حتى لو وُلد الوريث وأنهى حياته، فقد قال إنه سأجول معه دورة التناسخ.
وأنه، أيًا كانت العوالم، لن أستطيع الفرار منه.
روح الملك قوية ونقية وتخلد في روحي.
تنغمس في كياني كما ينحت النحات على الخشب، يقول لي “لن تتمكني من الهروب أبدًا“، ثم يضحك مرة أخرى ببرود.
جسدي المتجمد لا يتحرك، كجثة، وكلماته تخترق أذني المتصلبتين بلا رحمة، غازية عقلي بعنف.
كنت ألهث كحيوان صغير فقد أنفاسه.
هل سأواصل هذه الحياة الجحيمية معه؟
كان ذلك أشبه بأن تُحبس في جحيم لا نهاية له، بل ربما أسوأ.
سأعيش حياةً ليست بحياة، يابسة ومشوهة، سألعن وأصرخ بلا توقف، حتى أنسى نفسي تمامًا.
“إنكِ لي.”
كلما شدّد على قيدي، شعرت بأن القاع الذي ظننت أنه النهاية يغوص أكثر فأكثر إلى الأعماق.
كأن يدًا غير مرئية قبضت عليّ وهزّتني، ثم قذفتني بكل قوتها إلى هاوية.
حاولت يدي وقدماي التحرك بلا جدوى، لم يكن هناك ما ينقذني.
لقد مت آلاف المرات من شدة الحزن واليأس، تحطمت وتفرقت كالشظايا، ومع ذلك لم يكن ذلك شيئًا أمام ما أمامي الآن.
لقد وطأت قدماي للتو في جحيم مرعب ظننت أن نهايته قد حانت.
ثقل ذلك كان هائلًا، فبحثت يائسًة عن الإله الذي تركني بالفعل.
توسلت إلى الإله الذي تخلّى عني مرات عدة وألقاني بعيدًا.
ةأرجوك، أنقذني. ارحمني… أرجوك، أرجوك… أنقذني.”
* * *
“سمعت أن السارقة التي أخذت الماء المقدس كانت امرأة شابة.”
“سرقت الماء المقدس؟ لم تخفِ شيئًا!”
“بسبب تلك المجنونة، قُتل الأبرياء فقط!”
في حانة تقع في أحد أحياء المنطقة العاشرة، تجمع الرجال وناقشوا حادثة سرقة الماء المقدس بغضب.
مرت أشهر، لكن الحادثة لم تُنسَ بسهولة.
نادراً ما يُعدم البشر على يد العفاريت مباشرة، لذا كان الفرق في القوة محسوسًا ومخيفًا للجميع.
لا يستطيع أحد معارضة العفاريت.
كان يمكن فهم ذلك بالفطرة: هؤلاء قادرون على سحق البشر بلا أي تردد.
في ذلك اليوم، جلست راتشيل، إحدى العاملات في الحانة، تستمع وتنهدت بعمق.
تذكرت المرأة ذات الشعر الأسود التي تحدثت معها إيما عنها.
لقد عملت طويلًا في الحانة، فكانت قادرة على قراءة طبيعة الأشخاص بمجرد النظر إليهم.
وبحسب تقديرها، لم تبدُ تلك المرأة سارقة الماء المقدس، بل كأنها مجرد مسافرة عادية وصلت لتوها إلى المنطقة العاشرة.
طَرق قلب الحانة فجأة، فنهض الرجل ذو الغطاء البني عن الطاولة دون أن يقول كلمة.
“بسببها قُتل أفراد عائلة توم بلا ذنب…”
“يجب أن تُمزّق إلى أشلاء!؟ قالت إنها ذات شعر أسود؟ الشماليون دائمًا سيئون الحظ. إذا أخذتهم العفاريت فلن يعودوا سالمين…”
قبل أن ينهي الرجل كلامه، ضربه الرجل ذو الغطاء بقبضته.
