راحةٌ لكونها قادرةً على العلاج، وفرحٌ بذلك، وقلقٌ بسبب وجودِ مَنْ يقفُ خلف الأمر.
وثمَّ……
‘أمّي فعلًا غاضبة.’
لم أرَ أمّي غاضبةً هكذا حتّى عندما سبّبتُ مشاكلَ كبيرة.
ارتجف جسدي تلقائيًّا.
إنّها مُخيفة جدًّا.
“لكن، لكي أُعالِج جلالتَها علاجًا كاملًا، سيستلزم الأمرُ وقتًا طويلًا.”
ومع ذلك واصلت أمّي الشرحَ بهدوءٍ ولين.
“لقد استُنزِفت قوّةُ جلالتِها كثيرًا، ولو قُمتُ بتنقيةِ الماجي دفعةً واحدة فسيُحدِثُ ذلك صدمةً كبيرةً لجسدها. يجب تنقيتُها تدريجيًّا، جزءًا بعد جزء، مع تفريغِ البقايا ببطء.”
“ما دام أنّ الطريقةَ وُجِدَت، فلن تكونَ مسألةُ الوقت مشكلةً بعد الآن.”
قال بيرتولد ذلك مبتسمًا ابتسامةً تُشبِهُ ابتسامة هارزن.
“سأرفعُ إلى جلالتِه الإمبراطور كلّ ما أخبرتِني به. وسيكون ذلك أفضلَ أيضًا لأخي الصغير.”
للوهلةِ الأولى، بدا وكأنّه يراعي والدَ هارزن.
‘لا، لا!’
من يعلم ماذا سيقول ذاك الرجلُ للإمبراطور!
فهو شرّيرٌ في الأصل، ويمكن اعتباره مشتبهًا رئيسًا في حادثةِ حقنِ الماجي هذه.
ومن يدري كيف سيغيّر كلامه وهو في المنتصف!
“إذًا أنا أيضًا–”
فتحتُ فمي بسرعة.
“لا، لن يكون ذلك مناسبًا.”
سبقَتني أمّي وردّت بالرفض وهي تهزّ رأسها.
“الأفضل أن أُخبِره بنفسي. هكذا سيطمئنُّ جلالتُه أكثر.”
نعم نعم.
أمّي دائمًا ذكيّة.
إذًا مجدّدًا……
“إذًا أنا أيض–”
“سي سي.”
قُوطِع كلامي بوحشيّة هذه المرّة أيضًا.
لكن ليس من أمّي أو بيرتولد… بل من والدِ هارزن!
“يبدو أنّ لديكِ حديثًا متبقّيًا معي.”
ابتلعتُ ريقي ولم أستطع قولَ شيء.
ما الأمر؟
هذا غريب.
أشعر أنّني مررتُ بهذا الموقفِ قبل فترة قصيرة…….
—
وبذلك بقيتُ وحدي مع والدِ هارزن داخل الغرفة.
“كيف تبعتِنا إلى هنا… أستطيعُ تخمينَه فقط من رؤيةِ هذا.”
نظر هارزن إلى عباءةِ التخفيّ الخاصة بأبي كايل، ثمّ تكلّم.
“ما أريدُ سؤالَكِ عنه هو، نعم… لماذا أتيتِ إلى هنا؟”
وقفتُ باستقامة، وانحنى رأسي كرقبةِ سلحفاة.
“ذا… ذلك لأنّ…”
أمّاه، أنقذيني.
هذا الجوّ مُخيف جدًّا!
“……سي سي.”
في تلك اللحظة، انحنى أبي ليلتقي بناظري، وتكلّم.
كان صوته أكثرَ لطفًا ممّا كان عليه قبل قليل.
“آسفٌ عمّا حدث في قاعةِ المثول.”
“أونغ؟”
“لقد ارتبكتُ عندما رأيتك، فارتفع صوتي. لكن لم يكن قصدي أبدًا أن أوبّخك بلا سبب.”
“…….”
“كنتُ فقط أُريد معرفةَ السبب الذي دفعك لاتخاذِ هذا القرار.”
حدّقتُ في عينيه الزرقاوين طويلًا.
عدمُ التسرّع في التوبيخ، بل النظر إلى الطفل أولًا ومحاولةُ فهمه.
ربّما كان هذا نوعَ ‘الحوار’ الذي تاق إليه هارزن في طفولته.
“أنا…….”
جمعتُ قليلًا من الشجاعة وفتحتُ فمي.
