𑁍 الفصل 7 𑁍
ما إن غادر حتى شربتُ الماء البارد بلهفة.
جرعةً بعد جرعة، انحدر الماء البارد عبر حلقي الجافّ تمامًا، ولم أستعد أنفاسي إلا حينها.
كنت ممتنّة لأنه لم يسأل شيئًا.
لا يهمّ إن كان قد سخر في داخله أو أشفق عليّ؛ لم أُرِد أن أشغل بالي بذلك.
اعتبرتُ الأمر سدادًا للدَّين بيننا.
مقابل الرَّام الذي أعطيته له يومها، وقطع النحاس الثلاث.
هكذا أقنعتُ نفسي.
* * *
“سأكون في الفناء الخلفي قليلًا.”
بعد أن غنيتُ نحو أربع أغانٍ وحان وقت الاستراحة، اتجهتُ إلى باحة الحانة الخلفية.
أغلقتُ الباب المؤدي إلى الداخل بصوتٍ خافت، فانخفض الضجيج وشعرتُ أخيرًا أن صدري يتّسع للتنفّس.
أسندتُ ظهري إلى كرسيٍّ خشبيٍّ مهمل في أحد الأركان، ورفعتُ بصري إلى السماء فوقع نظري على هلالٍ رقيق منحنٍ بلطف.
‘أسبوعان… لم يتبقَّ سوى أسبوعين فقط.’
جسدي الذي ازداد سوءًا لم يعد يقوى على الحركة بعد الغناء، حتى إنني أبقى عاجزةً للحظات.
آكل أكثر من السابق، وأرتاح طويلًا في النهار، لكن لا تحسّن يُذكر.
عندما يحين الموت… هل سأتمكّن ولو لحظة من رؤية قمر عالمي الأصلي؟
القمر الأزرق ساطعٌ حدّ الإبهار.
أغمضتُ عينيّ.
على الأقل، في لحظة الموت… أتمنى أن أعود إلى الأرض مرة واحدة فقط.
لقد توسّلتُ آلاف المرات أن يعيدوني، ولم يُستجب لي. فهل يشفق عليّ الإله عند موتي؟ لا بدّ أن يفعل، ولو بدافع الشعور بالذنب لأنه أرسلني إلى هنا.
هل سيكون الأمر مخيفًا؟ أم مريحًا؟
ماذا يشعر الإنسان في لحظة موته؟
حتى وأنا أفكّر في موتي أنا، أشعر ببرودٍ غريب.
هل لأنني لا أملك هنا ما يستحقّ التعلّق؟
من لا يملك حنينًا، لا يخشى الرحيل.
لكن القلق الهائل الذي أحمله في صدري دائمًا ليس خوفًا من الموت ذاته، بل خوفًا من ألا يكون لي سلامٌ حتى بعده.
لا أعلم متى تغيّرتُ هكذا.
أين ذهبت تلك الطالبة الجامعية الممتلئة بالأحلام؟ ولماذا لم يبقَ سوى هذه النسخة المنهكة، المتداعية؟
تلك التي كانت تضجر من المحاضرات المملّة، ثم تبتسم فورًا عند وجبة غداء لذيذة…
تلك التي تبدأ يومها بحماس، تحبّ لقاء الناس وصناعة الصداقات، تضحك كثيرًا وتثمّن كل خطوة صغيرة نحو حلمٍ بعيد…
أين اختفت؟
لماذا سقطتُ من طريقي هكذا، وتُركتُ أهيم بلا وجهة؟
سؤالٌ بلا جواب، مهما كرّرته آلافًا مؤلّفة من المرات، وزاد خوفي لأنه بلا جواب.
تدفّقت الدموع من قلبٍ مثقلٍ بالإحباط والجراح والغضب.
عجزي عن العودة إلى عالمي بإرادتي كان يدفعني إلى يأسٍ لا نهاية له.
خشخشة—
فتحتُ عينيّ بصعوبة على صوتٍ ما ومسحتُ دموعي المتجمّعة.
“…منذ وقتٍ طويل.”
همستُ بكلماتٍ واهنة، بالكاد تُسمَع.
كان يقف على مسافة قصيرة، يحدق بي ذلك العفريت الهجين الصغير.
في الحقيقة، لم يكن غيابُه طويلًا.
فقد رأيته قبل أيامٍ قليلة وهو يسلّم بعض البضائع.
“لقد كبرتَ كثيرًا.”
تمتمتُ مرة أخرى، بصوتٍ خافت وابتسمتُ ابتسامةً باهتة.
لقد كبر حقًا… إلى حدٍّ يصعب معه تصديق أنه ذلك الطفل نفسه.
رفعتُ نظري إلى منتصف رأسه حيث يبرز قرنٌ فضّي صغير.
كان أطول ممّا كان عليه عند أول لقاء.
حتى لو كان هجينًا، فهو عفريت بلا شك.
في الماضي كان يبدو لي إنسانًا مثلي، أما الآن فلم يعد كذلك.
والآن، حتى حين أنظر إلى عينيه، لم أعد أستطيع قراءة ما فيهما.
