6 - ريحٌ عابرة
𑁍 الفصل 6 𑁍
قال وهو يغيّر نبرة صوته:
“على أي حال… أتمنى لو أن يون تغنّي لي طوال الأسبوع كله……”
“طوال الأسبوع…؟“
هززتُ رأسي نافية.
الغناء أسبوعًا كاملًا أمرٌ مستحيل.
لديّ أعمال أخرى، ثم إن تحمّل العمل تحت إشراف كاميلا وحده مرهق، فكيف بي إن غنّيت أسبوعًا كاملًا؟
“ما رأيك أن تتركي ذلك المكان نهائيًا وتأتين إلى هنا؟ تستريحين في النهار، ومن المساء تساعدين في تجهيز الافتتاح وتغنّين. سأخصص لكِ غرفة، وأرفع الأجر بالساعة. ما رأيك بقطعة فضية واحدة في اليوم؟“
قطعة فضية واحدة…
فجأة اهتزّ قلبي.
قطعة فضية واحدة تعادل ثلاثين قطعة نحاسية.
في السابق، كنت أتقاضى تحت إمرة كاميلا خمس عشرة قطعة نحاسية في اليوم، وإذا غنيت أُضيفت ثماني قطع أخرى، أي إن أقصى ما كنت أحصل عليه هو ثلاث وعشرون قطعة نحاسية لا أكثر.
أما قطعة فضية واحدة، فلم يكن فيها أي خسارة.
بل إنني في الآونة الأخيرة صرت أتلقى إكراميات هنا، ما يعني دخلًا إضافيًا أيضًا.
“همم… سأفكر في الأمر.”
“حسنًا، فكّري حتى الغد وأخبريني. سأبلّغ كاميلا مسبقًا، فلا داعي للقلق.”
ظلّ هانز يحثّني مرارًا على التفكير بإيجابية، ثم غادر الغرفة.
في صباح اليوم التالي، وافقتُ على عرض هان، وأصبحت المغنية الرئيسية المتفرغة في حانة ليون.
حزنت يوها كثيرًا عندما علمت بانتقالي من عملي، وشعرت بالخذلان.
وأنا أيضًا لم أكن بلا حزن.
فيوها كانت الشخص الوحيد الذي تعلّق به قلبي هنا، ومكتب كاميلا للتوظيف كان المكان الذي أستطيع فيه العمل معها……
لكنني كنت بحاجة إلى كسب المزيد من المال قبل أن أغادر، ولم يكن هناك عرض أفضل من عرض هانز.
“المكان ليس بعيدًا، تعالي لزيارتي كثيرًا. سأكون دائمًا هنا في ليون.”
عندها فقط أفلَتَت يوها من قبضتها التي كانت تشدّ بها كُمّ ثوبي.
آسفة يا يوها.
هذا هو خياري الأفضل.
ومع ذلك، لن أغادر فورًا، ما زال لدينا وقت نقضيه معًا.
* * *
“يون!”
مرّ أسبوعان منذ غادرت مكتب كاميلا.
وبينما كنت أمسح الطاولات استعدادًا للافتتاح، سمعت صوتًا مألوفًا يناديني.
“يوها!”
فتحت باب الحانة المعلّق عليه جرسٌ رنّان، وكانت يوها هي من دخل.
يقال إنك إن ذكرتَ النمر حضر فورًا، وها هي تظهر حالما خطرت على بالي.
ابتسمتُ تلقائيًا.
“كيف حالك؟“
“هممم… بخير. وأنتِ؟“
“أنا أيضًا بخير.”
أمسكنا بأيدي بعضنا بقوة وتبادلنا الأخبار.
بدا وجه يوها متوردًا قليلًا كأنها سعيدة بملامستي غير المعتادة بالنسبة لي.
كانت خصلات شعرها البنيّ المجعّد تتطاير مع الهواء وينبعث منها عطر أزهار برية.
