
‘مهلًا! على الأقل أغلِقا الستائر قبل الهرب!’
لكنّهما كانتا قد فرّتا بعيدًا، تاركتين خلفهما أنا والدوق الصغير وحدنا وسط هذه الفوضى.
يا له من موقفٍ يُجنّ.
“يؤلمني… لا أريد….”
تمتم الدوق الصغير بصوتٍ واهن وهو ملقى على الأرض، يلهث بأنفاسٍ متقطّعة.
وبينما هدأ قليلًا، اغتنمتُ الفرصة ورفعتُ رأسي بحذر.
كان لا بدّ من إغلاق تلك الستائر اللعينة أولًا.
‘دعني أفكّر.’
ركّزتُ على دفء أشعّة الشمس التي لامست وجهي. كان ضوءُ ربيعِ الظهيرة يسقط على خدّي الأيمن.
مددتُ يدي اليمنى إلى الجانب، فلامستْ جدارًا باردًا وصلبًا.
نهضتُ متّكئةً عليه، وسرتُ للأمام متحسّسةً طريقي.
بعد خطواتٍ قليلة، أمسكتُ بقماشٍ سميك.
ستائر معتمة.
شْررررر—
أغلقتُها على عجل.
ما إن حُجب الضوء، حتى خيّم السكون على الغرفة، وكأنّ كلّ الأصوات ابتعدت فجأة.
لم يبقَ سوى أنين الدوق الصغير، لا يُدرى أهو من الغضب أم من الألم.
استدرتُ نحوه.
من النافذة إلى سريره قرابة عشر خطوات.
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع……
كلّما عدَدتُ، اقترب صوت أنفاسه.
……تسع، عشر.
توقّفت.
مددتُ يدي إلى الأسفل، فلامستُ شعرًا ناعمًا.
طَق!
في تلك اللحظة، ضرب الدوق الصغير يدي بعنف.
انكمش جسدي، وأمسكتُ بظاهر يدي. كان الألم شديدًا حتى كادت الدموع تترقرق في عينيّ.
بعد أن فركتُ يدي عدّة مرّات، مددتُها مجددًا.
هذه المرّة، لامستُ كتفًا نحيلًا.
ارتجف الدوق الصغير فجأةً، مطلقًا صوت ضيق، كأنّ شيئًا مزعجًا قد لمسه، لكنه لم يضرب يدي ثانية.
‘حسنًا… هو أيضًا لا يريد البقاء جالسًا على أرض هذه الغرفة المظلمة.’
جمعتُ قوّتي، وأمسكتُ بالصبيّ الهزيل ورفعته، ثم أجلسته على السرير.
فما كان منه إلا أن تحرّك قليلًا، ثم عاد ليدسّ نفسه تحت الغطاء.
لا بدّ أنّه لفّ جسده بالبطّانية وعاد إلى “وضع اليرقة”.
‘آه… العناية به حقًّا مُرهقة.’
تنفّستُ الصعداء في سرّي.
مرّ شهرٌ كامل منذ دخلتُ بيت الدوق خادمةً بعقدٍ مؤقّت للعناية بالدوق الصغير.
وخلال هذا الشهر، تبيّن لي أنّ روتينه اليومي لا يتعدّى النوم في غرفةٍ مظلمة، أو الجلوس بلا حراك محدّقًا في الفراغ.
كان يكره الضوء.
بل، في الحقيقة… كان يخشاه.
سواء كان ضوء الشمس المتسلّل من النافذة، أو حتى شمعةً واحدة تُشعل داخل الغرفة، كان يدخل في نوبةٍ هستيريّة ويبدأ بالصراخ.
وذلك بسبب إصابته بمرضٍ نادر يُدعى “داء رُهاب الضوء”.
داء رُهاب الضوء.
مرضٌ يعني اسمه حرفيًّا: الموت بفعل الضوء.
فكلّما لامس الضوء جسد المصاب به، شعر وكأنّ لحمه يحترق.
يا له من أمرٍ قاسٍ ومفجع.
أن يتحوّل دفء الطبيعة الذي يفترض أن يناله كلّ إنسان إلى ألمٍ يشبه الاحتراق.
ومع ذلك، لم يكن لهذا المرض علاجٌ معروف.
