3 - ريحٌ عابرة
𑁍 الفصل 3 𑁍
كنت قد سمعت من قبل شائعات عن العفاريت الهجينة.
استغربت كيف يمكن لأولئك الذين يقدّسون الجمال أن يرتبطوا بالبشر، لكن… لا بد أن لبعضهم أذواقًا غريبة، فقلت في نفسي إن ذلك ممكن.
معظم العفاريت الهجينة كانوا إمّا منبوذين، أو يُعاملون وكأنهم أبناء غير شرعيين بنصف دم.
أما أولئك الذين نُبذوا، فكانوا يعيشون مجتمعين في المنطقة العاشرة، ويبدو أن هذا الطفل كان هناك قبل أن ينتهي به الأمر بالانجراف إلى هنا.
حين رآني الطفل الذي كان يحدّق بي غارقة في أفكاري، ظنّ على ما يبدو أنني أنوي إيذاءه، فبدأ فجأة يصرخ بجنون:
“موتي! ارحلي! موتي حالًا!”
خرج صوته المبحوح، المشحون بالهياج متقطّعًا من أعماق حنجرته.
كان الطفل يحدّق بي، لكن صراخه لم يكن موجّهًا إليّ وحدي.
كان الحقد والضغينة يتّقدان داخل عينيه كألسنة لهب زرقاء لا تنطفئ.
وأنا أحدّق في تلك العينين، خطر ببالي أنه يشبه إنسانًا احترق بتلك النيران الزرقاء عند عبوره بوابة العالم البشري… تساءلت إن كان هذا الغضب سيحرق هذا الطفل حتى الهلاك.
هل كان هذا الحقد موجّهًا إلى والدين تخلّيا عنه؟ أم إلى هذا المجتمع؟ أم إلى حياة لم يخترها أصلًا…؟
كنت شاردة الذهن، ثم هززت رأسي سريعًا.
لم يكن يعني لي شيئًا.
شخص غريب عني.
لا أستطيع فهمه، ولا أريد ذلك.
“موتي! قلت لكِ موتي!!”
أخذ يلهث محاولًا التقاط أنفاسه بعد أن صرخ بجنون، ثم حين لم أبدر أي رد فعل واكتفيت بالنظر إليه، أغلق فمه بإحكام وواصل التحديق بي بحدّة.
حين توقّف عن الصراخ، غيّرت وضعيّة جلوسي المتقوقعة، وجلست أمامه مباشرة.
ظنّ أنني أهاجمه في تلك اللحظة، فانتفض جسده سريعًا والتقط حجرًا ورماه نحوي.
طَخ!
رغم أن الحجر أُلقي بيد ضعيفة، إلا أنه أصاب جبيني قبل أن يتدحرج على الأرض.
رفعت يدي ولمست جبيني، فوجدت الدم الأحمر عالقًا بها.
عبست قليلًا وأنا أنظر إلى الدم في يدي، ثم تنهدت بهدوء ورفعت بصري مجددًا إلى عيني الطفل دون أن أنطق بكلمة.
بدا وكأنه توقّع انتقامًا، فتراجع ملتصقًا بصخرة كبيرة منكمشًا ومرتجفًا.
كان يبدو مستعدًا للطعن لو أُعطي سكينًا قبل لحظات فقط،، وها هو الآن يرتعش خوفًا من النتيجة التي صنعها بنفسه.
مهما يكن، فهو طفل في النهاية… حتى لو كان عفريتًا هجينًا.
هل هي شفقة؟ لماذا أجلس أمامه أصلًا؟ أليس كان بإمكاني أن أتجاوزه وأمضي في طريقي؟
حياتي الآن لا تحتمل أي فائض من الرحمة.
لو كنتُ أنا في الماضي، أنا التي كانت تعيش على الأرض، ربما كنت سأحتضنه وأكلّمه بلطف وأسأله من أين أتى وأواسيه حتى يزول خوفه.
لكن الآن؟ لا.
هذا طفل لا علاقة لي به.
إذًا لماذا؟ ماذا تفعلين هنا يا يون؟ هل تحاولين لعب دور الملاك في غير محلّه؟
كاد الضحك الساخر يخرج مني.
يبدو أن الحياة ما زالت محتملة إذًا… يا يون.
إن لم تكن شفقة، فماذا تكون؟
حدّقت مطولًا في عيني الطفل الغارقتين بالغضب والألم.
“أنا…”
تمتمت بعد صمت طويل.
“أشبهك.”
نظر إليّ الطفل بعينين لا تفهمان ما أقول.
الآن فقط فهمت.
كدت أضحك بسخرية، فشدّدت ملامح وجهي بصعوبة.
الطفل أمامي بدا وكأنه نسخة أخرى مني: مغمور بالغضب والضغينة، يتوق إلى والديه بشدّة، ضعيف وصغير.
ربما لهذا السبب رأيت نفسي فيه، وشعرت نحوه بشيء من الألفة.
