الي حيصير الان وجهة نظر اينرهان من الموقف وحيصير زي الفلاش باك ومتل خلفيه صوتيه لاغنية يون
* * *
“حتى لو كان الطريق مرهقًا إلى حدّ الانهيار، وحتى لو انتهى بي الأمر إلى لومك~”
كانت يون تراقبه بلا انقطاع.
ارتسم على وجهها وهي تغنّي ظلٌّ من تساؤلٍ غامض، غير أن إينرهان لم يخلع غطاء رأسه.
كانت تلك القطعة الواحدة من القماش الأسود السميك هي الحاجز الأخير الذي يُبقيه متماسكًا.
ولولاها، لما استطاع كبح نفسه.
“كل ما سُلب منك من سعادة… أستطيع أن أملأه لك.~”
حين هبّت الريح فانكشف طرف من غطائه، والتقت عيناه المكشوفتان بعيني يون المرتجفتين، لمح في تلك اللحظة القصيرة مشاعرَ غامرةً تجمّعت في عينيها—أكانت تعرفه؟
أم كان مجرّد شكٍّ وحيرة؟
لم يكن يملك الجرأة ليُعرّف ذلك الشعور وهو يواجهها.
نهض على عجل كمن يفرّ هاربًا وغادر الحانة في طرفة عين كأنه ريحٌ عابرة.
لم يكن ما فعله سوى هروب، ولا يمكن تسميته بغير ذلك.
تدفّق إليه خوفٌ متناقض: فرحٌ خفيّ لاحتمال أن تكون قد تعرّفت عليه، ورعبٌ أشدّ من أن يكون ما رآه في عينيها مجرّد تساؤل عابر كـ نظرة امرأة إلى رجلٍ غريب تراه لأول مرة.
كانت تلك المرأة التي طال شوقه إليها، ومع ذلك اجتاحه خوفٌ قاسٍ: ماذا لو أنها لا تتذكّره إطلاقًا؟
نعم… لا تتذكّره أبدًا.
* * *
“مولاي، لقد عثرنا على المرأة ذات الشعر الأسود التي ذكرتها.”
رفع إينرهان يده بأصابعه الطويلة الأنيقة وضغط بقوة على محيط عينيه.
ما إن سمع الخبر حتى هرع إلى هنا.
كان يعلم أن الأمر مسألة وقت، لكنه لم يتوقّع أن يتم العثور عليها بهذه السهولة… أبدًا.
تلقّي هدية عظيمة لم يحظَ بها يومًا، ومن دون أي استعداد، كان أمرًا يبعث على فرحٍ مخيف.
هذا التناقض العجيب أخذ يعصف بصدره.
وبينما كان يعبر القرية مسرعًا، اقترب منه لويد.
“مولاي، إن أمرت، سنأتي بها إلى القصر.”
هزّ إينرهان رأسه بوجهٍ متصلّب.
“اتركوها حتى تغادر هذا المكان. وما إن تغادر القرية، ضعوا من يراقبها سرًّا.”
بدت كلمات إينرهان وكأنه واثق من أن يون ستغادر قريبًا، فساور لويد شيء من الاستغراب، لكنه لم يُظهره.
فكلام سيّده مطلق، ولم يخطئ يومًا.
* * *
“يون، غناؤك في الآونة الأخيرة رائع فعلًا. لكنني سمعت أنكِ سقطتِ مغشيًّا عليكِ من قبل؟ عليكِ أن ترتاحي قليلًا. لقد كلّمتُ هانز أيضًا—أيعقل أن يُرهِقوا مغنّية قريتنا الأولى هكذا!”
“كنتُ متعبة قليلًا في ذلك اليوم، لكنني بخير الآن. لا تقلقوا، شكرًا لكم وإلى اللقاء.”
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة وغادرتُ متجر الأدوات.
منذ أن سقطتُ أثناء الغناء قبل فترة، وكل من أقابله لا يتحدّث إلا عن صحتي.
