1
الفصل الأول
«يا ملاكي، هبْ هذه الخليقة نور الحقيقة.»
على خشبة المسرح، صدح الممثل القابع تحت الأضواء المسلطة عليه، بكامل قوته. كانت مسرحية ملحمية استمرت لثلاث ساعات متواصلة. السادة والسيدات الجالسون في المقصورات، والأطفال الذين تسللوا خفية ليربضوا عند أسفل الدرج، الجميع كان يترقب الذروة القادمة بحماس.
«لتحررنا من قيود الموت.»
كان الصوت الجهوري الذي يضرب طبلة الأذن وكأنه تجسيد لصوت الإله. وبينما ترك الممثل وراءه جمهورًا تذرف عيناه الدموع، وفي اللحظة التي مد فيها يده من تحت كمه الطويل ليضغط على زر مخفي لآلة ميكانيكية خارج نطاق الضوء…
بم!
انفجرت جميع الأضواء مع دوي هائل. ساد الظلام الحالك، وبدأ عمال المسرح يركضون في ارتباك وسط صرخات خافتة من الجمهور.
“اهدأوا من فضلكم! قد يكون الأمر خطرًا، لذا يرجى الانتظار في مقاعدكم!”
وبعد قليل، في اللحظة التي بدأ فيها عامل يحمل مصباحًا يدويًا بتفقد المسرح…
انتفض السيد الجالس في الصف الأمامي فجأة. واتجهت نظرات السيدة النبيلة بجانبه نحو المسرح متبعة إياه.
كان دخان أبيض باهت يتصاعد من جسد الممثل الملقى بوهن على الأرض. وفاحت معه رائحة شواء اللحم.
“آآآآه!”
“الممثل قد مات!”
“حادث! لقد وقع حادث آخر!”
كانت تلك هي اللحظة التي سقطت فيها الضحية الثالثة لما سُمي بـ “قضية الوفيات المتسلسلة للممثلات”.
♡♡♡
كانت صناعة المسرح في المملكة تشهد ازدهارًا هائلًا. فبعد العصور الماضية التي حصدت فيها حروب التوسع الإقليمي المفرطة أرواحًا غفيرة، كان أناس العصر الجديد يتوقون بشدة للسلام. ومع النمو السكاني الانفجاري، وظهور المثقفين والفلاسفة والمهندسين تباعًا، صار عامة الشعب يطالبون بوسائل ترفيه؛ شيء أكثر متعة، أكثر بهرجة، وأكثر ندرة.
ولو استمر الحال على ما هو عليه، خاصة وأن كبار النبلاء هم من تصدروا واجهة المسارح، لكانت المملكة بلا شك الرائدة في صناعة الفن.
أعني، لو لم يمت ثلاث ممثلات في حوادث مروعة.
“يقولون إنها الضحية الثالثة في هذا المسرح وحده.”
“صحيح. الأمر يبعث على القشعريرة. أشعر ببرودة غريبة تسري في المكان.”
“هل هو حقًا حادث عرضي؟”
“الصحف تقول ذلك، مجرد مصادفة.”
في دورة مياه مسرح غارسيه، كانت النساء اللواتي يبدو أنهن من الجمهور يرتجفن خوفًا.
قضية الوفيات المتسلسلة للممثلات.
وهي قضية لقيت فيها ثلاث ممثلات من مسرح غارسيه حتفهن بسبب أعطال في الآلات الميكانيكية أثناء العرض. بدأت الشرطة تحقيقاتها سرًا، لكنها باءت جميعًا بالفشل. ولم يتبقَ الآن سوى قاسم مشترك وحيد للحوادث الثلاث: “جميع الضحايا لقين حتفهن أثناء استخدام آلات ميكانيكية صنعها صاحب المسرح، جيريميا غارسيه.”
“من المستحيل أن يموت شخص آخر.”
“بالطبع، مستحيل. خاصة في العرض الذي سنحضره نحن.”
ومع ذلك، كان من الممكن استشفاف خيط رفيع من الترقب في تلك الأصوات التي تتصنع البراءة. ولكن بمجرد أن لمحوا ميا سيلستين وهي تراقبهما، تواروا عن الأنظار فورًا.
في دورة المياه التي خلت من النساء، وقفت ميا وحيدة تجتر شعورًا واضحًا بالاستياء.
