الفصل 13
ارتجفت يداي في ذعر شديد.
إن كان ذاك الصبي هو إدوارد حقًا… أوه، لا، لا يمكن…
على الرغمِ من تحذيرِ أوليفيا الشديدِ بعدمِ سلوكِ الطريقِ الأيسرِ، إلا أنني لم أستطع كبحَ نفسي، فاندفعتُ نحو الزقاقِ الأيسرِ دون ترددٍ.
كانت حكاياتُ مزادِ العبيدِ تثيرُ الرعبَ في نفسي، لذا تواريتُ خلفَ حاويةِ نفاياتٍ في ذاك الزقاقِ الضيقِ القذرِ.
ألقيتُ نظرةً خاطفةً من خلفِ الحاويةِ، فأبصرتُ إدوارد وهو يقاومُ بعنفٍ.
“أوه!”
كتمتُ صرختي بيدي.
كان أولُ ما وقعَ عليه بصري وجهُهُ الذي ازدادَ نحولاً ومنظرُهُ الذي غدا رثًا وقذرًا.
كان إدوارد يبذلُ كلَّ ما في وسعهِ للإفلاتِ من قبضةِ الرجالِ الذين يحاولونَ تقييدَهُ.
‘إدي…!’
ماذا حدثَ حتى انتهى بهِ الأمرُ عبدًا معروضًا في المزادِ؟ لم أصدقْ عينيَّ.
أمي، أبي، ماذا عليَّ أن أفعل؟ شعرتُ بصدري يضيقُ حتى كادَ ينفجرُ.
“أنا من سكانِ سييرا، آغ!”
هوى رجلٌ ضخمُ الجثةِ، يُفترضُ أنهُ من تجارِ العبيدِ، بصفعةٍ قويةٍ على وجنةِ إدوارد، فترنحَ إدوارد وسقطَ أرضًا.
ولكنَّهُ، وكأنهُ لا يشعرُ بالألمِ، بصقَ الدماءَ الحمراءَ من فمهِ، ورمقَ الرجلَ الذي ضربهُ بنظراتٍ حادةٍ متقدةٍ.
“هيه، تملكُ روحًا متمردةً، هذا جيدٌ، ستباعُ بثمنٍ باهظٍ اليومَ، لذا كفَّ عن المقاومةِ.”
قال الرجلُ ذلك ثم ركلَ جسدَ إدوارد، فصدرت مني شهقةٌ دونَ وعيٍ.
لم يعدْ لأيِّ مهمةٍ أخرى وجودٌ في عقلي، فكلُّ ما كان يشغلني هو الرغبةُ في الاختباءِ والقرارُ الحازمُ بإنقاذِ إدوارد مهما كان الثمنُ.
“من هناك؟”
التفتَ الرجلُ نحوي بعدما سمعَ صوتَ أنفاسي، فاختبأتُ خلفَ حاويةِ النفاياتِ تمامًا.
لم يعلمونا في المدرسةِ كيف نتعاملُ مع تجارِ العبيدِ، ولم أكنْ في الأصلِ طالبةً موهوبةً أو مجتهدةً في دراستي.
‘أمي، أبي، أخبراني ماذا أفعل؟’
بعد رحيلِ والديَّ، غدا العالمُ الذي أواجهُهُ أكثرَ برودةً ورعبًا، لدرجةِ أنني تساءلتُ إن كان هذا هو المكانُ الذي عشتُ فيهِ دومًا.
لكن كلَّ ما مررتُ بهِ سابقًا لا يُقارنُ بهذهِ المعضلةِ، فأنا الآن أواجهُ تاجرَ عبيدٍ، وبخطأٍ واحدٍ قد ينتهي بي الأمرُ مباعةً مثلهُ.
‘ما العملُ، يا إلهي!’
لا يمكنني تجاهلُ إدوارد، يجبُ أن أنقذَهُ قبلَ أن يُباعَ ويُنقلَ إلى مكانٍ آخرَ.
‘كم قد يبلغُ ثمنُ عبدٍ واحدٍ؟’
رحتُ أحسبُ ما أملكُ من مالٍ، وفي تلك الأثناءِ سمعتُ وقعَ أقدامٍ خلفي مباشرةً.
