5 - ريحٌ عابرة
𑁍 الفصل 5 𑁍
“لويد.”
ما إن نطقها ببرود حتى ظهر من الظلام رجل عفريت آخر وتقدّم راكعًا أمامه.
“مولاي.”
حدّق أينرهان في الرجل المسمّى لويد بصمت من دون أن يجيبه.
في الآونة الأخيرة، أخذت ذكريات ذلك اليوم تعذّبه أكثر من أي وقت مضى.
وبغريزته، شعر أينرهان أنه سيلتقي بذلك الطفل مرة أخرى. ( لم يتم ذكر جنسه )
كان إحساسًا لم يعرفه طوال مئات السنين.
العفاريت من ذوي الدم الملكي يتلقّون في لحظة ما من حياتهم وحيًا قويًا يشبه النبوءة.
وحيًا لا يتعلّق إلا بالشخص الذي سيقتسمون معه الروح.
“أتذكر ما قالته الشامانة؟“
“نعم يا مولاي. قالت إن نجم قدرك قد بزغ.”
لكل ملك من ملوك العفاريت نجم يخصّه، وعندما يحين الوقت، يظهر إلى جواره نجم آخر هو نجم القدر الذي سيشاركه الروح.
ولم تخطئ نبوءات الشامانة قط، ولا شك أن هذا الخفقان الغريب الذي شعر به لأول مرة منذ مئات السنين كان سببه ذلك.
“فتّش قرى البشر واعثر على امرأة ذات شعر أسود.”
“أمرك.”
انحنى لويد رأسه، ثم اختفى بسرعة.
أغمض أينرهان عينيه من جديد متمنيًا أن تنتهي هذه الحياة الرتيبة التي تشبه الجحيم.
* * *
“إذًا يا يون، تستطيعين البدء من الغد، أليس كذلك؟“
“نعم.”
“حسنًا، هذا عربون العقد. أعجبتِني كثيرًا، فلنحسن العمل معًا من الآن فصاعدًا.”
ابتسم هانز برضا ووضع في يدي عشر قطع نحاسية.
نظرت إلى النقود ثم أومأت برأسي.
“نعم، سأبذل جهدي.”
رنّ الجرس المعلّق عند الباب، وخرجت من الحانة بخطوات ثقيلة.
كان الزميلان اللذان رُفضا قد عادا إلى النزل منذ وقت، فاضطررت للعودة وحدي.
رفعت بصري إلى السماء المظلمة، فإذا بالقمر غارق بين الغيوم.
زفرة ساخنة تكسّرت في الهواء.
لا بأس.
سيكون الأمر شاقًا، لكنه محتمل.
بل حصلت على عربون لم أكن أتوقعه أصلًا.
شعرت بأن جيبي صار ممتلئًا.
“أيها الوغد! كيف تجرؤ على التحديق هكذا!”
دوّى صراخ رجل ثمل من زقاق على اليمين، بدا غاضبًا إلى حد فقدان السيطرة.
ظننتها مشاجرة أخرى بين سكارى، وكدت أتابع طريقي، لكن الكلمات التالية أوقفتني في مكاني.
“أيها الهجين، من تظن نفسك؟!”
هجين… كلمة مألوفة.
وفي لحظة، طفا على ذاكرتي ذلك الطفل الذي ظننتني نسيته.
منذ أسبوع.
طفل بعينين زرقاوين ممتلئتين بالكراهية، يحدّق بي بشراسة.
طفل يشبهني.
رفعت يدي الباردة ولمست الندبة على جبيني.
شعرت بخشونتها تحت أطراف أصابعي الجافة.
منذ ذلك اليوم لم أره مرة أخرى.
وعندما عدت في اليوم التالي إلى موقع البناء وذهبت إلى الساحة، كان اللحم الذي تركته قد اختفى دون أثر.
الحيوانات لا تأكل اللحم النيّئ، فافترضت ببساطة أن الطفل أخذه
. وتمنّيت فقط أن يكون قد سدّ جوعه به.
فذلك اللحم مهما بدا تافهًا كان يعادل كل طعامي لذلك اليوم.
بعد قليل، سُمعت أصوات ركلات متتالية ثم صوت بصق قبل أن يخرج الرجل الثمل مترنّحًا من الزقاق.
قالت لي يوها إن هذا المكان يعجّ بالناس الذين يحتقرون العفاريت الهجينة أو يسيئون إليهم، يفرغون فيهم غضبًا لا يجرؤون على توجيهه إلى العفاريت الخالصة.
اقترب الرجل مترنّحًا، فتراجعت قليلًا إلى الجانب لأتفادى نظره.
“يا له من وقح…”
ظل يصرخ بالشتائم، وكأن ألفاظه القذرة تلتصق بظهره وهو يبتعد.
