فقد كان نفسي يبلغ حافّة الذقن، ومع ذلك لم أستطع كبح ذلك الفيض من النشوة، فواصلتُ تحريك ساقَيّ اللتين احمرّتا من شدّة البرد دون توقّف.
“هَاه… هَاه…”
كان الثلج المتراكم كثيفًا، يغمر قدميّ حتى ما فوق الكاحلين.
كان البرد قارسًا حدّ الإيلام، لكنّ حتى ذلك الإحساس بدا كأنّه يفتح صدري المغلق، فلم أتمكّن من منع الضحك من الانفجار.
في الغابة الساكنة لم يكن يُسمَع سوى صوتي، كأنّه يؤلّف لحنًا مرتجلًا غير متناسق.
أرهفتُ السمع، لكنني لم أسمع وقع خطواتٍ تتبعني.
رغبتُ مرارًا في الالتفات والتحقّق، إلا أنّني كنتُ أعضّ شفتي في كلّ مرة.
كنتُ أخشى أن ألقى مصير أورفيوس في الأساطير اليونانية الرومانية.
حين نزل أورفيوس إلى عالم الأموات بحثًا عن يوريديس، تأثّر هاديس بموسيقاه ووعده بإعادتها بشرطٍ واحد: ألّا يلتفت أورفيوس خلفه وهو يصعد من الجحيم إلى عالم الأحياء.
لكنّه التفت، فاقتيدت يوريديس من جديد إلى الجحيم، ولم يَرَها بعد ذلك أبدًا.
لو التفتُّ أنا الآن، ولو لبرهةٍ قصيرة جدًّا، ولو أدرتُ عينيّ خلفي للحظة، فسيظهروا العفاريت فجأة ليقيّدونني بإحكام ويجرّونني بعيدًا.
سيعيدونني إلى الجحيم، كما أُعيدت يوريديس.
قبضتُ يدي بقوّة.
عليّ أن أبتعد قدر الإمكان قبل أن يدركوا أنّني هربت.
حتى لو متُّ متجمّدة، يجب أن أموت وقد قطعتُ خطوةً أبعد.
كان الهواء الجليدي يخترق ملابسي ويجمّد جسدي، ومع ذلك لم أُرِد أن أترك لهذا القدر الضئيل من الحرّية أيّ فراغ.
“هووف—”
وأنا أركض بلا وعي، بلغ نفسي منتهاه، فتعثّرتُ وتوقّفتُ قليلًا متكئةً على جذع شجرة.
هل ساعدتني تلك الحاكمة العفريتة حقًّا؟ أم أنّ حديث الحواجز لم يكن سوى كلامٍ أجوف غايته تخويفي ومنعي من الهرب؟
لا… لا بدّ أنّه لم يكن كذبًا.
فالملك ليس ممّن يتركونني في مكانٍ مهلهل كهذا.
سواء كانت تلك أوهامي أم هلوسةً قاسية، فإنّني لا أستطيع نسيان ابتسامتها.
“أنا……”
فتحتُ فمي بحذرٍ شديد، بحذرٍ يكاد يكون خوفًا من أن ينكسر الصوت.
“أنا حرّة.”
خرجت الكلمات هادئة، وانتشرت بين أشجار الغابة.
“أنا……”
لم أُكمل الجملة حتى انهمرت دمعة—طَكّ—وسقطت.
بدا أنّ يقيني بمعنى الحرّية الذي نطقتُ به بلساني لم يكتمل إلا في تلك اللحظة.
ضحكتُ “هاها” ثم مسحتُ الدموع المتدفّقة وانفجرتُ بالبكاء.
أنا حرّة.
حرّة.
لقد خرجتُ من ذلك المكان.
هذا ليس ذلك الجحيم.
تراءى وجه الملك أمامي، ثم تلاشى كضبابٍ منسدل.
واختفى معه ذلك الثقل الذي كان يضغط على صدري كلّما التقت عيناي بعينيه.
“لن تستطيع تقييدي.”
ابتسمتُ له وهو يتبدّد في الهواء.
لن تمسك بي أبدًا.
سأهرب، وأهرب مرّةً بعد أخرى، ولن أظهر أمامك ثانيةً.
لن أفعل.
كأنّ أحدهم شقّ فتحةً واسعة في مجرى أنفاسي الذي كان مسدودًا بإحكام.
صرختُ مرارًا أنّني حرّة، ثم أخذتُ أرتجف تحت وطأة المشاعر المتلاطمة كالأمواج.
مع كلّ نَفَس، كان الفرح والأمل اللذان لا تسعهما الكلمات يملآن جسدي.
منذ زمنٍ ما، كنتُ قد فقدتُ كلّ شيء، ولم أعرف في هذا المكان لحظةَ سعادة.
لكنّني الآن، في هذه اللحظة، أذوق ذلك الفرح الغريب وأغمر نفسي بهذه البهجة.
غطّيتُ بعينين ساخنتين يديّ اللتين بردتا من شدّة الصقيع.
حتى لو كان هذا بداية شقاءٍ أعظم، فلا بأس.
وحتى لو كانت مجرّد حلاوةٍ عابرة، فلا بأس.
