الفصل 44 : حفلة رأس السنة ³
خلافًا لليتيسيا التي حاولت التصرّف بهدوء، بدا إيمريك غير متأثّرٍ على الإطلاق رغم نظرات الجميع التي كانت موجّهةً نحوه.
تفقّد محيطه بخفة كما لو كان يتحقّق مِن حالة المحاصيل في الحقول، ثم قال:
“شكرًا لكم جميعًا على تلبية الدعوة. سيداتي الجميلات، وسادتي الوجيهون—آه، هل يبدو قولي هذا نفاقًا؟ على أيِّ حال، بفضل حضوركم المتألق أصبح هذا المكان مشرقًا ومتوهجًا.”
براعة لسانه لم تختفِ حتّى في التصريحات الرسميّة.
المثير للاهتمام أنَّ الحاضرين لم يُظهروا أيَّ امتعاض مِن كلامه، بل بدا عليهم الرضا، ما يدلّ على أنَّ أوساط النبلاء الحاضرين ينظرون إلى إيمريك بنظرةٍ إيجابيّة، وأنّه يمارس تأثيره الكامل كـ سيّد على الغرب.
“لا أفهم لِمَ يجب علينا دائمًا دخول قاعة الحفل على هيئة ثنائيّ، لكن على كلّ حال، حظيتُ بشرف أنْ أكون شريكًا لآنسةٍ جميلة بفضل هذا التقليد. وإنْ أردتُم تلميحًا عنها، فهي المساعدة الجديدة التي اخترتُها بنفسي، وتُدعى ‘ليتيسيا لوبيز’، اسمٌ جميل، أليس كذلك؟”
حين قدّمها إيمريك بنفسه وكأنّه يُعلن عن قربه منها، احمرّ وجه ليتيسيا مِن الدهشة.
ورغم ارتباكها، شعرت بالارتياح لأنّه قدّمها بنفسه، مِمّا يعني أنّها بعد انتهاء الرقصة الأولى لَن تتلقّى اهتمامًا مزعجًا مِن الحاضرين.
“لَن أطيل الحديث. أتمنى أنْ تنعم عائلات الحاضرين والمنطقة الغربية كلّها بمزيد مِن الازدهار هَذا العام.”
اقترب أحد الخدم مِن إيمريك وليتيسيا، وقدّم لهما كأسين مِن الشامبانيا.
“مِن أجل غدٍ مزدهر!”
“مِن أجل الازدهار!”
حين رفع إيمريك كأسه وهتف، تبعه باقي النبلاء برفع كؤوسهم وترديد الهتاف.
بعد أن تذوّقتُ رشفةً من الشامبانيا كما فعل إيمريك، تبعت ليتيسيا يده وتوجّهت إلى منتصف قاعة الحفل تحت أنظار الجميع.
بدأت الموسيقى تعزف لحنًا بات مألوفًا لديها بسبب تدريبات الرقص.
رغم توتّرها الذي جعل عقلها يخلو مِن أيِّ تفكير، تحرّك جسدها بشكلٍ آلي على الإيقاع بفضل تكرار التمارين.
قادها إيمريك برقّة وسلاسة، يُحرّك جسدها بلطافة ويديرها كما وعد.
مرّت دقيقة كانت كالثانية لإيمريك، وكأنّها ساعةٌ كاملة لليتيسيا، وانتهت رقصة الافتتاح بدوّن أيِّ خطأٍ يُذكر.
تراجعت ليتيسيا مِن وسط القاعة وهي تلهث قليلاً، وأخذت مِن إيمريك كوبًا مِن الماء الفاتر، محاوِلةً تهدئة نبضات قلبها.
“هل… هل ارتكبتُ أيَّ خطأ؟”
“لا، بل أدّيتِ أفضل مِن التمارين. على ما يبدو، أنتِ مِن النوع الذي يتألق في اللحظات الحاسمة.”
“هَذا جيد…”
بعد أنْ التقطت أنفاسها، بدأت ترى مجريات الحفل بشكلٍ أوضح.
كان النبلاء الشباب يتدافعون إلى الساحة للرقص بحماسة، بينما ظلّ النبلاء الأكبر سنًّا يتبادلون الأحاديث ويرمقونهم بنظراتٍ متقطّعة.