تعالت الصيحات والضجيج في الحانة.
“قلها مرة أخرى.”
“ماذا؟ هذا مجنون!!”
تدحرج الرجل من على الكرسي ممسكًا بخده المتورم، لكن الرجل ذو الغطاء لم يتحرك، فقط ركل الرجل الآخر بعنف.
“آه! النجدة!”
حاول الآخرون الإمساك بالرجل، لكن قوته كانت ساحقة، فلم يستطيعوا السيطرة عليه.
“تحدث مرة أخرى عن المرأة ذات الشعر الأسود.”
“ماذا تقول؟!!”
“قل شيئًا عن المرأة مرة أخرى.”
استمر الركل، وامتلأ وجه الرجل بالدماء.
راقبت راتشيل المشهد بذهول، فركضت وتمسكت بالرجل ذو الغطاء.
“لا أعلم ماذا، لكن سأخبرك. هل تقصد المرأة التي أخذتها العفاريت؟“
توقف الرجل عن الركل ونظر إليها.
تلاقى نظرها بعينيه الزرقاوين الممتلئتين بالغضب تحت الغطاء، فشهقت.
“تعرفينها؟“
هزّت راتشيل رأسها مرتعشة.
“سأخبرك… لذا توقف عن إثارة المشاكل هنا… لا فائدة من ذلك.”
أشارت ليتبعها، ففعل بصمت.
ظل الرجل الملطخ بالدم فاقدًا للوعي.
حتى غادرا الحانة، لم يتحرك أحد.
وعندما أُغلقت الأبواب واختفى الاثنان، سُمِع صوت خافت من مكانٍ ما:
“العـ…العفريت… عاد إلى قرية البشر…”
* * *
“خلف الجبل، عبْر البحر، هناك مكان بعيد جداً، حيث تراكمت الثلوج إلى حد أن العالم كله أصبح متجمدًا بالكامل. هناك يعيش الدوكيبي ذو القرون الفضية المشتعل بالنيران الزرقاء الباردة. ومن بين هؤلاء، ينتظر عفريت صغير فتاةً تحمل نارًا حمراء دافئة قادرة على إذابة البرد بفارغ الصبر لزمن طويل، طويل جدًا.”
اختفت الأصوات تدريجيًا.
تلاشت الصور الخيالية في الحلم كالضباب، وعندما فتحت عيني، كانت الليلة مرة أخرى حالكة.
النافذة المغلقة بإحكام لم تتحرك، وأشعر برعشة خفيفة نتيجة شعورٍ لا أستطيع تفسيره.
في الحلم، كنت طفلةً في حضن جدتي الراحلة منذ زمن طويل.
وعندما تدللتُ لأن النوم لم يأت، بدأت جدتي تخبرني قصصًا بصوت هادئ.
ماذا قالت؟
حتى قبل لحظات قليلة، كان الحلم حيًا وواضحًا، لكن الآن لم أستطع تذكر أي شيء.
كلما حاولت التمسك بنهايته، هرب مني أسرع.
أغمضت عيني مرة أخرى. ما زلت أذكر رائحة جدتي، دفئها، وابتسامتها… لكن الكلمات لم أعد أتذكرها.
هل كان ذلك مهمًا؟
حاولت أن أستجمع أي دليل، لكن لم يكن هناك شيء. الأحلام ليست دائمًا ذات معنى، ولم أرغب في التمسك بها، لكن ذلك الشعور الغامض لم أستطع التخلص منه.
جلست مستندة إلى وسادة كبيرة.
غطاء السرير الأبيض والنظيف كان يفوح برائحة الورود مع كل حركة.
رفعت الغطاء إلى صدري، لكنه لم يمنحني دفئًا أو راحة.
بينما جلست محدقة بلا حراك، دخل فجأة.
كالعادة، جلس بجانب السرير على الأريكة، مستندًا بجسمه الكبير مثل وحش كسول يراقبني.
