إن بقيتَ إلى جواري، فقد أستغلك لتسلك معي طريق الغرب.
وإن اعتدتُ الراحة التي تمنحني إيّاها، فقد أطلب منك أن تمشي معي دربَ العذاب الذي ليس من نصيبك.
إن عرفتَ الحقيقة، فهل ستغضب؟
أنت لم تقل يومًا ما الذي تتمناه، لذلك لا أعرف ما الذي تريده حقًا.
لكن إن كان ما تريده هو أنا، فلا أستطيع أن أمنحه لك.
لن أعطيك شيئًا واحدًا.
سأعبر بوابة الغرب عائدةً إلى عالمي الأصلي، آخِذةً معي كل شيء، حتى آخر شعرة من رأسي.
وإن لم أستطع العودة، وإن احترقتُ حتى الموت، فسأظل كفراشةٍ تنجذب إلى النار أتجه نحو الباب.
لا بأس إن كرهتني.
“أنا لا شيء بالنسبة لك.”
لذلك، قبل أن نغادر هذه الغابة، سأغادرك.
* * *
ظننتُه هدوءًا يسبق العاصفة.
كانت هذه الرحلة الغريبة ساكنةً على نحوٍ مفرط، هادئةً ومسالمة.
أخفيتُ بإحكام فكرةَ أن أترك آسهان، وارتديتُ أمامه عدة أقنعة كأنني بخير.
لم يسألني شيئًا، كأنه لم يسمع ما قلته تلك الليلة.
لكنه كان أحيانًا ينظر إليّ بنظرةٍ لا أستطيع فهمها.
توقفتُ عن عدّ الأيام بأصابعي.
لم أعد أعرف كم مضى من الوقت منذ مغادرتي المعبد.
ومع ذلك، لم يكن من الصعب أن أشعر بمرور الزمن؛ فالسعال الذي خمد قليلًا عاد يشتدّ يومًا بعد يوم. ومع كل نهارٍ يمرّ، وكل شمسٍ تغيب وقمرٍ يطلع، كنتُ أقاوم الألم سرًّا بعيدًا عن آسهان.
بحجة قضاء حاجة، أو بدعوى الإرهاق، كنتُ أختبئ خلف شجرة أو أتدثّر بالبطانية، وأُخرج السعال الكامن في داخلي كوحشٍ متربّص.
ثم أنكمش، أزفر أنفاسي المكتومة زفيرًا متقطعًا.
لا شيء يكون سهلًا دائمًا.
لكنني ظننتُ أنني أستطيع الإخفاء.
غير أن ذلك لم يكن يسيرًا أيضًا.
ففي ليلةٍ كانت فيها النجوم تلمع على غير عادتها، سعَلتُ أمام آسهان وتقيأتُ دمًا.
“كح… كح—كحح!!”
كتلةٌ سوداء ثقيلة من الدم خدشت حلقي كله ثم انسابت خارجةً من فمي.
حاولتُ سدّ فمي متأخرةً، لكن بلا جدوى.
كان الألم يعصر صدري كأنه مدّ أقدامه السوداء حتى رأسي، فلم أعد أستطيع أن أستعيد وعيي من شدته.
“يون، يون!!”
آسهان الذي كان يُخرج طعام العشاء البسيط، تجمّد في مكانه كصخرة—نعم، كمن نظر إلى ميدوسا—ثم اندفع نحوي مذعورًا.
( ميدوسا كائن اسطوري من ينظر الى عينيه يتحول الى صخره )
“يون!! أرجوكِ، أرجوكِ، تمسّكي بوعيك…”
ضمّ جسدي الذي صار هزيلًا كغصنٍ يابس، وناداني باسمي مرارًا.
كانت يداه المرتجفتان مبللتين بالعرق البارد.
في عينيه الحزينتين تشققات توشك أن تنكسر.
لم يكن لديّ ما يكفي من القوة للرد.
كنتُ معلّقةً في ذراعيه كدميةٍ قُطع خيطها، أتمايل بلا حول.
“أرجوكِ، أرجوكِ يا يون!!”
صوته مغمورٌ بالرطوبة.
لفظتُ الدم مرةً أخرى، ثم أغمضتُ عينيّ ببطء.
متعبة… كل شيء متعب.
كان صوته يأتي من مكانٍ بعيد، بعيد جدًا.
كنتُ أودّ أن أقول أنا بخير، لا تقلق.
هذا أيضًا سيهدأ مع الوقت.
يكفي أن تتركني وشأني.
لكنني كحوريةٍ صامتة خرجت إلى الشاطئ، لم أستطع أن أنطق بحرف، كأن صوتي قد سُلب مني.