لم أكن أرغب في لفت الأنظار بسبب أمرٍ كهذا، لكن من سوء الحظ أنني سقطتُ في مكانٍ كان يعجّ بالناس.
لحسن الحظ، استعدتُ وعيي في اليوم التالي.
خدعتُ هانز بالقول إنني كنت أعاني من وعكةٍ عابرة.
كان قلقه المبالغ فيه خشية أن أعجز عن الغناء مدعاةً للابتسام.
على أي حال، فأنا راحلة عن هذا المكان قريبًا.
أما الرجل ذو الغطاء، فلم يظهر في الحانة مرةً أخرى منذ ذلك اليوم.
شدَدتُ الخريطة في صدري بإحكام.
كنت قد حصلتُ عليها بشقّ الأنفس بعد أن طلبتها من متجر الأدوات لأسابيع.
وعندما قال صاحب المتجر إن الخريطة باهظة الثمن، تذرّعتُ بأنني لا أستطيع السفر، فأرغب على الأقل في امتلاك خريطة، وزدتُ كذبةً أخرى بأن عيد ميلادي قريب.
عشرة أيام فقط.
لم يتبقَّ على رحيلي سوى عشرة أيام.
كان عليّ أن أُعدّ كل شيء بتأنٍّ، خطوةً خطوة، ومن دون أي ثغرة.
“كحّ… كحّ.”
بعد أن قطعتُ مسافةً لا أدري مقدارها، باغتني ألمٌ حادّ كأن قلبي يتمزّق، وانفجر السعال من صدري.
تسلّل إلى رأسي سؤالٌ واحد: مرة أخرى؟
لم يمضِ سوى أسبوع على آخر مرة سقطتُ فيها، ومع ذلك كانت نوبات السعال تتقارب أكثر فأكثر.
غطّيتُ فمي وارتجفت كتفاي طويلًا، لكن السعال لم يهدأ.
“كحّ، كحّ… كغغغ.”
خفق قلبي بعنف، كأن أحدهم يغرس إبرةً ضخمة في صدري ويحرّكها بلا رحمة.
شعرتُ بألمٍ لا يُحتمل كأن صدري على وشك أن يتمزّق، فاستندتُ إلى عمودٍ خشبي، غير أن الدوار العنيف أطاح بي فسقطتُ أرضًا.
“كح…كححح…”
وبعد أكثر من عشر دقائق من السعال المتواصل وأنا أرتجف غير قادرة على الثبات، اندفع شيءٌ لزج إلى فمي وسقط على الأرض.
طخ… طخ—
تلون التراب بلونٍ داكنٍ من الدم.
حدّقتُ في ذلك المشهد المتنافر بذهول، ثم بعد برهة مسحتُ فمي بظهر يدي.
ما إن خرج الدم حتى خفّ السعال، لكن الألم الذي كان يعصر قلبي ازداد، كأن يدًا خفية تقبض عليه لتسحقه.
“ها… هاها.”
كانت عيناي ممتلئتين بالدموع، لكن ضحكةً جافة خرجت من شفتيّ.
إذًا أنا أموت… حقًا لم يتبقَّ لي الكثير.
كنتُ أعلم ذلك، لكن رؤيته على هذا النحو منح الأمر شعورًا مختلفًا.
إحساسٌ غريب… لا أدري أهو حزن أم راحة، حتى مشاعري لم أعد أفهمها.
أغمضتُ عينيّ، وتلاشى وعيي.
بدا العالم في الظلام كأنه يقرأ الضوء ثم يدور ويدور.
لم أعد أرغب في التفكير بأي شيء.
* * *
استعدتُ وعيي في ساعةٍ متأخرة من الليل.
كان جسدي واهنًا، بلا أي قوة، كأن ثِقلًا هائلًا معلّق بقلبي يجرّه نحو أعماق بحرٍ لا نهاية له.
الإحساس بأنني أغرق وحيدةً في بحرٍ باردٍ لا أحد فيه كان بائسًا وقاسيًا، بلا أفق ولا نهاية.
التعليقات لهذا الفصل " 8"