حتى في الظلام، لا يفقد لونه الأزرق الزاهي وضوحه.
عيناه دائمًا باردة، وأحيانًا تشبه النار الزرقاء المشتعلة.
القرنان الفضيّان على رأسه رمز للعائلة الملكية يلمعان كالشفرة المصقولة.
تملكني فضول، فحدقت فيه بلا خوف.
من رأسه إلى قدميه، عيني التي اعتادت الظلام لم تتردد في مراقبته.
شفاهه التي تتوهج باللون الأحمر تحت الشمس تبدو أرجوانية في الظلام.
شعره الذهبي الفاتن يتشابك فوق حاجبيه في الليل، وملابس العائلة الملكية التي يرتديها تتلألأ كاللؤلؤ تحت ضوء القمر.
جميل، مخيف، ومهيب في الوقت نفسه… الملك.
بصوت مرتجف، فتحت فمي تجاهه:
“لماذا…”
تلاشت الكلمات الصغيرة على طرف لساني.
أغمض عيناه لبرهة، بدا متعبًا بلا حراك.
قبضت على يدي بسرية، محاولًة استمداد بعض الشجاعة مع كل نفسٍ أتنفسه.
كان عليّ أن أسأله.
لماذا أحضرني؟ ولماذا لا يتركني؟ شعرت أن هذه المرة سأحصل على إجابة.
لماذا أنا بالذات؟
أنا مجرد إنسانة ضعيفة ومهينة مقارنة بالعفاريت.
لا سبب لي للبقاء هنا، ولا رغبة في ذلك.
لكن عليّ أن أسأل.
بعد السؤال، سأستعطفه أو أتوسل، وسأتشبث به للحصول على حريتي.
فتحت فمي مرة أخرى:
“لماذا… بالذات…”
هذه المرة، خرج الكلام بقوة.
عينيه الزرقاوتان كشفتا عن نفسي بالكامل.
“لماذا أنا بالذات؟“
سألته عن سبب حبسي هنا، لكنه لم يرد.
لم أدرك ما الذي يراه في عينيّ.
“…….”
كان الظلام حولنا كثيفًا ككون، شعرت أننا وحدنا فقط.
طاقته الهائلة كانت تطغى عليّ، فلم أستطع التفكير بأي شيء.
ثم نطق بكلماتٍ غامضة وابتسم قليلاً:
“…ألم تعيديني؟“
وعد.
ثقل الكلمة كان يثقل قلبي.
أغلقت عيني مقاومةً، لا أحب هذا الوعد.
أنا؟ متى؟ ولماذا؟
لا يمكنني حتى أن أعد لنفسي، فكيف يمكنني أن أعد الآخرين؟ لم أعد أي وعد له.
“لم أعدك بأي شيء.”
شَدَدت قبضتي ونظرت إليه.
ابتسامته التي استمرت للحظة اختفت خلف يده الكبيرة.
“…هل هذا صحيح؟“
قالها بصوتٍ هادئ، تخالطه نبرةُ حزمٍ صريح؛ بلا غضبٍ ظاهر، ولا يبدو كأنه يطرح سؤالًا عليّ.
“إذن، سأقول إنه وعدك لي.”
تحدث بكلمات غامضة ثم غطى عينيه بيده وارتسمت شفاهه بابتسامة خفيفة، لكن بدا لي كأن ابتسامته تبكي.
“تذكري.”
فتح الباب.
ثم أغلقه وغادر الغرفة دون أن يعود.
* * *
أُعطيتُ سبعة أيام.
سبعة أيام للاستعداد لأستقبل روح ملك العفاريت النقية كبشرية.
لأول مرة منذ أشهر، استطعت الخروج من تلك الغرفة السجنية.
رغم مرور أشهر، لا تزال الثلوج تتساقط كأن الزمن توقف هنا.
التعليقات لهذا الفصل " 15"