كان نبضُ قلبي يتسارعُ بقوةٍ كأنهُ يقرعُ في أذني.
“أنتَ هناك، اخرج!”
انهمرت دموعي عند سماعِ صوتِ الرجلِ.
“من الأفضل لك الخروج حالًا.”
حذرني تاجرُ العبيدِ بصوتٍ أجشَّ، فارتجفت يدي التي كانت تكتمُ فمي.
“مهلاً يا جاك، لنذهب فقط، لا بدَّ أنَّهُ طفلٌ من الحيِّ، جاءَ بدافعِ الفضولِ ثم خافَ واختبأَ.”
“آه، ربما معك حقٌ، أيها الصغيرُ، ألم يعلمكَ الكبارُ أنَّ التجولَ اليومَ ليس فكرةً سديدةً؟ عدْ إلى منزلكَ حالاً.”
سمعتُ وقعَ أقدامِ تجارِ العبيدِ وهم يبتعدونَ، وتخللت ذلك أصواتُ مقاومةِ إدوارد المكتومةِ، وهي أصواتٌ كانت تمزقُ أحشائي وتعتصرُ قلبي.
نهضتُ فجأةً وناديتُ أولئك الذين كانوا يهمونَ بدخولِ المبنى.
“ا-انتظروا قليلاً!”
أستطيعُ القولَ بكلِّ ثقةٍ أنَّ هذهِ كانت أكثرَ اللحظاتِ رعباً في حياتي طوالَ سنواتي الأربعَ عشرةَ، لدرجةِ أنني خفتُ أن يقفزَ قلبي من صدري، واضطررتُ لشدِّ أعصابي بكلِّ قوتي لأنَّ جسدي كادَ ينهارُ.
“أوه؟ إنها فتاةٌ.”
كنتُ أموتُ رعباً من فكرةِ أن أُباعَ أنا أيضًا، وأردتُ أن أجهشَ بالبكاءِ، لكنَّهُ إدي، أخي الصغيرُ إدوارد هيرينغتون.
رغمَ طبعِهِ الحادِ وقلةِ كلامهِ التي تجعلني لا أعرفُ ما يدورُ في خلدهِ، إلا أنَّهُ أخي الذي يبتسمُ لي بهدوءٍ حين أداعبهُ.
“ذا-ذاك الصبي… بكم ثمنُهُ؟”
قبضتُ على يديَّ بقوةٍ حتى انغرست أظافري في جلدي.
رأيتُ وجهَ إدوارد المذعورَ لظهوري، وكانت تلك أوضحَ تعابيرَ رأيتُها على وجههِ طوالَ حياتي.
ابتسمتُ لهُ ابتسامةً باهتةً لأطمئنَهُ، فأطبقَ إدوارد شفتيهِ بعدما كادَ ينطقُ باسمي.
“ماذا؟ كم ثمنُهُ؟”
“نعم، كم ثمنُهُ؟ سأدفعُ لكم، أنا سأشتريهِ، فقط أخبروني بالمبلغِ.”
تفحصَ تاجرُ العبيدِ هيئتي، ولحسنِ الحظِ كنتُ أرتدي ثيابًا اشتريتُها قبلَ انهيارِ عائلتي.
كانت ثيابي من الحريرِ الفاخرِ، وحذائي مصنوعاً من جلدٍ باهظِ الثمنِ.
ربما بسببِ مظهري الذي يوحي بالثراءِ، عدلَ التاجرُ من وقفتهِ وابتسمَ بساخريةٍ.
“يا آنسةُ، كم تملكينَ من المالِ؟”
“قلتُ لكَ أخبرني بالثمنِ فحسبُ.”
في الحقيقةِ كان هذا مجردَ تظاهرٍ، فكلُّ ما أملكُهُ هو خمسةَ عشرَ مليونَ بيرك في البنكِ، لكنني لا أستطيعُ تركَ إدوارد يذهبُ إلى المزادِ.