كأن الغضب والجراح دُفنت عميقًا في داخله؛ لا تطفو ولا تضطرب.
عندما يتحدّث مع الآخرين، يبدو كدميةٍ بلا تعبير.
كان يزداد شبهًا بالعفاريت مع مرور الوقت.
يقال إن للعفاريت نظراتٍ خاوية…
وهو لم يكن استثناءً.
لكن حين يواجهني تحديدًا، كانت تطفو في عينيه مشاعر لا أستطيع فهمها.
إذا التقت أعيننا، لم يكن هو من يشيح بنظره أبدًا.
كان يحدّق بثبات، إلى حدٍّ يجعلني أنا من أنسحب أولًا.
نهضتُ بصعوبة بعد صمتٍ قصير.
حان وقت العودة.
وأنا أخطو باتجاهه لأدخل، ظلّ واقفًا في مكانه صامتًا يحدّق بي.
ظننتُ أن لديه ما يقوله… لكن يبدو أنه لم يكن كذلك.
وعندما مررتُ بجانبه وقد صار أطول مني بكثير همس بصوتٍ منخفض:
“آسـهان.”
توقّفتُ لحظة عند سماع صوته الجديد العميق والمنخفض ثم تابعتُ السير.
“هذا… اسمي.”
تمتم بها وكأنه يهمس للهواء.
دار صوته الخفيف كالنسيم حول أذني، ثم تلاشى ما إن فتحتُ باب الحانة ودخلت.
‘…آسـهان.’
حين عدتُ إلى المسرح وصعدتُ للغناء، شعرتُ بنظرةٍ مختلفة عن المعتاد.
كانت تأتي من أقصى الزاوية اليمنى، من شخصٍ يجلس وحده إلى طاولة.
كان يرتدي عباءةً سوداء ذات غطاء رأس، والظلال تحجب ملامحه، لكن بين الحين والآخر كانت تنفذ من تحت الغطاء نظرةٌ غامضة.
كانت تلك النظرة تخترقني وأنا أغنّي بلا انقطاع.
نظرات الآخرين كانت ودودة، أما نظرته فكانت تحمل شيئًا آخر… أقرب إلى تعلّقٍ يصعب تعريفه.
تعلّق؟
أم شوق؟
الحدّ بينهما كان ضبابيًا.
كان يبدو وكأنه يعرفني.
ليس يون المغنية في حانة ليون، بل يون الإنسانة ذاتها…
فكرة غير معقولة، لكن هذا ما شعرتُ به.
حاولتُ مرارًا أن أختلس النظر إليه أثناء الغناء، لكن الظلام والغطاء حالا دون تمييز هويته.
بدا رجلًا من هيئته، ورغم أنه كان مغطّى بالكامل، إلا أنني وحدي شعرتُ بأن عينيّ لا تستطيعان الابتعاد عنه.
الغريب أن لا أحد غيري كان يوليه أي اهتمام.
كان على طاولته كأس بيرة، لكنه لم يقرّبه من فمه ولو مرة واحدة.
— “أعدني… وانتظرني~”
مرةً أخرى، كان ينظر إليّ.
“حتى لو كان الطريق مرهقًا إلى حدّ الانهيار، وحتى لو انتهى بي الأمر إلى لومك~”
في تلك اللحظة، فُتح باب الحانة مع دخول أحدهم، فاندفع هواءٌ بارد عنيف.
“سأبقى معك. وفي النهاية، سأكون إلى جوارك~”
هزّت الريح المفاجئة الغطاء الأسود.
“كل ما سُلب منك من سعادة… أستطيع أن أملأه لك.~”
ومن بين طيّات الغطاء، خُيِّل إليّ أنني رأيتُ بريق عينين زرقاوين.
دقّ.
في تلك اللحظة، توقّف العالم.
اختفى كلّ ضجيجٍ من حولي، وتحول العالم إلى لوحةٍ عديمة الألوان لم يبقَ فيها سوى هاتين العينين الزرقاوين.
هبط قلبي إلى قاع صدري.
انتهت الأغنية، لكنني لم أستطع التنفّس.
وحين تلاشى ذلك الأزرق أخيرًا، عاد الزمن المتجمّد ليتحرّك متأخرًا، طَق… طَق.
رفعتُ رأسي أبحث عن الرجل، لكن المكان الذي كان يجلس فيه لم يبقَ فيه سوى كأس بيرة لم يُمسّ منها رشفة واحدة.
بهذه السرعة؟
هل غادر في لحظة؟
تلفّتُّ في أرجاء الحانة، لكنه لم يكن هناك.
وفي تلك اللحظة، اجتاحني دوارٌ هائل كأنه صفعةٌ ثقيلة سحقتني.
طَخ.
ألمٌ حادّ اخترق قلبي وبدأ جسدي يميل ببطء.
سقطتُ من فوق الكرسي وانهرتُ على أرض الحانة.
ومع صوت ارتطامٍ مدوٍّ، انزلقت الآلة الموسيقية من يدي وتدحرجت على الأرض.
رأيتُ وجوه الناس وقد ارتسم عليها الذهول، وسمعتُ صرخاتٍ تتعالى.
تجمّع الناس حولي في لحظة.