كان مِن الطبيعي أن ينتظر هؤلاء النبلاء فرصة للحديث مع سيّد الغرب وتحقيق الغرض مِن حضورهم.
“سموّك، مِن الأفضل أن تذهب إليهم الآن. يبدو أنَّ الجميع ينتظرونك بفارغ الصبر.”
“كيف لي أنْ أترك شريكتي الجميلة وأذهب؟ إن أرادوا الحديث معي بشدّة، فليتفضّلوا هم بالمجيء إليّ.”
ردّ إيمريك بنبرةٍ هادئة تمامًا.
“إنّهم لا يقتربون لأنّي واقفةٌ إلى جوارك. يعتقدون أنّكَ ما زلتَ تقضي وقتًا شخصيًّا.”
قالت ليتيسيا ذَلك بصوتٍ منخفض معترضة.
“أجيبيني، عزيزتي. هل وظيفة المساعد هي دعم الدوق؟”
“نـ… نعم؟”
“إذًا، أليس مِن الطبيعي أن ترافقيني في لقاءاتي مع نبلاء الغرب؟ عليكِ أنْ تدعميني جيّدًا.”
‘كلامُه… منطقيٌ فعلًا؟’
‘بما أنّه قدّمني بصفتي مساعدة، فلَن يظنّ أحدٌ أنّني أتطفّل على وقته الشخصيّ.’
يبدو أنَّ الجميع يراقب ليرى مَن سيجرؤ على التقدّم أوّلًا للترحيب بالدوق.
“راقبي النبلاء الذين سيتقدّمون نحونا، يا عزيزتي.”
“ماذا؟”
“هَذا نوع مِن التعلّم. سيفيدكِ لاحقًا حين تتولّين المهام الإدارية.”
مِن الطبيعي أنْ لا يكتفي النبلاء بتحيّةٍ بسيطة. ففي تلك الكلمات القليلة، يُمكنهم استقاء الكثير مِن المعلومات واستكشاف العلاقات.
وكان إيمريك يريدُ منها أن تحتفظ بتلك الانطباعات في ذهنها.
“نعم، سموّك!”
أجابت ليتيسيا بحماسٍ، وقد فهمت حرصه على إكسابها الخبرة.
وسرعان ما اقترب منهم رجل.
كان هو سيّد عائلة باسين، وهي عائلةٌ تملك نفوذًا عسكريًّا تُضاهي عائلة ميندل. غير أنَّ دوق ميندل يُشبه دبًا صادقًا، بينما دوق باسين كالثعلبٍ الماكر.
“أحيّي سموّ الدوق الجليل. هل كنتَ بخير؟”
“بالطبع، إنّني أستمتع بوقتي أكثر مِن أيِّ وقتٍ مضى.”
ردّ إيمريك وهو يُرفع كتفيه بابتسامة وهو ينظر حوله.
تفاجأ دوق باسين حين رأى ليتيسيا لا تغادر رغم تقديمه التحيّة للدوق، فحوّل نظره نحوها وقال:
“يبدو أنّكِ تحظين بثقةٍ كبيرة مِن سموّه. أنا لوك باسين، المسؤول عن قلعة فيليغن.”
فوجئت ليتيسيا بعض الشيء إذ لم تتوقّع أنْ يُعرّف بنفسه، لكنها حافظت على هدوئها.
فهي تملكُ خبرةً في التعامل مع النبلاء منذ أنْ كانت زوجة ماركيز.
“أنا ليتيسيا لوبيز، أعمل مساعدةً لسموّه. إنّه لشرفٌ كبير أنْ ألتقي بحارس المنطقة الغرب.”
كانت قد حفظت مُسبقًا أسماء النبلاء الحاضرين وخصائص أراضيهم، ولولا ذَلك لما علمت بأهمية قلعة فيليغن.
‘مِن طريقته في تقديم نفسه، يبدو أنّه فخورٌ جدًّا بدوره. ربّما يُحبّ أن يُقدّر الناس عمله أيضًا.’
“يسرّني أنْ أرى مَن يثق بهم سموّه يتعاملون بهَذهِ اللباقة. إن كانت هَذهِ هو البداية، فأظنّ أنَّ هذا العام سيكون مليئًا بالأفراح.”
كان دوق باسين بمثابة مقياس اختبار.