كانت المشكلة تكمن في تكرار حوادث الموت بشكل يوحي بأنها أبعد ما تكون عن المصادفة، كما كانت تكمن في فضول المشاهدين الذين يتساءلون -مثل النسوة اللواتي غادرن للتو- عما إذا كان بإمكانهم مشاهدة الموت بأعينهم.
لكن من وجهة نظر الشرطة، كانت المعضلة الأكبر هي أن المشتبه به الرئيسي، جيريميا غارسيه، هو وريث عائلة دوقية مرموقة.
‘بفضله، اضطررت لبذل كل هذا العناء.’
كانت المرأة المنعكسة في المرآة، بشعرها البني الباهت وعينيها الخضراوين القاتمتين، لا تعدو كونها امرأة ذات ملامح عادية يمكن رؤيتها في أي شارع.
كفت ميا عن التحديق بعبوس في المرآة. وبدلًا من ذلك، استغلت الوقت في إصلاح مكياجها والتدرب على الابتسام بمزيد من الإشراق. بدت الابتسامة أفضل قليلًا.
“الآنسة ميا سيلستين؟”
نادى أحدهم من خارج دورة المياه.
وعندما خرجت مسرعة إلى الرواق، كان بانتظارها رجل ذو ملامح صارمة يبدو أنه المسؤول عن المقابلات.
“تفضلي باتباعي.”
ازدادت خطواتها قوة وهي تطأ السجاد القرمزي الفاخر.
توقف الرجل عند أحد الأبواب، وطرق عليه خفة نيابة عن ميا، ثم تراجع خطوة للخلل.
“تفضلي بالدخول.”
شعرت وكأنها تدخل عرين الأسد بقدميها.
تخلصت من توترها بزفرة واحدة، ورسمت ابتسامة صافية.
“حسناً.”
هي، العضوة في الشرطة السرية للمملكة، جاءت اليوم إلى مسرح غارسيه للعمل تحت غطاء الوظيفة.
بمجرد دخولها الغرفة، صدمها ضوء الشمس المباشر في وجهها. وبينما كانت تحاول فتح عينيها بصعوبة، كان هناك شخص ما قد أزاح الستائر للتو.
كان رجلًا فارع الطول. انسدل شعره الأسود المموج فوق أنف مستقيم حاد رسم بظلاله تقاسيم وجهه. كان القميص الأبيض مفتوح الزر العلوي، ولم يكن من الصعب العثور على ربطة عنقه الكحلية التي يفترض أنه كان يرتديها، ملقاة بجانب رأسه.
بدا أن الرجل يشعر بحرارة شديدة، إذ فتح النافذة على مصراعيها قبل أن يقترب من الأريكة. أمسك بالأوراق التي كانت تتطاير مع الريح، وتفحصها من الأعلى إلى الأسفل مرتين، ثم وجه نظره نحو ميا.
عينان ذهبيتان تتألقان كعيني قط. وظلال واضحة تحت عظم الحاجب البارز، يتصل بها أنف انسيابي وشفاه رقيقة. رجل نبيل ذو مظهر باهر ورثه عن والدته.
تيقنت ميا من هويته: ‘إنه جيريميا غارسيه.’
المشتبه به الأول في قضية الوفيات المتسلسلة للممثلات، وفي الوقت نفسه، صاحب السلطة الذي يمكنه قتل بضعة من عامة الشعب بإشارة من يده دون الحاجة لتدبير مثل هذه الحوادث الغريبة.
لقد جاءت لمراقبته، لكنها لم تتوقع أن تراه فور وصولها.
جلست على طرف الأريكة المقابلة، وبدأت المقابلة.
“هل لديكِ خبرة سابقة في التمثيل؟”
“لا.”
“من المؤكد أنكِ تعرفين الدور الذي تقدمتِ له؟”
“قيل لي إنه دور يتلقى الصفعات.”
“وهل أنتِ موافقة على ذلك؟”
“بالطبع. إنها فرقة غارسيه المسرحية، الانضمام إليها بحد ذاته شرف كبير.”
أجابت ميا وهي تشد على ابتسامتها المصطنعة؛ متظاهرة بأنها امرأة حمقاء لا تلتفت للشائعات المنتشرة وتركض فقط خلف اسم غارسيه.
