اندفع الدم من أعماقي المضطربة، فتقيّأتُ دمًا بلا وعي.
دار العالم من حولي وغرقت عيناي في ظلامٍ دامس.
سواء كان فجرًا أم مجرد غرفةٍ مظلمة، لم يكن في ذلك أي عزاء.
بدأ بصري يبهت.
وقبل أن أسقط على الملاءة الملطخة بالدم، أمسك بي أحدهم بقوة.
‘آه…’
أكان هذا هو الشيء البارد؟ ذاك الذي قاطع وهمي القصير…سعادتي الخاطفة؟
من خلف قماشٍ رقيق، لفّني بردٌ قارس، أبرد من الثلج، وسرى في جسدي كله.
اشتعل الغضب في صدري.
كان ذلك أول حلمٍ أرى فيه عائلتي.
الأول.
كنتُ قد صلّيتُ طويلًا، توسّلتُ أن أراهم ولو في حلم… ولم يحدث ذلك قط، ولا مرة واحدة.
كان أثر الحلم حيًّا إلى حدٍّ جعلني أتمنى لو أن ما أعيشه الآن هو الحلم، لا ذاك.
“لا… لا… لا…”
راحت سخونةٌ ترتفع في صدري.
غضبٌ تائه يجوب داخلي، ينهش كل شيءٍ ولا يهدأ.
ارتجفت عيناي كقاربٍ صغيرٍ عالقٍ في عاصفة.
لم أستطع إيقاف النحيب، فتطاير شعري فوق كتفيّ.
لماذا؟
لماذا أنا؟
لماذا، لماذا، لماذا؟!
سؤالٌ كرّرته مئات، آلاف، بل عشرات الآلاف من المرّات… بلا جواب.
لماذا أنا؟ لماذا يجب أن أكون هنا؟ لماذا؟ لماذا أنا؟!
“يون… تمالكي نفسك.”
وصلني الصوت بعيدًا، كأنه آتٍ من تحت الماء.
سالت دموعي.
تردّد همسٌ آخر، ثم رفعت يدٌ كبيرة وجهي بقوة.
“أس… أسهان.”
أسهان؟ أهو أنت؟ أنتَ؟ أنتَ…؟
نظرتُ بعينين مغشوتين إلى زوجٍ من العيون الزرقاء أمامي.
لماذا أنت…؟
“من الذي تنادينه؟“
دوّى صوته البارد في أذني، ثم مسحت يدٌ أبرد من صوته الدموع المتجمّعة عند عيني بخشونة كأنها تأمرني أن أنظر إليه جيدًا.
أكان هذا مسحًا؟ لا… لم يكن كذلك.
كان قاسيًا، على غير عادته.
لا… ليس هو.
لم يكن أسهان.
لماذا ظننته هو؟ لماذا تذكّرتُ من حسبتُ أنني نسيته؟
لم تكن هناك رائحةُ الريح.
العيون زرقاء، نعم، لكنها لشخصٍ مختلف تمامًا.
حدّقتُ شاردةً في الملك الذي أمامي.
في كل مرة أراه… يندفع اليأس نحوي.
أمسك ذقني بقوة بين إبهامه وسبابته ورفعه.
رأيتُ انعكاسي في عينيه الزرقاوين: فتاةٌ غارقة في الدموع والدم، محبوسة داخل دائرةٍ زرقاء كالسجن.
رأيتُ نفسي في عينيه، ورأيته في عينيّ.
لم يتغيّر شيء.
اختنق نفسي.
لكن أمرًا واحدًا فقط كان يقينيًا.
كنتُ كسمكة عالقة في شبكةٍ محكمة؛ متى أمسك بي رفعني إلى السطح ألهث اختناقًا، ثم أعادني إلى حوضه من جديد.
حين تقلّصت المسافة بيننا حتى كادت شفاهنا تلتقي، تجمّد نَفَسه وتيبّست ملامح وجهه.
شعره الذهبي ورموشه الذهبية التي لا يملكها إلا الملوك—كانت تلمع أحيانًا حتى في الظلام.
عيناه الجليديتان توقّفتا عند فمي حيث جفّ الدم.
“هـاه…”
لم يكن الموت مخيفًا، لكن الوقوف أمامه جعل جسدي يرتجف.
