2 - ريحٌ عابرة
𑁍 الفصل 2 𑁍
كوانغ! كوانغ!
دردردك— كواككك!
كلما اقتربنا من المعبد، علا ضجيج أعمال البناء أكثر فأكثر.
كان الزملاء الجدد الذين يباشرون العمل اليوم للمرة الأولى، عاجزين عن إغلاق أفواههم من شدة الانبهار بعظمة المعبد وجماله.
وحين وصلنا أخيرًا إلى المعبد، استقبلنا العمّال بترحيب.
“هاه، ما وجبة اليوم؟“
“لحمُ رام مع بطاطا مقلية وسمكٌ مشوي بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر!”
ما إن ذُكر السمك المشوي حتى أشرقت وجوه العمّال جميعًا.
“يا حظنا! منذ متى لم نأكل سمكًا؟! مجرد التفكير يبعث الحماس!”
كانت منطقتنا الثامنة ملاصقة للبحر، لكن ذلك لا يعني أننا نستطيع صيد السمك في كل مرة.
فالبشر لا يُسمح لهم بالبقاء في البحر إلا لفترة قصيرة.
ذلك البحر كان شديد السواد، بعد مضي وقتٍ محدد على خروج البشر إليه بالقوارب، يثور فجأة بدوّامات هائلة ترتفع ملتفة نحو السماء.
ولهذا كان وقت الصيد محدودًا للغاية، فلا نحظى بالسمك إلا نادرًا.
وعندما سألت الناس عن السبب، قالوا إن سحر العفاريت هو من جعل البحر على هذه الحال كإجراءٍ احترازي كي لا يتمكن البشر من الهرب عبره.
لم يكن العفاريت يأكلون السمك ولا أي مخلوقٍ من مخلوقات الماء، ولم يفضّلوا طعام البشر.
لم أرَ ذلك بنفسي، لكن قيل إن لهم أطعمتهم الخاصة المصنوعة بطرقهم الخاصة.
ولهذا كانت كل الأسماك التي تُصاد من نصيب البشر، ومع أنها نادرة، كان الجميع متحمسًا لفكرة أكل السمك اليوم.
“يا رئيس الفريق! إذا أنجزنا العمل المطلوب قبل وقت الغداء، هل نأكل أبكر؟“
“طبعًا! كلما أنهيتم أسرع، جاء وقت الطعام أسرع!”
دوّى هتاف الفرح على كلمات رئيس فريق البناء، كان الجميع في حالة حماسٍ شديد بسبب السمك المشوي.
وإذ اندفعوا إلى العمل بسرعةٍ مخيفة رغبةً في الأكل بأقرب وقت، ضحك موزّعو صناديق الغداء بخفّة.
— هكذا فقط نشعر أن عناء حمل كل هذه السلال حتى هنا لم يذهب سدى.
في هذا المكان، لم تكن وسائل النقل منتشرة.
فالعفاريت لا يرغبون أصلًا في منح البشر حرية التنقل.
لم يُسمح بامتلاك وسائل النقل إلا لقلة من البشر المسجّلين رسميًا في أعمال النقل، أما الغالبية فكانوا مجبرين على السير على الأقدام، ما خفّض كفاءة كل شيء.
ومع ذلك، لم يهتم العفاريت.
فبالنسبة لهم، الحياة تمتد زمنًا هائلًا.
وحتى لو تأخر العمل سنوات بسبب تدني كفاءة البشر الناتجة عن غياب وسائل النقل، فلا بأس… يمكنهم الانتظار.
وبينما وضعنا سلال الغداء الضخمة معًا، أخرجتُ أولًا حصتي الملفوفة بالقماش.
كنت جائعة بشدة لأني لم أتناول الفطور.
“يون… إن أكلتِ الآن، فلن يبقى لكِ شيء لاحقًا……”
“لا بأس.”
قالت ييها ذلك بقلق، لكن لم يكن لدي خيار.
شعرت أنني قد أسقط في أي لحظة.
حتى عشاء الأمس لم أتناوله.
طوال فترة حبسي الانفرادي، كنت أُعاقب بوجبة واحدة في اليوم.
ومع جسدي الذي كان ضعيفًا أصلًا، بدا لي أنني فقدت أكثر من ثلاثة كيلوغرامات بسهولة.
مضحك، أليس كذلك؟
في العالم الحقيقي كنت أردد كلمة حمية طوال الوقت، وهنا، ينخفض وزني دون أن أرغب بهذا الشكل.
كنتُ ذات بنية ممتلئة قليلًا، أما الآن فقد أصبحت هزيلة ونقص وزني واضح.
“وماذا حدث لذلك الوغد؟“
“طُرد.”
حين سألتُ فجأة عن أمره، أجابتني يها بصوتٍ مشرق.
يبدو أن رئيس فريق البناء هو من طرده.
على أي حال، كان ذلك مطمئنًا.