راقبته بصمت حتى تأكدت أنه لن يعود، ثم نظرت إلى داخل الزقاق.
كان الظلام دامسًا.
أكان ذلك الطفل؟ هل هو نفسه؟ هل انتهى به المطاف هنا من جديد؟
‘وما شأني أنا…’
ألم أقرّر في قلبي ألا أراه ثانية؟ هو غريب، لا علاقة له بي.
لكن، في اللحظة التي هممت فيها بالمغادرة، لمحت زوجًا من العيون الزرقاء المتلألئة في الظلام.
توقفت، لا إراديًا.
“أنت…”
خرجت مني ضحكة واهنة.
إذًا هو أنت.
حتى بين الزرقة، كنت واثقة أنني أستطيع تمييز عينيه.
عينان واضحتان، كأن نارًا زرقاء تتأجج فيهما.
في عيني الطفل، كانت نار الغضب والألم والحقد المكبوت تشتعل بلا توقف.
وشعور غريب بالألفة، نابع من تلك النار ظل يجذبني ويقيّد خطواتي ويجبرني على الالتفات.
خطوة… خطوة…
دوى صوت قدميّ في الزقاق الهادئ كختم يُطبع على الأرض.
كلما اقتربت، ارتجف جسد الطفل قليلًا لكنه ظل يحدّق بي بثبات.
وقفت أخيرًا أمامه، ونظرت إليه بصمت.
لم يكن يُرى منه في الظلام سوى هيئته، كأنه كيس بالٍ متجعّد لكنه لم يبدُ بائسًا ولا مثيرًا للشفقة بسبب عينيه الحادتين.
ربما لهذا السبب آذاه الرجل الثمل.
خاف من هاتين العينين اللتين لا تنكسران أمام العنف وتحدّقان في الناس وكأنهما تخترقانهما.
خاف لأنه شعر أن هذا الطفل رغم بؤسه يقف في موضع أدنى منه.
“لم تتغيّر…”
لم أكن أطلب جوابًا.
ارتبك الطفل حين رأى وجهي، لكنه ظنّ كلماتي توبيخًا فحدّق بي بحدة.
نعم، تلك النظرة لم تتغير.
نظرة جراح لا تُمحى، جراح طُليت مئات المرات حتى صارت غضبًا.
“لا أحد يفهمك كما أنت.”
لا أحد يدرك جراحك.
لا أحد يهتم بك.
مهما صرخت غاضبًا طلبًا للاعتراف، فلن يتغيّر شيء.
كانت كلماتي موجّهة إليه، لكنها كانت موجّهة إليّ أيضًا.
كنت أكلّم نفسي من خلاله.
“لذا عش بصمت. وإن أردتَ الانتقام، فاكتمه ونمِّ قوتك. لأنك على هذه الحال لن يتغيّر شيء.”
كانت كلماتٍ موجَّهة إلى الطفل، لكنها في الوقت نفسه كانت موجَّهة إليّ أنا أيضًا.
كلمات قلتها وأنا أحدّق فيه لأشدّ بها عزيمتي وأتماسك.
عند تلك الكلمات القاسية، خُيّل لي أن جرحًا مرّ سريعًا في عيني الطفل، لكنني لم أتوقف.
“سيكون هناك كثيرون أسوأ من نفايات الطريق. ومع ذلك، انحنِ تمامًا، وتظاهر بمجاراة أهوائهم. لا صواب ولا خطأ في هذا المكان. ولن يأتي أحد ليعاقب من يؤذيك بدلًا عنك.”
“……..”
“إذًا، تخلَّ عن كرامتك وكل ما يشبهها، وعضّ على أسنانك وعِش. ما الذي تستطيع فعله وأنت مجرد طفل؟ حتى لو كان الأمر قذرًا ومؤلمًا، عش بصمت.”
“…أنا.”
للمرة الأولى، فتح الطفل فمه.
خرج صوته الجاف على نحو لا يليق بصوت طفل وانتشر ببطء في الظلام.
“…لم أطلب أن أولد.”
بصوت مشبع بالحزن والظلم، أفرغ الطفل كلماتٍ لم تكن غضبًا هذه المرة.
كلمات حزينة إلى حد لا يُصدَّق أنها خرجت من فم طفل.
في اللحظة التي شقّ فيها الحزن طريقه عبر الغضب المكبوت وكشف عن جوهره، تجمّدتُ في مكاني كآلةٍ توقّف محرّكها عاجزة عن الحركة.
مواجهة الحزن كانت أصعب بكثير من مواجهة الغضب.
أن تخرج تلك الفكرة التي راودتني بلا انقطاع هنا من فم الطفل نفسه… كان الأمر مخيفًا كأن أعماقي قد انكشفت.
ومع ذلك، شعرتُ بإحساس غريب بالألفة.