وعندما نظرتُ إلى عينيها البنيتين الكبيرتين المنحنيتين بلطف، شعرتُ كأنني عدتُ إلى وطني فعمّ قلبي السلام.
ظللتُ ممسكة بيدها الدافئة طويلًا.
“آه… صحيح، يون… هل تعرفين هذا؟“
“……؟“
“في قريتنا… يوجد عفريت هجين.”
كنا نجلس إلى طاولة فارغة في أحد أركان الحانة ونتبادل أحاديث عابرة، لكن كلمات يوها أعادت إلى ذهني ذلك الصغير.
هل ما زال هنا؟
نظرت يوها إلى وجهي، وقد عقدتُ حاجبيّ دون وعي بنظرة مستغربة ثم تابعت:
“غ… غريب، أليس كذلك؟ عادةً لا يأتون إلى هذه الجهة.”
“حقًا……؟“
“بل وأكثر من ذلك، يقولون إنه يعمل!”
اتسعت عيناي دهشة.
يعمل؟ ذلك الطفل؟
هذا مستحيل……
لم يكن يبدو كمن يستطيع المضيّ قدمًا.
ما زلت أتذكر عينيه يومها في الزقاق، حين أشاح بوجهه عني.
أردتُ نسيان تلك النظرة، لكنها لم تفارقني كأنها تحمل لومًا صامتًا.
إذًا فالطفل الذي تتحدث عنه يوها لا بد أنه شخص آخر.
ذاك الصغير كان أصغر من أن يفهم كلماتي حين قلت له “عش مهما كان الثمن”، وكان يبدو منهكًا إلى حدٍّ لا يُحتمل.
“…كم عمره تقريبًا؟“
“لا أدري… ربما… نحو الخامسة عشرة؟“
سألتُ احتياطًا، لكن إن كان في الخامسة عشرة، فالأمر يؤكد أكثر أنه ليس هو.
ذاك لم يكن ليبدو أكبر من عشر سنوات على الأكثر.
“لكن… نظام نموّ العفاريت يختلف عنّا… لذلك يصعب التخمين……”
ما أضافته يوها جعلني أستفسر أكثر، فهذه أمور لم أسمعها منها من قبل.
“وكيف ينمون؟“
“لا أعلم التفاصيل، لكن يقولون إنهم أحيانًا ينمون فجأة إذا تحققت شروط معيّنة، وأحيانًا يتوقف نموّهم تمامًا……”
“همم… فهمت……”
أومأتُ بخفة.
بعد قليل، أنهت يوها الحديث مراعاةً لنظرات هانز، وعادت إلى مقرّ سكنها.
وحين غادرت بعد أن وعدتني بالزيارة مرة أخرى، شعرتُ بفراغٍ غريب.
وما إن رحلت يوها، حان وقت صعودي إلى المسرح.
امتلأت الحانة سريعًا بالزبائن، واختلطت روائح الطعام بالكحول وضجيج الأحاديث، لكن ما إن صعدتُ إلى الخشبة حتى عمّ الصمت وتعلقت الأنظار بي.
كنت أرتدي فستانًا بسيطًا بلون البيج، وجلستُ على كرسي في منتصف المسرح، أعزف على آلتي بهدوء ثم فتحتُ فمي بالغناء.
* * *
“حين يخبو لهيب الشمس
ويزحف فراغ الظلام……”
انتشر صوتي واسعًا، مركزه المسرح.
“أملٌ لا يُرى ولا يُمس
لا يضيء مهما ناديناه أو واسيناه.”
نقرتُ على أوتار الآلة الصغيرة بين يديّ.
تعلمتُ العزف عليها بعد أن بدأت العمل بجدية في ليون؛ كانت تشبه الغيتار، وبما أنني أجيد العزف على الغيتار الصوتي، لم يكن تعلّمها صعبًا.
“لِمَن هذا الظلام؟
أهو ظلامي… أم ظلام شخصٍ لا أعرف اسمه؟“
ويطلّ في خاطري ذلك الطفل التائه في العتمة.