ظننتُ أنّ هذا المكان لم يكن يومًا إلى جانبي، وأنّني فقدتُ كلّ ثقة بهِ، لكنّني الآن لم أعد أريد أن أرتاب أو أرتجف قلقًا.
أنا الآن أقف وحدي
. أتنفّس تنفّسًا حقيقيًّا.
لا أحد يمسكني.
لا أحد يخنق أنفاسي.
حتى أصغر ورقةٍ في هذه الغابة لا تقيدني.
كانت دموعي الساخنة التي لم تجفّ بعد تنساب على أصابعي، وتطرّز الثلج المتراكم بنقوشٍ شفّافة.
للمرّة الأولى، شكرتُ الإله الذي لم يكن في قلبي له سوى الامتعاض.
يحلّ الليل في الغابة سريعًا.
في النهار كنتُ أستدلّ على الاتجاهات من خلال أوراق الشجر، أمّا في الليل فكان عليّ أن أبحث عن الكوكبات وأهتدي بها.
الباب المؤدّي إلى عالم البشر يقع في الغرب، لكنّ الأهمّ الآن كان الابتعاد قدر المستطاع عن معبد الملك.
من كثافة الأوراق في الجهة المقابلة للمعبد، بدا أنّ معبد الملك يقع في الشمال أصلًا، وأنّ الجهة التي تكثر فيها الأوراق هي الجنوب.
وبما أنّ الأشجار تنمو أكثر نحو الجنوب، أمكنني تخمين الاتجاه على هذا الأساس.
لذا كان عليّ أن أفرّ جنوبًا، بعيدًا، بعيدًا قدر الإمكان.
لكنّ الليل كان قد حلّ، فلم تكن الأشجار تبدو سوى كتلٍ معتمة، لا يمكن تمييز شيءٍ فيها.
‘يون، انظري إلى السماء هناك. هل ترين تلك الكوكبة؟ تلك الكوكبة المثلّثة، هي ملك النجوم: كوريملورا. أرأيتِ النجم الأزرق الكبير عند أحد رؤوس المثلّث؟ الجهة التي يشير إليها ذلك الرأس هي الجنوب.’
عاد صوت يوها حيًّا من ذاكرةٍ باهتة.
من العجيب كيف يمكن لأشياء غير متوقّعة أن تكون عونًا في لحظاتٍ كهذه.
استحضرتُ يوها بشوق، ثم أخذتُ أمسح السماء بعينيّ باحثةً عن كوريملورا.
“النجم الأزرق……”
هناك هو الجنوب.
دلّكتُ ساقَيّ المتصلّبتين بقوّة لأُدفئهما، ثم واصلتُ السير.
وفي الطريق صنعتُ شيئًا يشبه الزلّاجات الثلجية من الأغصان والأوراق، كان بدائيًّا لكنّه كفى، فلم تعد قدماي تغوصان في الثلج.
غير أنّ هواء الليل الشتوي كان قاسيًا حدّ تمزيق الجلد، فلم يطاوعني جسدي المتجمّد كما أردت.
“بارد……”
غابة الشتاء باردةٌ إلى حدٍّ لا يُحتمل.
“يا لغبائي……”
كان ينبغي أن أخرج محمّلةً بالأغطية أو بأيّ شيء، كان ينبغي أن أحزم طعامًا على الأقل……
لقد قصّرتُ في التفكير.
لكن الندم المتأخّر لا يجدي نفعًا.
ففي تلك اللحظة، كنتُ أشعر أنّني إن فوّتُّ الفرصة فلن أخرج أبدًا.
يتسلّل بخار أنفاسي من بين أسناني، ويرقص بلون أبيض في الهواء.
الغابة الغارقة في الظلام صارت أعتم فأعتم، حتى لم أعد أميّز ما أمامي خطوةً واحدة.
ولم أكن أرى سوى نجومٍ شحيحة تتسلّل بصعوبة بين أوراق الأشجار العالية الكثيفة.
حتى ضوء القمر لا ينفذ إلى عمق الغابة.
ومع تعمّق الليل، بدا لي أنّني صرتُ متشرّدةً تسبح في الظلام.
سواء أغمضتُ عينيّ أم فتحتهما، فلا فرق يُذكر.
الثلج الأبيض المفروش في كلّ مكان بدا رماديًّا قاتمًا في العتمة.
هل تعيش هنا وحوشٌ مفترسة؟
ألن يأتيني من بعيد عواءُ ذئب—آوو—بينما أسير؟
لعلّ الحيوانات متحفّزة، تتطلّع إلى وليمةٍ طال انتظارها.
لستُ خائفةً من الوحوش.
ما أخشاه حقًّا هم العفاريت… أولئك الذين قد يكونون ما زالوا يطاردونني.
ألم أكن بعدُ خارج كفّ الملك؟
ربّما كان يعرف طريقي كلّه، يراقبني فحسب.
يمنحني قليلًا من الوقت لأتعثّر، ثم يعاود في لحظةٍ ما الإمساك بي وإبقائي في حضنه.
حين خطرت لي هذه الفكرة، داهمني القلق والخوف، فارتجفتُ بخفّة وأرهفتُ السمع.