في إمبراطوريةِ كيرزين، لا يُعاملُ العبيدُ كبشرٍ أبداً، بل كقطيعٍ من الماشيةِ، ولو كان في دارِ أيتامٍ أخرى لتمكنتُ من رؤيتهِ، أما العبوديةُ فتعني الموتَ، لذا لا يمكنني السماحُ بذلك.
“عشرةُ ملايينِ بيرك.”
لم أكن أعلمُ بأسعارِ العبيدِ، لكنني افترضتُ أنها لن تتجاوزَ خمسةَ عشرَ مليوناً، فالسيّدةُ ميلر كانت تبرقُ عيناها جشعاً لثلاثةِ ملايينِ بيرك.
“أهذا يكفي؟”
“عشرةُ ملايين؟ ها!”
“أحدَ عشرَ مليونًا؟”
“خمسةَ عشرَ مليونَ بيرك.”
“…حسنًا.”
أومأتُ برأسي دون ترددٍ، وشعرتُ براحةٍ جعلت قلبي يخفقُ بشدةٍ.
بما أنني أملكُ خمسةَ عشرَ مليونًا بالضبطِ، سأدفعها وأشتري إدوارد ونعودُ معًا إلى دارِ الأيتامِ.
في تلك اللحظةِ دعوت شاكرةً أنَّ المبلغَ توقفَ عندَ هذا الحدِ.
“لا تعرضوهُ في المزادِ، سأذهبُ إلى سكني وأحضرُ المالَ فورًا.”
“هذا صعبٌ، عليكِ دفعُ عربونٍ أولاً.”
“آه….”
لم أكن أملكُ بيركًا واحدًا في تلك اللحظةِ، وخفتُ إن أظهرتُ فقري أن يبيعوا إدوارد، فكذبتُ قائلةً:
“اسمي مونيكا شميت، أنا ابنةُ الكونتِ شميت من الأطرافِ البعيدةِ، وبسببِ صغرِ سني لا أحملُ الكثيرَ من النقودِ، لكنني أحملُ رسالةً مهمةً من والدي إلى دوقِ ألزنبيرغ.”
أخرجتُ ظرفَ الرسالةِ من جيبي وهززتُهُ أمامهم، وهي الرسالةُ التي طلبت مني السيّدةُ ميلر إيصالها.
كانت الرسالةُ مغلقةً بغراءٍ بسيطٍ وتخلو من الأختامِ، لكنني جازفتُ بكلِّ شيءٍ.
“والدوقُ هو عرابي، وهو يحبني كثيرًا، لذا فهذهِ الرسالةُ سريةٌ ومهمةٌ جدًا، هل تكفي كضمانٍ؟”
بدا الرجل المدعو بـ جاك مترددًا قليلاً، لكنَّهُ سرعانَ ما أظهرَ أسنانَهُ الصفراءَ وأومأَ برأسهِ.
“حسناً، يا آنسة مونيكا.”
كان واضحاً أنهُ يستخفُّ بي لصغرِ سني، ومع ذلك مدَّ يدهُ بأدبٍ مصطنعٍ.
سلمتُهُ الرسالةَ وكانت يدي تتصببُ عرقاً مما جعلَ الظرفَ رطباً، فخشيتُ أن ينكشفَ أمري.
التقت نظراتي بنظراتِ إدوارد الذي كان وجهُهُ متصلباً، ولا أزالُ لا أعلمُ ما يدورُ في عقلهِ.
“انتظروا، سأحضرُ الخمسةَ عشرَ مليونَ بيرك حالاً.”
استدرتُ ومشيتُ مبتعدةً، ورغمَ رغبتي في الركضِ، إلا أنني خشيتُ أن يكتشفوا كذبتي إن فعلتُ.
ما إن غبتُ عن أنظارهم حتى ركضتُ كالمجنونةِ، شعرتُ أنَّ أنفاسي تنقطعُ وقلبي سيتوقفُ، لكنَّ فكرةَ العودةِ إلى دارِ الأيتامِ كانت تملأُ عقلي.
تحركت قدماي كآلةٍ، مدفوعةً باليأسِ لأنها الفرصةُ الأولى والأخيرةُ لإنقاذِ إدوارد.