وحين أبدى إيمريك رضا عن سلوك الدوق، بدأ باقي النبلاء بالتحرّك.
فاضطرّت ليتيسيا إلى تحيّة عددٍ كبير مِن النبلاء والتحدّث إليهم إلى جانب إيمريك.
***
كان جيرارد يُراقب من بعيد.
طالما أنَّ إيمريك ظاهرٌ في عينيه، لا يُمكنه أن يرتاح.
‘هاه، الآن فهمت لماذا تغاضى عن تهوّر دييغو بتلك السهولة. كان يخطّط لكلّ هذا.’
‘لا بدّ أنّه أقنعها بأنّها كمساعدة يجب أنْ تُرافقه وتكتسب الخبرة. كلامٌ يبدو عقلانيًّا جدًّا.’
ورغم أنَّ ليتيسيا تتعامل بلطف مع الجميع، فهي لا تفتح قلبها بسهولة. حذرها مِن الناس كان واضحًا.
لكنّها تثق بإيمريك لدرجة أنّها قد تُصدّقه لو أشار إلى حمارٍ وقال إنّهُ حصان.
‘إذا كانت في داخلها رغبة، حتّى لو لاشعوريًّا، في أن تُصبح دوقة مستقبلًا، فهَذا أفضل.’
كان مِن المحتم أنَّ إيمريك سيجعلُ منها دوقةً في النهاية.
فإحضارها إلى هَذهِ الحفلة كشريكتهِ لم يكُن أمرًا عاديًّا، بل إعلانًا ضمنيًّا أمام نبلاء الغرب.
أنَّ هذه المرأة ستكون يومًا ما، سيدة قصر غارسيا، وسيدة الغرب.
“يا إلهي، هل هَذهِ هي تلك المرأة…؟”
“حين سُميت بسندريلا العاصمة، ظننتُ أنّها أجمل بكثير، لكن… لديها سحرٌ خاصّ.”
“سمعتُ أنّها أول مَن أقامت في جناح النوم الرئيسي منذُ اعتلاء الدوق الجديد لمنصبه، أليس كذلك؟”
رغم أنَّ جيرارد وفريق المعلومات حاولوا كتم الشائعات، إلا أنَّ الكلام السيّئ ينتشر كالنار في الهشيم.
فالناس في الغرب، مثلهم مثل الآخرين، لديهم عيونٌ وآذان.
وقد وصلت إلى النبلاء معلوماتٌ مِن العاصمة عن ليتيسيا.
أنّها تنتمي إلى عائلةٍ متواضعة بالكاد تختلف عن العوام.
وأنّها أصبحت زوجة الماركيز بالحظ، ثمّ طُردت بعد أنْ سمّمت عشيقة زوجها بدافع الغيرة.
لذا، حتى وإن سمع نبلاء الغرب مِن العاملين في القصر أنَّ إيمريك يهتمُّ بها كثيرًا، لم يأخذوا الأمر بجدية.
ولكن في هذا الحفل، ما أظهره إيمريك تجاهها لم يكُن مجرّد اهتمام.
كان حبًا حقيقيًّا، يُقطر مِن عينيه.
‘انتهى الأمر.’
‘هَذا النوع مِن الرجال… لا يُمكن لأحد أنْ يردعه.’
وفوق ذَلك، إيمريك ليس مِن أولئك الذين يُغيّرون رأيهم لمُجرد تحذير.
فأدرك نبلاء الغرب سريعًا مجرى الأمور، وبدأوا بتغيير موقفهم.
قد لا يعرفونه منذ فترةٍ طويلة، لكنّ ما أظهره مِن قوّة وصرامة حين استولى على قصر غارسيا ترك فيهم رهبةً لا تُنسى.
كما أنَّ ارتباط البرج الأحمر بهِ يزيدُ مِن رهبتهم، فهم يجهلون تفاصيل العلاقة لكنّها تبدو متينة.
فَمِن أجل حماية أسرهم، لم يكُن أمامهم سوى طأطأة الرأس والخضوع.
《 الفصول متقدمة على قناة التيلجرام المثبتة في التعليقات 》
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
حسابي ✿
《واتباد: cynfti 》《انستا: fofolata1 》
التعليقات لهذا الفصل " 44"