ربما لهذا لم أستطع تجاوزه، وبقيت جالسة أمامه أتلقى الحجارة بصمت بدافع شفقة سخيفة.
“…أغبطك.”
خرج صوتي متشققًا ممتزجًا بزفرة.
كانت كلماتي صادقة، لكن الطفل ظنّها سخرية، فازداد شراسة، ولو امتلك قوةً كافية لكان قد انفجر هائجًا.
اكتفيت بمراقبته بصمت.
أنت لا تفهم، لكنني أغبطك.
أغبطك لأنك قادر على إظهار غضبك وضغينتك بلا تردّد.
أغبطك لأنك لا تعرف كيف تكبح مشاعرك.
وأغبطك لأنك في النهاية ستتوقف عن الضياع وتستقر في هذا العالم.
حتى لو كنتَ هجينًا، وحتى لو تخلى عنك والداك، فحالك أفضل من حالي أنا القادمة من عالم آخر لأموت هنا ببطء.
في هذا المكان، حتى حصاة في الطريق بدت لي أوفر حظًا مني.
أنا التي أبكي ليلًا في الخفاء نادمة مرتجفة خوفًا بعد أن سقطت في هذا العالم الغريب عن الأرض، وأنا التي أضغط الضغينة العميقة في صدري بلا صوت… كنتَ… وبأنانية شديدة… محل غبطة مقارنةً بي.
ومع ذلك، كنت أحتقر نفسي إلى حد الغثيان لأنني أغار حتى من طفل بائس تخلّى عنه والداه.
كنت أريد دائمًا أن أمسك أي شخص، أيًّا كان، وأصرخ بكل ما فيّ.
أن أصرخ للعالم عن غضبي وضغينتي.
أن أرجو أحدًا أن يسمعني، أن يفهم ما حلّ بحياتي التي تحطّمت فجأة، أن يعرف بوجودي.
كنت أريد أن أصرخ بلا توقف، وأن أرمي غضبي على أي شيء، أحطّمه، أدمّره، لا يهم.
لكن الغضب الذي بلغ حلقي كان عليّ أن أعيده قسرًا إلى الأعماق.
وكلما طفا على السطح، أغمضت عيني وقمعته.
لأنني كنت أعلم أن لا أحد سيفهم، ولا أحد سيهتم.
“على الأقل أنت تنتمي إلى هذا المكان… وضعك أفضل مني.”
كلمات جارحة كدت أقولها لطفل لا يفهم، لكن آخر ما تبقّى من عقلي منعني فأغلقت فمي.
في النهاية، وضعت قطعة اللحم التي لم آكل منها إلا القليل في مكان جلوسي، ثم نهضت بصمت.
عينا الطفل الزرقاوان الصافيتان لاحقتاني مليئتين بالحيرة والخوف، لكنني لم أنطق بكلمة واحدة وأدرت ظهري ومضيت.
لم ألتفت خلفي ولو مرة واحدة حتى وصلت إلى موقع البناء.
سواء أكل اللحم أم لا، فذلك قراره وحده.
لنتمنى فقط… ألا نلتقي مجددًا.
أبدًا.
* * *
“أمي، إذا ذهبنا إلى عالمٍ آخر، هل تنتظرنا هناك مغامرات ممتعة حقًا؟“
“أيُّ عالمٍ آخر؟“
“مثل الذي يظهر في الأفلام، عالم خيالي تعيش فيه أجناس مختلفة!”
“كُفِّ عن هذا الكلام. بدل أن يكون ممتعًا، قد يكون مخيفًا أكثر. قد يكون غريبًا، وصعب التكيّف أيضًا. ماذا لو لم نستطع العودة؟ ألن تشتاق كثيرًا إلى المكان الذي عشت فيه؟ لو كنت مكانك، لما رغبتُ في الذهاب إلى عالمٍ آخر أصلًا.”
في الماضي، حين كنت أصغر سنًا بكثير مما أنا عليه الآن، وكنت غارقة في روايات الفانتازيا ومختلف الأفلام، سألتُ أمي هذا السؤال.
ضحكت أمي من غرابة سؤالي، وكأنها لا تصدّق ما تسمعه.
أما أنا، فاعترضت قائلة: “آه، أمي واقعية أكثر من اللازم! ربما يكون الأمر ممتعًا جدًا، وقد أستطيع فعل أشياء كثيرة لم أجرّبها من قبل!”
لكن أمي لم تفعل سوى أن أجابتني بأن في هذا العالم ما يكفي من الأمور الممتعة، وأن عليّ أن أكون أكثر وفاءً للواقع الذي أعيشه.
في ذلك الوقت لم أستطع فهم كلامها، لكن حين أفكر فيه الآن، أجد أن أمي كانت على حق مئة مرة، وألف مرة، بل عشرة آلاف مرة.
لا شك أنني كنتُ آنذاك غارقة في خيالٍ مفرط.