شعرتُ وكأن هذا الطفل المختلف عني تمامًا قادر على فهم حزني…
أغمضتُ عينيّ المرتجفتين بإحكام.
تساءلتُ يومًا إن كنت قد وُلدت فقط لأُلقى في هذا العالم الغريب من العفاريت، ووجّهتُ غضبًا بلا وجهة وبصورة بائسة إلى والديّ.
إن لم يكونا سيأتيان للبحث عني، وإن كانا سيتركانني هنا، فلماذا جعلاني أولد من الأساس؟
لم أطلب أن أولد، ولم أطلب أن أتجرّع هذا القدر من الألم.
“…لا أحد يولد لأنه أراد.”
خرجت الكلمات بصعوبة من حلقي المغلق.
“…لم يكن لأحد خيار من البداية. لذلك إن كنت لا تريد أن تموت، فعليك أن تعيش.”
انتهت كلماتي التي خرجت بشق الأنفس بنبرة حازمة كأنني أخاطب نفسي.
إن لم تنقذ نفسك بنفسك، فلن يأتي أحد لينقذك بدلًا عنك.
ادفن غضبك في صدرك وانهض وامشِ وحدك.
أنا أفعل ذلك، وأنا أحاول.
على الأقل أنت تعيش في العالم الذي تنتمي إليه.
“…….”
لم يجب الطفل واكتفى بالنظر إليّ.
بدت عيناه الزرقاوان متعبتين.
“اشترِ لك شيئًا تأكله.”
أخرجتُ من جيبي ثلاث قطع نقدية نحاسية، ورميتها أمامه بلا مبالاة.
هل ظنّ أنني أشفق عليه؟
انصرف نظر الطفل عني.
لم يعد ينظر إليّ.
وحين اختفى الضوء الوحيد الذي كان يلمع في الظلام—عيناه الزرقاوان—عاد الليل حالكًا وقاسيًا.
كانت تلك القطع الثلاث تساوي أجر أسبوع كامل من العمل بجسد طفل مثله.
هل يدرك قيمة هذا المال؟ هل يعلم كم يعني لي أنا التي أعدّ كل قطعة؟
“…دعنا لا نلتقي مجددًا. أبدًا.”
أخرجتُ الكلمات التي كنت أتمتم بها في قلبي، ثم أدرتُ ظهري.
أرجوك ولو حتى عن طريق المصادفة، كفّ عن الظهور أمامي.
إن كنت لا تريد تدخّلًا، فابتعد عن محيطي.
لا تصرخ طالبًا الشفقة أو الاهتمام، فهذا يزعجني.
كان رؤيته أشبه بمواجهة نفسي، مؤلمًا إلى حد لا يُحتمل، فخرجتُ من الزقاق وأغمضتُ عينيّ مرة أخرى بإحكام.
أردتُ أن أمحو الطفل من ذاكرتي.
* * *
مرّ أسبوع منذ عقدي الاتفاق مع هانز.
“يون، لديّ ما أود قوله. هل أنتِ مشغولة الآن؟“
طرق هانز باب الغرفة الصغيرة التي كنت أستريح فيها.
كنت قد انتهيت من الغناء وأمسح مساحيق التجميل، فتوقفتُ عن فرك وجهي بالإسفنجة حين سمعتُ صوته.
“تفضل. ما الأمر؟“
دخل هانز بعد أن أذنتُ له.
وحين نظرتُ إليه بلا اكتراث وهو يحاول إخفاء إرهاقه، فتح فمه مترددًا.
“…أداؤك ممتاز هذه الأيام. عدد الزبائن أكثر مما كان في أيام إيلدا.”
“شكرًا لك.”
لم أكن سيئة في الغناء.
لم أصل إلى مستوى المغنين المحترفين، لكن موهبتي كانت معترفًا بها بين أصدقائي.
وفوق ذلك، كنت أعرف عددًا كبيرًا من الأغاني التي لم يسمع بها أهل هذا المكان من قبل، وهذا وحده كان كافيًا ليجعلني مميزة.
ففي العالم الحقيقي، ألم أغنِّ مئات، بل آلاف الأغاني؟ ومع تدفّق الأغاني الجديدة كل يوم، لم يكن غناء بضع عشرات هنا أمرًا صعبًا.
منذ أن بدأت العمل، ازدهر المكان أكثر، وكان واضحًا أن ذلك أسعد هانز، إذ امتلأ وجهه بابتسامة لم يستطع إخفاءها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
Chapters
Comments
- 6 - ريحٌ عابرة منذ ساعتين
- 5 - ريحٌ عابرة منذ 5 ساعات
- 4 - ريحٌ عابرة منذ 5 ساعات
- 3 - ريحٌ عابرة منذ 18 ساعة
- 2 - ريحٌ عابرة منذ 19 ساعة
- 1 - ريحٌ عابرة منذ 20 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 5"