أسند بيده الكبيرة مؤخرة عنقي الواهنة، وانحنى فوق شفتيّ غير المطبقتين.
لامست شفتيه شفتيّ كزغبٍ خفيف.
اقتحم فمي المشبع برائحة الدم، ومع ذلك تسلّل شيءٌ بارد منه، دار في فمي ثم انساب عبر حلقي.
كان خفيفًا كغزل البنات ليس سائلًا ولا غازًا، شيءٌ غريب تجاوز مجرى التنفّس وانتشر سريعًا في صدري.
كنتُ أعرف هذا الإحساس.
“هاه…”
بدأ الألم يخفّ تدريجيًا.
أخرجتُ أنفاسي كما لو كنتُ أفرغ انسدادًا وارتجف جسدي.
راحت يده الساخنة الخشنة تمسح خديّ الجافين ببطء.
وفي ضيق مجال رؤيتي، انعكست أرواحُه الفضية الجميلة.
كانت الأرواح التي لم تعبر حلقي بعد تتسلّل من بين شفتيّ وتتماوج كضبابٍ خفيف.
كما يتلوّن البياض بالأحمر، عاد الدفء إلى وجهي، ونظرتُ إليه بخدّين محمرّين.
كانت عيناه المشتعلتان تحملان لونًا بنفسجيًا غريبًا جميلًا ورطبتين وكأن نارًا تومض فيهما أحيانًا، خطرتين، غارقتين في شوقٍ قاسٍ.
بعد أن نفخ فيّ الروح طويلًا، ابتعد بصعوبة ثم انهار متكئًا على كتفي.
تراكب جسده المرتجف على جسدي وسقط فوق البطانية.
حاول أن ينهض متخشخشًا، لكن لم تبقَ لديه قوة، فارتعشت أطراف أصابعه مرتين، ثم أغمض عينيه مستسلمًا.
“هَاه… هَاه—”
خرجت أنفاسه الخشنة من بين شفتيه المغلقتين.
كنتُ أنظر إلى صدره وهو يعلو ويهبط، ثم احتضنته بصمت بذراعين نحيلتين.
ارتجف قليلًا من المفاجأة، ثم غاص بوجهه أعمق في كتفي.
أخذتُ أمسح ظهره ببطء.
بفضل الروح التي منحني إيّاها، ربحتُ وقتًا آخر.
أنا بشر في النهاية؛ حتى لو ظننتُ أنني اعتدتُ الألم، فهو لا يتغيّر.
ولذلك كانت هذه السكينة التي وهبني إيّاها بالغةَ الأهمية.
الأرواح الفضية التي ملأت صدري ابتلعت وحش المرض.
وسقطت آخر دمعةٍ لم أستطع كبحها على البطانية.
مشاعر لا تُوصف بالكلام.
حتى كلمة شكرًا كانت ثقيلةً إلى حدٍّ أعجز معه عن نطقها.
لم يكن أمامي سوى أن أضمّ جسده القوي الذي بدا الآن واهنًا على غير عادته.
ما الروح؟
هي ما يُبقي الحياة قائمة.
كنتُ قد عزمتُ ألا أقدّم له شيئًا، ومع ذلك… أليس هو من منحني روحه منذ زمن؟
ذنبٌ يمزّق القلب.
ومع عودة الدموع، أغمضتُ عينيّ.
* * *
ارتجفت عيناي المرهقتان ارتجافًا خفيفًا كجناحي حشرةٍ صغيرة، ثم بالكاد ثبتُّ بصري إلى الأمام.
“آسـهان…؟“
بحثتُ بعينين غائمتين عن آسهان الذي كان ممدّدًا إلى جواري طوال الليل كالميّت، لكنني لم أجد على الغطاء سوى أثره، ولم يكن له أي وجود.
وكما في كل مرة، كانت الأطعمة البسيطة التي أعدّها، وماء الغسل المصنوع من الثلج الذائب، موضوعة على مسافةٍ قريبة كأنها سحر.
كان آسهان جالسًا في الجهة المقابلة، مسندًا ظهره إلى جدار الكهف، بهيئةٍ مرتّبة ونظيفة.
كانت خصلات شعره الفضيّ المائل إلى البني تتمايل ببطء مع النسيم، وقد طال شعره كثيرًا حتى غطّى حاجبيه، ومن بينه كانت عيناه الزرقاوان الصافيتان تحدّقان بي.
“…صباح الخير.”
“صباح الخير.”
ابتسم ابتسامةً خفيفة تشبه نبتةً صغيرة بدأت لتوّها تشقّ الأرض، ردًّا على تحيتي المترددة.