ظل يحدق فيها بصمت، بنظرة خالية من المشاعر كأنما يتفحص جمادًا، وكأنه يقيس شيئًا ما.
تحملت ميا شعور الوخز على بشرة وجهها، قبل أن تسأل أخيرًا:
“عذرًا، لِمَ تنظر إليّ هكذا؟”
أنهى الرجل ملاحظته ببطء، ثم هز رأسه.
“لقد مات بضعة أشخاص في مسرحنا مؤخرًا.”
“آه، نعم.”
“أشعر أنه إذا مات شخص آخر، فسيكون بالتأكيد شخصًا مثلكِ.”
“… نعم؟”
قالها بنبرة هادئة وكأنه يتحدث عن حالة الطقس. لو لم تكن دعابة سمجة، فإن صوته الرزين جعل القشعريرة تسري في جسدها في تلك اللحظة.
‘هل… هل قام للتو بتهديدي بالقتل؟’
وقبل أن تجد ردًا، تابع جيريميا كلامه:
“لقد ذكرتِ أنكِ بحاجة لتوفير السكن، أين تقيمين حاليًا؟”
“… كنت أعيش في مصنع حتى وقت قريب قبل أن آتي إلى هنا. حاليًا ليس لدي مكان محدد للإقامة. ولكن عما كنت تتحدث قبل قليل…”
“انسَي الأمر.”
عادت نظرات جيريميا اللامبالية إلى الأسفل، نحو طلب انضمام ميا.
“لا توجد موانع لانضمامك. العرض الليلة، لذا استعدي.”
استفاقت ميا من ذهولها.
“لحظة واحدة. الليلة؟”
“إنه دور بسيط لذا لن تكون هناك مشكلة. خذي هذا السيناريو، لقد وضعت علامة على الدور الذي ستؤدينه، لن يكون الأمر صعبًا. سأرسل مساعدي لهذه الغرفة في الساعة السابعة.”
لم يتبقَ على الساعة السابعة سوى ست ساعات تقريبًا. حتى لو كان دورًا بسيطًا، كيف يضعون شخصًا بلا خبرة على المسرح فورًا؟
وقبل أن تعترض على هذا الوضع المريب، غادر جيريميا غرفة الاستراحة فورًا. تلاشت أصوات خطواته في الرواق، لتجد ميا نفسها وحيدة تمامًا.
“يا للهول.”
فكرت ميا للحظة فيما إذا كان قد كُشف أمر هويتها الحقيقية. وعلاوة على ذلك، كانت لا تزال مذهولة من تصريحه المرعب الذي مرّ كطيف عابر.
‘ولكن… هذا في مصلحتي. فقد أتمكن من رؤية تلك الآلة الليلة.’
الآلات التي تسببت في الحوادث بدت جميعها كبيرة وثقيلة في الصور. وبما أن نقلها لن يكون سهلًا، فربما لا تزال موجودة على المسرح إذا حالفها الحظ.
‘هل عليّ إتمام هذا العرض أولًا لأتمكن من التحقيق؟’
حسمت ميا أمرها وأمسكت بالسيناريو.
كان اسم المسرحية التي ستشارك فيها هو <السيدة والرياح>. وتدور أحداثها حول سيدة نبيلة أرملة تكتشف متأخرة أن زوجها كان يخونها، فتبدأ بملاحقة جميع النساء من حوله. وقد أثارت المسرحية ضجة لأن والدة صاحب المسرح، دوقة غارسيه، هي من تؤدي دور البطولة.
كان اسم ميا مطبوعًا بالفعل في السيناريو، وبالنظر إلى أنها قدمت طلب التوظيف قبل أسبوع واحد فقط، فقد كان هذا الإنجاز الإداري سريعًا لدرجة تثير الريبة.
‘ربما صنع اللورد غارسيه طابعة شخصية بلمحة بصر.’
تابعت ميا قراءة السيناريو.
بدا دور ميا تافهًا للغاية؛ فهي تؤدي دور خادمة الدوقة، تتبعها في كل مكان، وفي ذروة المسرحية، تهمس في أذن الدوقة. وبعد سماع كلماتها، تقوم الدوقة الغاضبة بصفع ميا عدة مرات قبل أن تغادر الأخيرة المسرح.