“فراغٌ يهجم على أطرافٍ خاوية
يعانق جسدي ولا يتركني.
آه، يا روحي الوحيدة…
أكان يكفيكِ أي شيءٍ فحسب؟“
وعندما بلغ اللحن ذروته، رأيتُه مجددًا.
زوجٌ مألوف من العيون الزرقاء، يدخل من باب الحانة.
“لا يهم من يكون
ولا يهم ما يكون
أمسكني…
واستمع إلى حكايتي……”
ظهرت نسخةً أخرى مني، كبرت فجأة حتى غدت شابًا، نسخة كانت في يومٍ من الأيام مفعمة بالكراهية.
‘أحيانًا يكون النسيم العابر أكثر قسوة. فالتذوّق الخاطف وحده كفيل بأن يدفع الإنسان إلى اليأس.’
من الذي قال ذلك؟ لا أذكر. ولا أدري لماذا خطرت هذه العبارة على بالي فجأة.
أنهيتُ الغناء، ثم نظرتُ بصمت إلى ذلك الطفل الذي دخل من الباب.
لم يعد طفلًا بعد الآن.
كان يقف مستقيمًا يحدّق بي في سكون.
أخفى قدرًا من الكراهية والغضب اللذين كانا يملآن عينيه قديمًا، ونظر إليّ بمشاعر غامضة لا أستطيع تسميتها.
حين تلاقت أعيننا، بدا عليه الارتباك للحظة لكنه لم يُشِح بنظره.
أنا من صرفت بصري أولًا، ومع ذلك شعرتُ أنه ما زال يحدّق بي.
كانت زرقة عينيه في تلك اللحظة حادة إلى حدٍّ أوشك أن يؤلم البصر.
هل عليّ أن أفرح بتغيّرك؟
أم أغضب من هذا القدر العبثي الذي أعادنا إلى اللقاء؟
لقد كانت المرّة الثالثة.
مضحك، أليس كذلك؟ في كل مرة أقول فيها لنلتقِ لا، ينتهي بنا الأمر إلى اللقاء من جديد.
قيل إنه وجد عملًا… ويبدو أن الأمر كان حقيقيًا.
كان يحمل صناديق مليئة بزجاجات الخمر مكدّسة حتى تجاوزت طوله ثم وضعها على أرضية الحانة.
“كم عدد الصناديق؟“
“عشرة صناديق.”
“أحسنت، يمكنك الانصراف.”
كان صوته هادئًا إلى حدٍّ لا يُصدَّق، حتى بدا وكأنه ليس صوته.
وسط ضجيج الحانة، وحده صوته وصل إلى أذني بوضوح غريب.
انحنى بخفة لهانز تحيةً، ثم فتح الباب ببطء وغادر الحانة.
ظللتُ أحدّق في أثره بلا حراك.
‘العفاريت لهم نظام نموّ مختلف.’
ويبدو أن ذلك الكلام كان صحيحًا؛ فقد نما فجأة خلال فترة قصيرة.
لم يعد يشبه ذلك الطفل القذر البائس من قبل، حتى إن من يراه للوهلة الأولى قد يظنه شخصًا آخر، لكن ما إن تقع العين على عينيه حتى يتأكد المرء أنه هو ذاته.
ابتسمتُ بصمت، مهنئةً نموّه.
* * *
“بعض الزجاجات التي جُلبت هذه المرة مكسورة. خذ هذه القائمة واذهب إلى التاجر لطلب الاستبدال.”
“حسنًا.”
راقبتُ من خلف النافذة الطفل الهجين وهو يتحدث مع هانز.
لم يعد يصحّ أن أسمّيه طفلًا. فقد نما مرة أخرى فجأة، وها هو يعبر مرحلة انتقالية بين الصبي والشاب.
لو كان إنسانًا، لقلت إن عمره يقارب الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة.