ألن أسمع في أيّ لحظةٍ وقعَ أقدامٍ خشنة تركض نحوي؟
ألن يأتيني ذلك الصوت البارد المميّز للعفريت، يناديني ويبحث عني؟
قدماي المتجمّدتان فقدتا الإحساس منذ زمن، وجسدي كلّه تصلّب كخشبة واهنًا كأنّه سيسقط في أيّ لحظة.
“آه—”
بينما كنتُ أتحسّس الطريق في الظلام بلا قوّة، تعلّقت قدمي بجذر شجرة، فسقطتُ بعنف فوق الثلج—هوووم.
حاولتُ تحريك أصابعي المدفونة في الثلج، لكنّها كانت قاسية كالحجر بلا أيّ إحساس.
ظللتُ ألوّي جسدي محاوِلةً النهوض، حتى أدركتُ أنّ جسدي لم يعد يستجيب لإرادتي.
فتوقّفتُ فجأة، وبسطتُ قواي كلّها، وبقيتُ ممدّدةً بصمتٍ فوق الثلج.
تسلّل الثلج إلى جسدي، فغمرني بردٌ قاسٍ.
كان البرد ينفذ إلى العظام، واشتقتُ إلى الدفء حدّ الألم.
لكنّني سخرتُ من نفسي وأنا أُدرك أنّني كنتُ وحدي دائمًا… وما زلتُ وسأبقى وحدي.
ومع ذلك، لا بأس يا يون.
إن متُّ الآن، فسأموت حرّة على الأقل.
هل أنتِ راضية؟
سألتُ نفسي ولم أجب، بل اكتفيتُ بابتسامةٍ شاحبة.
لا أدري… ربّما تجمّد رأسي أيضًا.
لكنّ فكرة أنّ الملك قد أفلتني إلى الأبد منحتني نشوة نصرٍ لا أفهمها.
مضحك أليس كذلك؟ لم أربح شيئًا، ولا كان لديّ ما أربحه أصلًا.
في خيالي، تشوّه وجه الملك الجميل.
أهو غاضب؟ أم حزين؟
وحين امتلأ رأسي بعينيه الزرقاوين الباردتين كالجليد، تبدّلتا فجأة إلى عيني آسهان في ذاكرةٍ بعيدة.
لم تعودا عيني الغضب القاتم لطفولته، بل عيني جوهرةٍ زرقاء تحتبس نسيمًا رطبًا……
“يون……!”
خال لي أنّ أحدهم يناديني باسمي.
ابتسمتُ واهنةً بعينين مغمضتين، كأنّني أجيبه.
ثم تلاشت الأوهام كالدخان، وتسلّل الظلام إليّ شيئًا فشيئًا.
وبينما كان وعيي يتفتّت، شعرتُ أو خُيّل إليّ برائحة ريحٍ مألوفة.
* * *
لطالما دعوتُ أن ما إن أفتح عينيّ، حتى يتفتّت كلّ شيء إلى غبارٍ ناعمٍ لا يُمسك، ثم تذروه الرياح فلا يبقى له أثر.
كنتُ أرتعد خوفًا بلا داعٍ، لكنّني في الحقيقة ظننتُ أنّ ذلك الحاجز الذي لم يكن سوى ستارٍ رقيق جدًّا، إن تحطّم وتبعثر، فسيظهر خلفه عالمي الحقيقي الذي أشتاق إليه حدّ الجنون.
وعندها، كنتُ سأمدّ قدمي إليه بلا تردّد.
وبمجرّد أن أخطو خطوةً واحدة، لن أحتاج إلى البكاء بعد ذلك.
بهذا الأمل الواهي… فتحتُ عينيّ فجأة.
في عالمٍ صغير على هيئة لوزة، يتراءى من بين جفنين ثقيلين فاقدين للإحساس، كانت هناك ألسنةٌ تتّقد بلا كلام بلونٍ برتقالي ثم أصفر ثم أحمر، تتوهّج بلا انقطاع.
حدّقتُ طويلًا محاوِلةً فهم ما أراه، وحين استعاد بصري تركيزه، أدركتُ أنّه موقد نار.
النار التي التقيتها بعد غيابٍ طويل كانت ترقص بجنون كأنّها تستعرض جمالها.
تتحرّك بخطوطٍ رفيعة انسيابية، ثم لا تلبث أن تتضخّم فجأةً كأنّها تنفجر بالحياة.
ارتسم ظلّ النار على وجهي دائرةً برتقالية دافئة.
ومع الدفء الذي شعرتُ به بعد طول غياب، بقيتُ أحدّق في الموقد شاردةً زمنًا طويلًا.
يبدو أنّني في ذلك العالم الأبيض البارد الذي طال أمده كنتُ قد نسيتُ وجود النار.
لو مددتُ يدي ببطء، ألن تنتقل إليّ تلك الشعلة لتكمل رقصتها الناقصة؟
كأنّني نسيتُ حتى معنى الحرارة، مددتُ يدي نحو النار كمن سُحر، بلا وعي.
التعليقات لهذا الفصل " 17"