وكان على الدوق الصغير أن يواصل تحمّل هذا الداء الرهيب، وأن يصمد وحيدًا في ظلامٍ طويل…
إلى أن يلتقي بـ”البطلة”، القدّيسة التي استيقظت قواها بنعمةٍ ، فتشفيه.
نعم.
هذا هو العالم داخل الرواية التي قرأتها قبل موتي:
<دوق الظلام>.
وهذا الصبيّ المريض، العصبيّ، هو بطل الرواية: كاليوس ليفانيون.
أما أنا؟
فمجرد خادمة.
خادمةٌ عمياء جرى توظيفها على عجل للعناية بدوقٍ صغير أصابه المرض فجأة.
بعبارةٍ أخرى… شخصيةٌ ثانويّة ستختفي قريبًا من مجرى الأحداث.
* * *
“إذًا، ليزي، هل تعنين أنكِ نظّفتِ كلّ تلك الفوضى وحدكِ؟”
في غرفة استراحة خدم بيت الدوق.
كانت تيلدا، زميلتي، تلفّ إصبعي المجروح بقطعة قماش بعدما جُرحتُ أثناء التنظيف، وتسألني بنبرةٍ ممتلئة بالاستياء.
لم أستطع رؤية تعبير وجهها، لكنّ صوتها كان كافيًا.
“ذلك ليس من مهامّك أصلًا. أنتِ جئتِ لمساعدة الدوق الصغير في تحرّكاته، أليس كذلك؟ التنظيف من مسؤولية ماري ودوروثي.”
“نعم، لكن… شعرتُ أنّه لا حيلة لهما. كان الدوق الصغير يرمي الأشياء بلا توقّف. ولو كنتُ أرى، لكنتُ قد هربتُ أنا أيضًا فورًا.”
عندها أطلقت تيلدا زفرةً طويلة.
وبخبرتها التي تتجاوز خمس سنوات في هذا البيت، لا بدّ أنّها رأتني ، ساذجة، لا أكثر.
وكما توقّعت، بدأت توبّخني بنبرةٍ غاضبة قليلًا.
“إن تكرّر هذا الأمر، أبلغي رئيسة الخدم فورًا. هاتان الاثنتان بحاجةٍ إلى تأديب. منذ مجيئكِ وهما ترميان بكلّ أعمالهما عليكِ.”
هززتُ رأسي موافقةً على نصيحتها.
رغم أنّني فكّرتُ في سرّي:
‘وهل سيتغيّر شيء فعلًا؟’
فالدوق الصغير يقضي يومه كلّه في غرفةٍ لا يُسمح فيها بإشعال الضوء، فكيف لماري ودوروثي أن تقوما بعملهما على نحوٍ لائق؟
الوحيدة القادرة على التحرك والعمل دون رؤية… هي أنا.
تنظيف، إيصال الطعام، وكلّ الأعمال الصغيرة الأخرى.
“على أيّ حال، وجهكِ صار أنحف بكثير خلال شهرٍ واحد.”
قالت تيلدا وهي تنقر بلسانها بأسف.
“يبدو أنّكِ تعبتِ كثيرًا منذ جئتِ إلى هنا.”
……هل فقدتُ وزنًا إلى هذا الحدّ؟
رفعتُ يدي وتحسّستُ وجهي.
منذ لحظة التَجسدِ، كنتُ عمياء بالفعل، ولا أعرف كيف يبدو هذا الوجه.
صحيح أنّني أستطيع تخيّله تقريبًا من خلال اللمس، لكنّ التغيّرات الدقيقة، كفقدان الوزن، يصعب إدراكها.
“…تيلدا؟”
ناديتُها وهي تتابع ترتيب المكان.
“كيف يبدو وجهي؟”
فضحكت بخفّة.
“لمَ تسألين فجأة؟ ألم تكوني ترين في صغرك؟”
لكن ذلك كان قبل أن اتجسدَ في هذا الجسد، جسد ليزي سوان.
للأسف، لا أملك أيّ ذكريات عن تلك الفترة التي كنتُ أرى فيها.
“مع ذلك… أردتُ أن أعرف. مرّ وقتٌ طويل.”
“صحيح، فملامح الإنسان تتغيّر قليلًا مع النمو. حسنًا، دعيني ألقِ نظرة.”
ثم أمسكت تيلدا بوجهي وبدأت تديره يمينًا ويسارًا.
التعليقات لهذا الفصل " 1"