لم أستطع مهما فكرت أن أفهم لماذا ولأي سبب وكيف انتهى بي الأمر إلى العبور إلى هذا العالم الغريب.
هل كان ذلك بسبب تخيّلاتي الطفولية التي حلمتُ فيها بعالمٍ آخر؟ هل بدا ذلك الحلم وقحًا، فأرسلني أحدهم إلى هنا؟ لأجرّبه بنفسي ربما؟
ضللتُ طريقي في جبلٍ مغطّى بالثلج.
لم يكن الثلج كثيفًا إلى ذلك الحد، وكان واضحًا أن تسلّق الجبل ممكن من دون صعوبة تُذكر.
كانت عائلتنا كلها متحمّسة لرحلة التسلق الشتوية.
منذ الصباح، بل منذ اليوم السابق، كنّا نتابع النشرة الجوية، وحين علمنا أن الثلج الذي هطل فجرًا كان كل ما في الأمر، حضّرنا أغراضنا بعناية وصعدنا إلى الجبل.
حتى إن أبي أعدّ ثلاث علب كاملة من لفائف التوفو المقلية التي أحبّها كثيرًا.
كان هواء الجبل الشتوي منعشًا، وبسبب الثلج الذي هطل فجرًا، بدا الجبل في ذلك اليوم أبيض متلألئًا على نحوٍ حالم كأننا دخلنا عالمًا من الأحلام.
عند القمة، أكلنا بشهية من لفائف التوفو التي أحضرها أبي، وبعد أن امتلأت بطوننا، بدأنا النزول.
وفجأة… ضللتُ الطريق.
كان الأمر لحظة واحدة فقط. لحظة خاطفة حقًا.
كنت أسير نزولًا على مسار الجبل، حينها سمعت من الخلف صوت غناءٍ منخفضٍ وجميل.
كانت أغنية بلا كلمات، مجرد همهمة، لكنها بدت مألوفة كأنني سمعتها من قبل.
‘من الذي يغنّي؟‘
لم أدر سوى أنني استدرتُ لحظة واحدة إلى الخلف.
لكن لم يكن هناك أحد.
وعندما أعدتُ وجهي إلى الأمام…
لم يكن هناك أحد.
أمي، وأبي، والناس الذين كانوا يسيرون أمامنا على مسار الجبل… اختفوا جميعًا.
الجبل الذي أعرفه بدا فجأةً غريبًا ومخيفًا.
صرختُ بصوتٍ متوتر ممتلئ بالقلق: “أمي! أبي! أين أنتما؟ ألم تستطيعا الانتظار قليلًا؟ هل نزلتما قبلي دوني؟” وبدأت أركض تقريبًا في طريق النزول.
كان هاتفي لا يعمل. لم أستطع الاتصال بأحد.
هل احتاجا إلى الحمّام؟ حتى لو كان الأمر كذلك، كيف يتركانني وحدي من دون أن يقولا شيئًا؟
شعرتُ بالخذلان، لكن النزول من هذا الجبل لم يكن بالأمر الصعب.
كنت قد صعدته عشرات المرات من قبل.
ومع ذلك، مهما نزلت، لم يظهر أبي ولا أمي.
وأخيرًا، عندما خرجتُ من الجبل، وجدتُ أمامي قريةً لا يمكن أن تُنسب إلى أرض القرن الحادي والعشرين، ولا إلى كوريا.
قرية مليئة بمنازل مبنية من طوب رمادي خشن ورديء.
في البداية ظننتُ أنها مجرد موقع تصوير لفيلم، أو أنني سلكت طريقًا خاطئًا، فازداد ارتباكي.
حتى ملابس الناس كانت رثّة وخشنة، لا تشبه الأزياء الحديثة.
أما ملامحهم، فلم يبدوا ككوريين.
كان للجميع شعر بني وعيون بنية داكنة كخشب الأشجار، وملامح عيون غائرة لا تجعلهم شرقيين تمامًا.
بدوا وكأنهم خليط بين الغربيين والشرقيين.
أمسكتُ بأي شخص صادفته وسألته إن كان قد رأى أمي وأبي وأخبرته أنني فقدت والديّ أثناء النزول من الجبل وأنني لا أعرف أين أنا وسألت عن مكان الحافلة، وطلبت استعارة هاتف لأن هاتفي لا يعمل… لكن كل ما قوبلت به هو نظرات تشكّك وكأنني شخص مختلّ.
هاتفي الذي كان شحنه يتجاوز 80% كان مطفأً تمامًا، لا يتحرّك ولا يستجيب.
لم أستطع الاتصال بأمي أو أبي، ولا طلب المساعدة من أحد، ولا حتى فتح الخريطة أو طلب سيارة أجرة.
صرختُ طلبًا للمساعدة مرارًا، لكن لم يستجب لي أحد.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
Chapters
Comments
- 3 - ريحٌ عابرة منذ 4 ساعات
- 2 - ريحٌ عابرة منذ 6 ساعات
- 1 - ريحٌ عابرة منذ 6 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 3"