كم قضيتُ الليل قلقًا!
كنتُ أقاتل خوفًا لا ينتهي، أخشى أن يموت، أو أن ينهار فجأة.
ولم أستسلم للنوم إلا مع بزوغ الفجر، ثم أستيقظ لأجده واقفًا أمامي سالمًا وكأنه حلم.
يا للراحة… حقًا يا لها من راحة.
وضعتُ يدي على صدري، وقد فاض قلبي بالاطمئنان أخيرًا.
وبينما كنتُ أتهيأ للرحيل، كان هو أحيانًا يدير رأسه وينظر بعيدًا نحو خارج الكهف.
بدا جانبه المضاء بأشعة الشمس باعثًا على إحساسٍ غريب.
شعرتُ وكأنه سيتفتّت.
كأنّه سيتحوّل في لحظة إلى غبارٍ لامع يذوب في الهواء.
وفجأةً تسلّل بردٌ إلى جوار قلبي، فترنّحتُ كأنني سأقع، وقبضتُ على صدري.
“يون؟“
ما إن التقت عيناه القلقتان بعينيّ حتى عاد الاطمئنان ينساب إليّ من جديد.
وكأن شيئًا لم يكن، استقرّ قلبي عند نظرته.
لم يعد يبدو مهدّدًا بالانكسار، ولا هشًّا كما تخيّلت.
وقبل مغادرتنا الكهف، اقترب منّي بخطواتٍ واسعة، وتردّد للحظة، ثم مدّ يده فجأةً بشيءٍ ما.
“……؟“
كانت زهرةً واحدة، تمسكها أصابعه الطويلة الكبيرة.
“إنها تشبهكِ.”
ابتسم ابتسامة طفلٍ صغير، واحمرّت خدّاه قليلًا.
تناولتُ الزهرة منه بحذر.
كانت زهرةً بيضاء صغيرة لا يكاد يعلوها سوى قطراتٍ ضئيلة من الماء كأنها نفضت عنها الثلج.
كانت بتلاتها رقيقةً ولامعة كأجنحة الجنيات، تنبض بالنضارة.
وبينما كان يسحب يده ببطء بعد أن ناولني الزهرة، أمسكتُ بها فجأة.
تجمّد جسده بدهشةً من تصرّفي المفاجئ.
كانت يده الكبيرة في قبضتي الصغيرة باردة.
نعم، كانت يداه دائمًا على هذا النحو.
حتى مع مرور الوقت، لا تعود إليها الحرارة بسهولة.
لا أعرف كيف يقضي صباحاته وحيدًا.
كان دائمًا يستيقظ قبلي رغم قلّة نومي.
في تلك الساعات الصامتة الموحشة، ماذا كان يفعل؟ لا بدّ أنه كان يخوض الثلج ليبحث عن الطعام ويغمس يديه في الثلج البارد ليغسل الأواني ويذيب الثلج ليحضّر لي ماء الغسل.
ولهذا كانت يداه بهذا البرد القارس.
أمسكتُ بهما طويلًا، متمنّيةً أن يصل إليه شيءٌ من دفئي، ولو القليل.
* * *
وحين أصررتُ مرارًا على الرفض كي لا أكون عبئًا، حملني آسهان على ظهره من جديد، وسار بخطواتٍ واسعة داخل الغابة.
بجسدٍ بدا وكأنه ازداد نحولًا بعد ليلةٍ واحدة، وبحقيبةٍ ضخمة في يده، شقّ طريقه عبر الثلوج.
دق… دق…
عندما أستند إلى كتفه، يصلني صوت نبضات قلبه.
كانت أسرع من نبضاتي، ومع ذلك، وفي لحظاتٍ غريبة، كان إيقاعها يتوافق مع إيقاع قلبي، فكنتُ أستمتع بإلصاق أذني بصدره طويلًا.
ذلك الصوت العميق البطيء كان يبعث في نفسي السكينة.
هل مضى أسبوع؟ لا أستطيع إنكار الأمر.
لقد بدأتُ بالفعل أعتاد عليه، حتى في أدقّ التفاصيل.
وعند الغروب، بعد مسيرٍ طويل، فتح فمه أخيرًا وقال:
“أمّي كانت…”
رنّ صوته الناعم العذب قرب أذني.
فتحتُ عينيّ ببطء بعدما كنتُ مغمضةً إيّاهما، متكئةً على ظهره الدافئ.
كانت الغابة المصبوغة بلون الغروب البرتقالي تبدو دافئة بلا حدود.
التعليقات لهذا الفصل " 19"