كان لدى ميا جملة واحدة فقط:
“هل أخطأتُ، يا سيدتي؟”
كانت جملة سهلة كما قال جيريميا. ومع ذلك، كان هناك أكثر من عشرة ممثلين ثانويين غادروا الدور تباعًا لأنهم لم يتحملوا أداء هذه الجملة الوحيدة.
بفضل ذلك، تمكنت ميا من التسلل بسهولة نسبيًا، لكن شعورًا بالقلق ظل يراودها.
بعد ست ساعات.
أما عن شعورها وهي تقف على المسرح لأول مرة في حياتها… فقد كانت ببساطة مشغولة للغاية. كان عليها تركيز كل انتباهها على العثور على مكانها الصحيح وفي الوقت نفسه البحث عن تلك الآلة الميكانيكية اللعينة.
وأخيرًا، جاء دور ميا. وفي اللحظة التي اقتربت فيها من الدوقة وهمست في أذنها…
طاخ!
سقطت أرضًا في لمح البصر. لم تكن الصدمة من الصفعة المفاجئة فحسب، بل من حقيقة أن تلك السيدة قد ضربتها بكل قوتها.
ولم تمنحها السيدة المتذمرة أي وقت للراحة، إذ أمسكت بتلابيب ميا وصفعتها مجددًا.
طاخ! طاخ! طاخ!
“كل هذا بسببكِ! أنتِ هي المشكلة!”
ومضت جملتها في رأس ميا كالبرق.
“أنا… أنا مخطئة، يا سيدتي!”
كان هناك حماس غريب يضطرب في عيني السيدة الجاحظتين. بدا وكأنها نسيت أن هذا مجرد تمثيل. وفي الوقت نفسه، شعرت ميا بأن السيدة تركز كل كيانها عليها، وكأن ميا هي الوحيدة الموجودة في عالمها، مراقبةً كل نفس وكل حركة يد.
لم يسع ميا إلا أن تعجب بصدق، متناسية الموقف.
‘هل هذا هو التمثيل حقًا؟’
جثت على ركبتيها كما هو محدد في السيناريو وهي في حالة ذهول. ألصقت رأسها بالأرض، وبدأت تتوسل بكفيها.
“أنا مخطئة، يا سيدتي. كل الخطأ مني.”
“اختفي! اطلبي من أمامي فورًا!”
لم تكن القوة تسعف جسدها. نهضت ميا مترنحة وكأنها في حلم. ربما تكون قد تلقت ضربة خاطئة على رأسها.
كان عليها ركوب قارب لمغادرة المسرح؛ قارب صغير يرمز إلى نهاية الشخصية برحيل ‘ميا’ إلى الخارج.
وبأعجوبة، عثرت ميا على القاربين الصغيرين في المسرح الغريب عليها.
‘قيل لي أن أركب المتجه نحو الجنوب. المتجه جنوبًا على اليمين…’
بمجرد أن وطئت قدمها مؤخرة القارب، انبعث دخان أزرق كثيف من القاع، واهتزت المجاديف القائمة من تلقاء نفسها دون وجود أحد. أصدر القارب صوتًا معدنيًا، ثم سار على طول المسار لينقل ميا خلف المسرح، إلى المستودع تحت الأرض.
تسلل صوت غناء الدوقة من الخلف. وفي المستودع المظلم، كان على ميا التقاط أنفاسها بهدوء، مستعينة بذلك الغناء الحاد والبارع كمواساة لها.
‘بهذا… انتهى دوري؟’
حتى مع استرجاع السيناريو في ذهنها، لم تكن هناك مشاهد أخرى لميا. ورغم أنها لم تجد الآلة الميكانيكية المتسببة في الحوادث، إلا أن شعورًا بالراحة غمرها لمجرد إنهاء هذا العرض بسلام.
وفي اللحظة التي همت فيها ميا بالجلوس على الأرض…
أُغلق باب المستودع الذي كان يرسل شعاعًا من الضوء بقوة. ساد الظلام الدامس، ولكن سُمعت وقع خطوات تقترب من مكان ما. مرت الخطوات السريعة بميا، ثم اشتعلت شمعة فجأة.
كانت عينان بلون الذهب تحدقان فيها بحدة. إنه جيريميا، الذي رأته عند الظهيرة.
“هل فقدتِ عقلكِ؟”
التعليقات لهذا الفصل " 1"