“هاهـ…، هاهـ…”
“أختي؟”
“أختي؟”
اقتربَ مني دانيال وليو وعيونهما متسعةٌ من الدهشةِ، كانت ثيابهما مغطاةً بالترابِ من اللعبِ، لكنني لم أملكْ وقتاً لتوبيخهما.
دخلتُ الدارَ بجرِّ قدميَّ المرتجفتينِ، فذعرت السيّدةُ ميلر حين رأتني.
“أنتِ، أنتِ…! كيف…!”
تجاهلتُها واندفعتُ إلى غرفتي، ثم نبشتُ حقيبتي وأخرجتُ شهادةَ الإيداعِ التي خبأتُها داخلَ جواربي.
“هاهـ، هاهـ، هاهـ.”
كادَ نفسي ينقطعُ، ونظرتُ إلى الوقتِ خائفةً من أن أكونَ قد تأخرتُ، وشعرتُ بصدري يتمزقُ من الألمِ.
“ما هذا؟”
حاولت السيّدةُ ميلر خطفَ الشهادةِ مني وعيناها تلمعانِ، فصرختُ بها بصوتٍ حادٍ:
“لا تلمسيها! إن فعلتِ فلن أرحمَكِ!”
رمقتُها بنظرةٍ وحشيةٍ وأنا ألهثُ، فهذا المالُ لا يمكنني خسارتُهُ أبداً، وإن أخذتهُ فقد أفعلُ شيئاً لا يُحمدُ عقباهُ.
“ماذا هناك؟ أهو مالٌ؟ أيتها الماكرةُ! كان لديكِ المزيدُ!”
حاولت شدَّ الشهادةِ من يدي، لكنها لم تنجحْ لأنني كنتُ أقبضُ عليها بكلِّ قوتي.
“لا تطمعي فيهِ! إن أخذتِ هذا أيضًا، فسأقتلكِ! لذا اتركي يدكِ!”
تراجعت السيّدةُ ميلر للوراءِ من هولِ صدمتها من شراستي، وبدا دانيال الذي تبعني مذهولاً.
“أختي، ماذا يحدثُ…!”
“سأشرحُ لكَ… هاه… حين أعودُ.”
مسحتُ على رأسِ دانيال على عجلةٍ، ودفعتُ ليو جانباً، ثم انطلقتُ أركضُ مرةً أخرى بكلِّ ما أوتيتُ من قوةٍ.
آه، أشعرُ أنني سأموثُ، قلبي يكادُ ينفجرُ ورئتاي تتمزقانِ، لدرجةِ أنني ظننتُ أنني قد أسقطُ جثةً هامدةً في الطريقِ.
“هاهـ، هاهـ..”
شعرتُ بالغثيانِ من شدةِ التعبِ، هل إدوارد بخيرٍ؟
وصلتُ إلى الزقاقِ والأفكارُ تتخبطُ في رأسي، وكنتُ أرغبُ فقط في الاستلقاءِ على الأرضِ.
‘أين هم؟ أين ذهبوا؟’
رحتُ أتلفتُ يميناً ويساراً بحثاً عن تاجرِ العبيدِ، فلقد نسيتُ ببلادةٍ أن أسألَ عن موقعِ المزادِ.
وبينما كنتُ ألومُ نفسي وأشعرُ بالرعبِ، فُتحَ بابُ مبنى قريبٍ وخرجَ منهُ جاك وهو يضعُ سيجارةً في فمهِ.
‘يا إلهي، شكراً لكَ.’
“هذهِ شهادةُ إيداعٍ بقيمةِ خمسةَ عشرَ مليونَ بيرك، إدوارد… ذاك العبدُ قبلَ قليلٍ، بعهُ لي.”
مددتُ لهُ الشهادةَ، فأخذها التاجرُ بفظاظةٍ وتفحصها، وبرقَ الجشعُ في عينيهِ حين رأى المبلغَ.
بدت أسنانُهُ الصفراءُ المتعفنةُ من خلفِ شفتيهِ وهو يضحكُ ضحكةً وحشيةً.
“لقد غيرتُ رأيي، أريدُ عشرينَ مليونَ بيرك.”
ترجمة: ميل
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"