هل هذا خوف؟ رهبة؟
أمامه أشعر كأنني أواجه شيئًا هائلًا… هائلًا جدًا.
هالة غير مرئية تنبعث منه تضغطني وتسحقني فلا أستطيع الحركة وكأنني أغرق في شعورٍ عظيم بالذنب، أو كأنني أنحني تحت نصلٍ ضخم مرفوع فوق عنقي.
ومع ذلك، داخل هذا الخوف، تسلّل إحساس متناقض: ليت ذلك النصل يهبط بلا تردّد.
إن كان لا مفرّ من الارتعاش الأبدي، فليكن هذا هو النهاية.
ليته يقتلني… ليته يتركني.
كنت أريد الهرب منه بكل ما فيّ، لكنني لم أعد أستطيع الفرار.
كان عليه هو أن يُنهي الأمر.
“انظري إليّ.”
منذ رأيته أول مرة في ليون وهو يرتدي عباءته، وحتى الآن، كلما نظرتُ إلى عينيه شعرتُ كأن قلبي يتوقف.
“من تقصدين؟“
سأل الملك مرة أخرى.
ماذا عليّ أن أجيبه؟
هل أقول: فتى عرفته قديمًا وظننت أنني نسيته، لكن عينيه الزرقاوين ذكّرتاني به؟ وإن قلت إنني قارنته بعيني الملك، فماذا سأقول بعد ذلك؟
لم أستطع فتح فمي.
لم أعد أعرف حتى إن كان عليّ أن أجيب.
هل هذا… سؤال مهم للملك؟
عجزت عن المواجهة أكثر، فأغمضت عينيّ.
كانت رائحة الدم تملأ فمي، واللعاب اليابس لم يعد يبلّله.
أطبقت شفتيّ بقوة.
تمنّيت لو أفقد الوعي.
كل شيء كان مرهقًا.
لم يسأل الملك بعدها.
بدلًا من ذلك، رفع يده وضغط بقوة على صدري الأيسر.
“كُح—”
عندما ضغط بإصبعه على موضعٍ لا أعرفه، اندفع من فمي، بدل الدم، بخار أبيض.
حدّقتُ بذهول في ذلك الشيء الغريب، ثم بدأ بصري يدور وشعرتُ كأن جوفي يفرغ، فعضضت شفتيّ بقوة.
كان البخار الأبيض يلمع في الظلام بوضوح كأنه روح.
دار قرب فمي، وما إن رفع الملك يده حتى عاد وتسلّل إلى داخلي.
“هاه…”
حين عاد نفسي أخيرًا، انحنيتُ وكدتُ أسقط.
أمسكَتني يد الملك الباردة إذ لم يكن لديّ ما يسندني.
“تلقيتِ روحَ عفريت.”
تمتم الملك بصوتٍ منخفض، بدا وكأنه سخرية أو غضب خافت.
“أيُّ أحمقٍ هائجٍ أعطاكِ روحه؟“
سأل ببرود.
مرة أخرى، لم أستطع الإجابة.
روح عفريت؟ أعطاني روحًا؟
شعرتُ وكأن رأسي يفرغ تمامًا.
‘لا أفهم… لا أفهم ما الذي يُقال…’
“هل قضيتِ معه ليلة واحدة؟“
للمرة الأولى، غضب الملك.
زأر بصوتٍ وحشي كأنه قادر على التهامي حيّة.
ثم ضغط مجددًا على صدري الأيسر.
“كُح—”
اندفعت من فمي روح فضية من جديد.
“ليست حتى روحَ سلالةٍ نقية… روح عفريت دنيئة. بل استُخدمت المياه المقدّسة على إنسانة؟ شيءٌ حقير لا يقدر حتى على مشاركة الروح، تجرّأ وسرق المياه المقدسة؟“
ضحك الملك ضحكةً مريرة.
لوّح بيده في الهواء مراتٍ، ثم أمسك بالروح المتصاعدة كالدخان.
تَحطّم—!
تحطّمت الروح في قبضته وتناثرت في الهواء.
حدّقتُ بالمشهد بلا حراك.
شدّد الملك أصابعه مرارًا، كأنه يحاول اختراق صدري، وكل روحٍ كانت تخرج… اختفت تمامًا بين يديه.
التعليقات لهذا الفصل " 13"