طوله الذي ازداد فجأة تجاوز طولي في وقت قصير واتّسع هيكله العظمي وبدأت تفاحة آدم تبرز في عنقه.
جسده الذي كان نحيلًا اكتسب صلابة، ونظرته ازدادت عمقًا يومًا بعد يوم.
الناس الذين كانوا ينبذونه بلا سبب لمجرّد كونه عفريتًا هجينًا، بدأوا يكبحون نفورهم بعدما رأوه يعمل بإخلاص وصمت.
بعض الفتيات كنّ يحمرّ خدودهن عند رؤيته، ربما لأن دم العفاريت في عروقه جعل ملامحه تزداد وضوحًا مع الوقت.
كان يجمع بين ملامح رقيقة تثير غريزة الحماية، وملامح خشنة رجولية في آنٍ واحد.
منذ أن لاحظتُ عمله في ليون للمرة الأولى، صار يقع في مجال بصري باستمرار.
كلما أدرتُ نظري، كان هناك.
مرّةً يسرع في مكان ما، ومرّةً ينقل بضائع، ومرّةً يتحدث مع هانز.
وكل ذلك كان يثير في داخلي شعورًا غريبًا، ربما لأنني لم أتوقع يومًا أن يعيش ذلك الطفل حياةً طبيعيًا مندمجًا في عالم البشر.
والأغرب من ذلك، أننا كلما التقت أعيننا كان يحدث الأمر دائمًا مصادفة.
لا أدري كيف كان يعرف أنني أنظر إليه، لكن عينيه كانت تلتقيان بعينيّ بدقة مريبة.
في البداية خشيتُ أن يساء فهم الأمر، لكن نظرته لم تحمل انزعاجًا ولا فضولًا، بل مشاعر مبهمة لا تفسير لها.
كان فقط ينظر إليّ بعينيه الزرقاوين الهادئتين في صمت.
لم نتبادل التحية، ولم نتحدث.
كنا مجرد شخصين يتبادلان نظرات صامتة بين الحين والآخر.
وذات يوم، بينما كنت أعود بعد خروجي قليلًا، باغتني سعال حاد فتشبثتُ بشجرة على جانب الطريق وجلستُ أرضًا ألهث.
كان السعال يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، حتى إنني أحيانًا أستيقظ في منتصف الليل ولا أستطيع العودة إلى النوم.
وفي ذلك اليوم تحديدًا، كنت أسعل بجنون متكئةً على الشجرة ألتقط أنفاسي، حينها التقت عيناي به صدفة وهو يمرّ بالجوار.
حاولتُ جاهدًة أن أشيح بنظري، لكنني لم أستطع الإفلات من نظرته.
هل اكتشف أنني مريضة؟
رغم أن ملامحي كانت واضحة كملامح مريض، لم أرد أن يعرف أحد.
فالمرض يشبه الهزيمة في لعبة لا يشاركك فيها أحد.
بعد كل ما تظاهرتُ به من قوة أمامه، أن أبدو فجأة مثيرة للشفقة… كان ذلك آخر ما أريده.
أغمضتُ عيني وأنا أدير وجهي عنه، وفجأة شعرتُ بشيء بارد يلامس أطراف أصابعي.
رفعتُ رأسي بفزع، فوجدتُ زجاجة ماء باردة ومنديلًا موضوعين بقربي.
كان يقف على بعد ثلاث خطوات، وما إن تأكد أنني لاحظتهما، حتى تردّد للحظة ثم غادر بصمت.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
Chapters
Comments
- 6 - ريحٌ عابرة منذ ساعتين
- 5 - ريحٌ عابرة منذ 5 ساعات
- 4 - ريحٌ عابرة منذ 5 ساعات
- 3 - ريحٌ عابرة منذ 18 ساعة
- 2 - ريحٌ عابرة منذ 20 ساعة
- 1 - ريحٌ عابرة منذ 20 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 6"