“هذا جيد. سأذهب لأتناول طعامي قليلًا. إن حدث شيء، ناديني.”
“حـ… حسنًا، لا تبتعدي كثيرًا!”
بدا أن لدي نحو ثلاثين دقيقة من الوقت.
لوّحت ليها بيدي.
كان طعام عمّال البناء مختلفًا تمامًا عن غدائي.
وهذا طبيعي، فهم يدفعون أكثر بكثير مني.
أما أنا، ولأجل ادخار المال، فلم يكن غدائي دائمًا سوى قطعة طعام صغيرة تشبه الخبز.
تساءلت إن كان هذا يكفي لسدّ الجوع، ثم هززت رأسي نافية.
ماذا أرجو أكثر من ذلك في هذا الوضع؟
تنهدتُ بهدوء.
عليّ أن أجمع المال بأسرع ما يمكن.
لقد مضى ما يقارب أحد عشر شهرًا منذ جئت إلى هنا. شهرٌ واحد فقط، وحين يكتمل عامي الأول، سأغادر هذا المكان البغيض.
صحتي كانت تتدهور باستمرار، ولم يكن بإمكاني أن أموت في هذا العالم المجنون الذي تحكمه العفاريت.
كنت أخشى أنه إن متُّ هنا، فستُحتجز روحي إلى الأبد في هذا المكان ولن أتمكن من العودة إلى عالمي الأصلي مطلقًا.
“إن واصلتِ السير غربًا، ستجدين بوابةً تؤدي إلى عالم البشر.”
كانت تلك كلمات ييها.
كان العفاريت بدلًا من غزو عالم البشر، يطالبون كل عام بما يقارب خمسمئة إنسانٍ سليم الجسد كعبيد.
وكل البشر الذين جُلبوا قسرًا كعبيد، أُدخلوا عبر تلك البوابة.
كانت القارّة التي يسكنها العفاريت تُدعى “غاناهان“، أمّا قارّة البشر فكانت “تريير“. أمّا الممر الواصل بين القارتين، أو ما يُعرف اصطلاحًا بـ“البوابة“، وهو بوابة انتقال بين القارات، فكان يُسمّى “بوابة غاناهان“.
تقع بوابة غاناهان عند الطرف الغربي من قارّة غاناهان، على جرفٍ مهجور في جبل الصخور السوداء.
ويُقال إن ارتفاعها يكاد يلامس السماء، وإن عرضها يتّسع لرجلين قويين يفتحان ذراعيهما ليطوّقاها.
كانت البوابة مربّعة الشكل، وفي وسطها موجٌ متلاطم من ضوءٍ أزرق. وحين يعبر البشر من تريير إلى غاناهان، يُقذف بهم من ذلك الضوء الأزرق واحدًا تلو الآخر، كأن البوابة تلفظهم.
كنتُ أنوي دخول بوابة غاناهان.
“كل من حاول… مات.”
عاد إلى ذهني صوت ييها الحزين.
لم أكن الوحيدة التي رغبت في عبور بوابة غاناهان للعودة إلى عالم البشر، لكن الجميع لقوا نهاياتٍ قاسية.
لم يكن العفاريت هم من طعنوا البشر بالسيوف أو الرماح، بل كانت البوابة نفسها مسحورة؛ فإذا دخلها إنسان، اشتعلت فيه نيرانٌ زرقاء لا تنطفئ حتى تحرق جسده بالكامل.
كان العبور من تريير إلى غاناهان ممكنًا، أمّا العكس فمستحيل.
لا شك أن ذلك وُضع لمنع البشر من الهرب.
“إنه أمرٌ مستحيل.”
لا بأس إن كان مستحيلًا.
وحتى لو انتهى الأمر بعدم اجتياز البوابة، أو بالموت حرقًا بطريقة وحشية، فلا مشكلة.
كانت حياةً لا بد أن أحاول فيها شيئًا، ولو كان ثمنه الموت.
أن أُترك هنا لأذبل ببطء ثم أموت؟
لا، عليّ أن أحاول على الأقل من أجل نفسي.
كان ذلك الحدّ الأدنى من الاحترام الذي أدين به لذاتي، ولحياتي.
حتى لو نجحتُ في العبور إلى عالم البشر، فأنا أعلم أنه ليس الأرض.
ييها وكل البشر هنا ليسوا من سكّان الأرض أصلًا.
ومع ذلك، إن كان لا بد من الموت، فليكن في عالم البشر، لا في عالم العفاريت هذا.
بل، لأكون دقيقة… حتى لو لم أستطع الوصول إلى عالم البشر، كنت أريد أن أموت بعد أن أحاول.
ربما لأنني كنت أعلم أن الموت قادم لا محالة، صرتُ أكثر جرأة.
فمَن لا يتعلّق بالحياة، لا يخاف شيئًا.
حين وصلتُ إلى ساحةٍ مهجورة خلف موقع البناء، رأيتُ أكوامًا من الحجارة مبعثرة هنا وهناك.