“أ، أردتُ حمايةَ أمّي.”
الحمد لله.
يبدو أنّ هذا القدر من الكلام مسموح.
“حماية؟”
سأل أبي متعجّبًا.
استجمعتُ أنفاسي وواصلت:
“هل تُصدِّق ذاك الرجل؟”
“ذاك الرجل؟”
اتّسعت عينا والدِ هارزن قليلًا، ثمّ أطلق آهًا خافتة.
“تَقصدين أخي الأكبر.”
“أُونغ.”
لا أستطيع مناداته بالعمّ.
لا أريد الاعتراف به كعائلة.
“لماذا تسألين ذلك فجأة–”
وقبل أن أجيب، قطب أبي حاجبيه وهو يتذكّر وجه بيرتولد.
ثمّ فجأة بدت عليه ملامحُ مَنْ توصّلَ إلى شيء.
“أظنّني فهمتُ سببَ هذا السؤال.”
هَه؟ حقًّا؟
هل أدرك شيئًا؟
“لقد استمعتِ بالتأكيد إلى ما تحدّثتُ فيه مع ليا في العربة. وهنا أيضًا… لم يكن الجوّ لطيفًا.”
……لا، يبدو أنَّه لم يفهم.
“لكن يا سي سي…”
ثمّ ابتسم أبي ابتسامةً دافئة صادقة هذه المرّة.
“كان أخي من القلائل الذين اعتنوا بي في هذا القصر البارد.”
كلماتُه غرست شيئًا مؤلمًا في صدري.
“طفولتي لم تكن شبيهةً بطفولتِك أبدًا. ولو لم يكن أخي موجودًا… لَما استطعتُ الحفاظَ على توازني.”
حدّقتُ في عينيه بصمت.
كان في كلامه حبٌّ عميق مختلفٌ عن الحبّ الذي يكنّه لي ولأمّي… حبٌّ ثقيل.
ذلك الرجلُ كان الوحيد الذي تقدّم نحو الفتى الوحيد.
كنتُ أعرف معنى ذلك.
“إذًا… أبي…”
أخفضتُ نظري وتردّدت.
يُقال إنّ الحقيقة قد تكون سمًّا.
فهي قد تكون قاسيةً جدًّا لدرجة أنها تُحطّمُ حياةَ إنسان.
‘لكن…….’
الآن أدركُ جيّدًا كم يحبّ أبي أخاه ويثق به.
لكنّي أعلم أنّ أخاه رجلٌ سيّئٌ جدًّا… بل سيسعى لقتل أمّي مستقبلًا.
ولذلك لا بدّ أن أُحطّمَ تلك الصورة المزيّفة التي يملكها أبي عنه.
لكي أنقذَ أمّي.
“هل يحبّ أبي ذاك الرجل أكثرَ من أمّي؟”
مهما كانت الإجابة، سأفعل ما يجب فعله لكشفِ جرائم بيرتولد.
ومع ذلك… أردتُ قول هذا فقط لأنّي أردتُ الدلال.
وربّما… أردتُ يقينًا صغيرًا من أبي.
يقينًا بأنّه حتى لو دمّرتُ صورته عن أخيه، فلن يحزنَ ما دامت أمّي بخير.
سيبتسم مجدّدًا… ابتسامةً حقيقية.
لا تلك التي يبتسمها حين يفكّر في بيرتولد، بل الابتسامة التي يخصّ بها عائلتنا.
“هم؟”
رفع أبي حاجبيه على سؤالٍ مفاجئ.
ثمّ أجاب بصوته الهادئ المعتاد:
“أظنّ أنّ المقارنة بينهما غيرُ ممكنة يا صغيرتي.”
“لماذا؟”
“لأنّ ليا هي أكثرُ مَنْ أحبُّ في هذا العالم، وأخي هو أكثرُ مَنْ أثق به. والمحبّةُ شيءٌ، والثقةُ شيءٌ آخر.”
“صعب.”
تمتمتُ وأنا أُبرِزُ شفتيّ بضيق.
“يجب أن تُعطي أكثرَ قدرٍ من الثقة لِمَنْ تُحبّهُ أكثر.”
الثقةُ بأمّي أم بيرتولد؟
أليس من الطبيعيّ أن يختار أمّي؟
صحيح أنّ العائلة مهمّة…
لكن لو كان لديّ شخصٌ أحبّه، فسأختار أمّي وأبي أوّلًا!
التعليقات لهذا الفصل " 16"