كان أحدهم يمسك بجسدي المنهار، ويناديني مرارًا “يون، يون“، لكن أذنيّ كانتا كأنهما مغمورتان بالماء، لا يصلني الصوت إلا مكتومًا.
الوجه الذي كان يصرخ بقلقٍ بالغ لم يكن سوى آسهان.
بدل أن أفكّر في سبب وجوده ممسكًا بي الآن، كان ذهني ممتلئًا تمامًا بذلك الرجل ذي الغطاء الأسود.
من يكون؟
وخلف وعيٍ يتلاشى، ظللتُ أفكّر فيه.
كانت زرقاء…
العينان اللتان لمع بريقهما من بين الغطاء المرفوع قليلًا، كانتا زرقاوين بلا شك.
زرقةٌ مختلفة عن زرقة عيني آسهان……
هل هو عفريت آخر؟
أم عفريت هجين؟
بل وفي قريةٍ بشرية؟
ولماذا شعرتُ بأن تلك النظرة مألوفة؟
ولماذا… لماذا يضيق صدري هكذا……؟
كأنني أُخنَق، حتى أنفاسي لم تعد تسعفني.
* * *
كان إينرهان يحدّق بصمتٍ في يون وهي تغنّي على مسرح حانةٍ رخيصة وبائسة.
جسدٌ نحيل إلى حدّ الهزال، وملامح مرضٍ لم تستطع مساحيق التجميل إخفاءها عن عينيه.
كانت تبدو وكأنها ستسقط في أية لحظة، لكن البشر الأغبياء من حولها لم يلحظوا شيئًا.
لم ينتبهوا إلى أنها تخفي مرضها بصعوبة وهي تغنّي، بل اكتفوا بالانغماس في صوتها يحدّقون بها مفتونين.
رائحة البشر التي تملأ الحانة، ونظراتهم المتشبثة بها… كلّ ذلك كان مقرفًا إلى حدٍّ جعله يرغب في قتلهم جميعًا.
ومع ذلك، تحمّل إينرهان بصمت مستندًا إلى صبرٍ راكمه عبر مئات السنين.
‘سأبقى إلى جوارك. أعدكِ.’
‘اعِدني… بأن تنتظرني-‘
امتزج صوت تلك الطفلة الصغيرة داخل رأسه في ذلك اليوم البعيد، مع صوت يون وهي تغنّي الآن أمام عينيه.
صوتٌ نضج مع مرور الزمن، لكن جوهره بقي كما هو.
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خاوية دون وعي.
انتظر كل هذا الوقت… والآن فقط؟
ألم يكن يتوقّع هذه اللحظة؟ بل ألم يكن يتوق إليها؟
حقيقة أن ما ظلّ يطارده بلا نهاية كان له شكل، وأنه بات قادرًا أخيرًا على امتلاكه، جعلته سعيدًا… وسعيدًا على نحوٍ مؤلم.
التي اشتاق إليها حدّ نقش اسمها في عظامه، والتي تحوّلت دون أن يدري إلى هدفه الوحيد، تقف الآن هنا، كأن الأمر كذبة.
هي نفسها التي جعلته عبر زمنٍ طويل يختبر الشوق والكراهية والغضب والحزن والحب…
هي ذاتها التي رجّت كيانه حتى الجذور، ولامست وجوده في الصميم؛ تقف الآن أمامه، وتغنّي… بالصوت نفسه الذي ما زال يطارده منذ ذلك الحين.
“هاه!”
أطلق زفرةً قصيرة أشبه بأنين.
أراد أن يضحك بجنون.
بل أراد أن يصرخ.
مشاعر نسيها عبر قرونٍ طويلة اندفعت فجأة كالإعصار.
وفي قلبه، كان هناك تعلّق كثيف، ثقيل، متجذّر.
كان يسمّيه حبًّا، لكنه هو نفسه لم يكن متأكدًا إن كان ذلك حبًّا حقيقيًا.
وهل يهمّ؟
سأل إينرهان نفسه بهدوء.
هل تعريف المشاعر مهمّ بالنسبة له؟
هو يمسك أخيرًا بما كان يبحث عنه، يريد أن يحطّمه بقدر ما تألّم بسببه، ومع ذلك، هو ثمينٌ إلى حدٍّ لا يجرؤ معه على لمسه، ثمين إلى درجة تخنق أنفاسه.
في كل مرة يراها، وهي تبتلع مشاعره اليابسة المتصلّبة كموجةٍ عاتية، وتهزّها كزلزالٍ هائل، كان يتسلّل إليه أملٌ غريب…
أملٌ بأن يموت ثملًا بهذا الشعور.
بأن تنتهي أخيرًا هذه الحياة الجوفاء المملة.
متى بدأ يرى البشر مقزّزين؟
بالنسبة له، لم يكن البشر سوى جنسٍ وضيع لا يستحق حتى الاشمئزاز.
ومع ذلك، راوده دافعٌ عارم لأن يحطّم هذه الحانة الرخيصة فورًا، وأن يقتلع عيون كل البشر الذين يحدّقون بها، ثم يأخذها… ويغادر.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 7"