اخترتُ حجرًا عريضًا ومسطّحًا، مسحتُ عنه الغبار وجلست.
كان ملمس الحجر قاسيًا وباردًا على مؤخرتي النحيلة التي لم يبقَ فيها لحم يُذكر.
حاولتُ تغيير وضعيتي لأرتاح قليلًا، وبينما كانت أصوات الناس الذين يسارعون لتناول غدائهم تتلاشى خلفي، حدّقتُ بصمت في حصتي من الطعام.
كان الطعام الذي لا يُمكن تمزيقه إلا ببذل قوة عبارة عن كتلة صلبة مربّعة تشبه الخبز، سيئةً إلى حدٍّ يُرثى له.
كنت أسمّيه خبزًا من باب التسهيل، لكن في هذا العالم يُدعى ‘رام‘.
كان طعم الرام سيئًا للغاية، لكنه مزيج متوازن من البروتينات والكربوهيدرات، ما يجعله طعامًا أساسيًا لا بدّ منه للبقاء على قيد الحياة هنا.
وأنا أمزّق الرام قطعةً قطعة، أخذت أدلّك ساقيّ المتورّمتين بعدما مشيت لساعتين دون توقّف.
خشخشة—
توقّفتُ فجأة عن الأكل ونظرتُ حولي.
كان العمّال جميعًا في موقع البناء، وبقيّة زملائي متجمّعين في الاستراحة يتبادلون الأحاديث.
هذه الساحة المهجورة لم يكن يأتيها أحدٌ سواي.
لا بد أنني توهّمت. أو ربما كان حيوانًا صغيرًا.
عدتُ إلى تمزيق الرام دون تفكيرٍ كبير.
“آه—”
لكن هذه المرّة، سمعتُ أنينًا خافتًا للغاية يكاد ينقطع.
نهضتُ من مكاني وأنا ما أزال أمسك الرام، وأخذت أتلفّت حولي.
حتى بعد تدقيقٍ طويل، لم أرَ شيئًا سوى أكوام الحجارة.
كان أنينًا بلا شك… أم أنني أخطأت السمع؟
لكن عندما أمعنت النظر مجددًا، لمحـتُ عند صخرةٍ كبيرة غير بعيدة خصلاتٍ من شعرٍ بنيٍّ مائل إلى الفضي بارزة قليلًا.
‘بنيّ مائل إلى الفضي…؟ شعر؟‘
أم… شعر رأس؟ ما هذا بالضبط؟
اقتربتُ بحذرٍ ودهشة.
“……..”
وعندما وصلتُ أخيرًا، وجدتُ طفلًا صغيرًا يحدّق بي بعينين زرقاوين صافيتين.
“أتريد أن تأكل؟“
جلستُ قرفصاء على مسافةٍ قريبة منه، ومددتُ يدي التي تحمل الرام نحوه.
كان الصبي الذي بدا في نحو العاشرة من عمره، مغطّى بالجراح من رأسه حتى قدميه، لا أدري أين تعرّض للضرب.
كان وجهه متشقّقًا ومتّسخًا، وملابسه بالية كالأسمال.
وربما لأنه لم يستحمّ منذ زمنٍ طويل، كان يفوح منه شيءٌ من الرائحة الكريهة.
لكن على النقيض من مظهره، كانت عيناه الزرقاوان نابضتين بالحياة على نحوٍ لافت.
“…أنت لستَ إنسانًا.”
حين قلتُ ذلك، رمقني بنظرةٍ حادّة كأنه يريد قتلي.
وكلما تسلّل ضوء الشمس من بين الغيوم وسقط عليه، لمع بين خصلات شعره البنيّ المتّسخ خيوطٌ من شعرٍ فضيّ.
نعم… شعرٌ بنيّ مائل إلى الفضي.
كنت أعلم أنه غريب. فكل البشر هنا يمتلكون شعرًا بنيًا داكنًا، بينما يمتلك العفاريت شعرًا فضيًا خالصًا.
كان شعر هذا الطفل الذي بدا في منزلةٍ وسطى دليلًا واضحًا على كونه عفريتًا هجينًا—كما سمعتُ فقط في الحكايات.
وفوق ذلك، عيناه الزرقاوان الصافيتان… عينان تشبهان عيون العفاريت تمامًا.
وعندما دقّقتُ أكثر، رأيتُ بين شعره قرنًا صغيرًا واحدًا يبرز.
العفاريت في الأصل يمتلكون قرنين.
وكونه لا يملك سوى واحد، أكّد شكوكي.
لا أعلم أيّ عفريتٍ فاقدٍ للعقل أقام علاقة مع إنسانة، لكن الطفل الذي وُلد من تلك العلاقة… قد أُلقي به جانبًا بلا رحمة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
Chapters
Comments
- 3 - ريحٌ عابرة منذ 4 ساعات
- 2 - ريحٌ عابرة منذ 6 ساعات
- 1 - ريحٌ عابرة منذ 6 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"