“أرجوكِ تأثّري حتى البكاء بفضل هَذا الجميل الذي أُقدّمهُ لكِ، حيث فكرت في كل هَذهِ الموقف.”
كانت قد شعرت بذَلك قليلًا عندما التقيا في حفلة النصر قبل عام.
“أنتَ وقِح، يا إيمريك. كنتَ غريبًا مِن قبل، لكنكَ أصبحتَ أغرب مِما كنت عليه.”
“هاه، لا حيلة لي. الإنسان يتغيّر عندما يتعرض للكثير مِن الضغوط. لذا، عزيزتي ليتيسيا، استعِيدي لياقتكِ بسرعةٍ وعودي إلى الخطوط الأمامية لتُنجزي الأعمال الورقية بسرعة.”
“ماذا؟ أستعيدُ لياقتي؟”
“على كُل حال، لنكمل الحديث على مائدة العشاء. ألم يجعلكِ هَذا البكاء تشعرين بالجوع؟”
“آه…”
كانت عقارب الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً منذُ وقتٍ ما. يا ترى، إلى متى تأخر موعد العشاء؟
أومأت ليتيسيا برأسها وبدأت تُرتّب ملابسها المُبعثرة. وجفّف إيمريك ملابسه المُبتلّة مِن دموعها باستخدام سحر التجفيف، ثم سحب حبلاً خفيفًا لاستدعاء الخادمة.
“يمكن تقديم الطعام الآن. لا داعي لإحضاره حسب الترتيب، فقط أحضروه دفعةً واحدة، سأضع عليه سحر الحفظ.”
“مفهوم، سأذهب إلى المطبخ فورًا، الرجاء الانتظار قليلًا.”
“ألَمْ يشرح لكِ جيرارد؟ مساعد دوق لا يكفي أنْ يكون ذكيًّا، بل يجب أنْ يتمتّع باللياقةٍ البدنية أيضًا.”
لأننا نبحث عن أشخاصٍ يجمعون بين الفكر والقوة.
“لا شكّ في أنْ عقلكِ لا يزال حادًّا، لكن مِما أراه، لياقتُكِ في الحضيض. سأمنحكِ شهرًا فقط.”
“شهرًا؟”
“بعد شهر، يجب أنْ تصعدي إلى قمة الجبل خلف قصر الدوق وتعودي في غضون ست ساعات.”
قال إيمريك ذَلك بابتسامةٍ لطيفة وهو يتفوّه بكلماتٍ قاسية.
بهَذهِ اللياقة، مُجرد المشي على أرضٍ مستوية يتعبها، فكيف بالتسلّق!
“ويكون ذَلك ذهابًا وإيابًا!”
تساءلت ليتيسيا في نفسها إنْ كانت قد سمعت بشكلٍ صحيح.
“للمعلومة، المساعدون الذكور يُتوقَّع منهم العودة خلال أربع ساعات. أليست لمسة الاعتبار التي أُبديها، أنا، كرجل، مؤثّرةً حتى البكاء؟”
لا.
كادت هَذهِ الكلمة أنْ تخرج مِن فم ليتيسيا بصوتٍ حازم، لكنها بالكاد كتمتها.
“…وماذا لو لَمْ أُحقّق شرط اللياقة بعد شهر؟”
“لا بأس. كما قلتُ سابقًا، ما هو لي هو لكِ، وما هو لكِ هو لي. يمكنكِ أنْ تبقي هُنا ضيفةٍ عزيزة على قصر الدوق وتعيشي براحة.”
لا، لَمْ يكُن كبرياء ليتيسيا ليسمح بذَلك! شعرت وكأنها وقعت في فخٍ لا مفر منه، حيثُ لَمْ يعُد بإمكانها سوى السير كما يريد هو.
“وماذا لو نجحتُ في اختبار اللياقة، لكن لَمْ تُعجبني شروطكَ فغيّرتُ رأيي؟”
رُبما لاحظ إيمريك أنْ في صوتها نبرة غضبٍ خافتة، فقهقه ضاحكًا وهو يجيب.
“سأطلبُ مِن ماريانا أو مييل أنْ يُحضِرا العقد بعد العشاء. خذي وقتكِ في قراءته، ولتكُن حافزًا لكِ للتسلق. حظًا طيبًا!”
بما أنه واثق إلى هذا الحد، فلا بد أنْ الشروط ممتازة.
‘هاه، يا للحياة…’
كل ما كانت تريده هو أنْ تعمل. ولكن لكي تعمل، عليها أنْ تجتاز اختبار اللياقة.
‘مَن كان يتوقّع أنْ اللياقة هي ما يُحدد توظيف المساعدين!’
رغم انزعاجها، لَمْ تفقد شهيتها.
بل على العكس، شعرت بأنَّ الطعام اليوم هو الألذ منذُ أشهر، إمّا لأن جسدها المُنهك مِن كثرة البكاء كان بحاجةٍ ماسّة للطاقة، أو لأن طهاة القصر ماهرون إلى درجة خارقة.
‘إنْ تم قبولي، فعلى الأقل لَن أُعاني مِن نقص الطعام في هَذهِ الأرض.’
“هممم، هل تظنين أنْ شهرًا كافٍ لتقوية لياقتكِ؟ ما رأيكِ أنْ أُظهر كرمي وأمنحكِ شهرين؟”
“لا، شهرٌ واحد يكفي تمامًا!”
وبينما كانت تتجادل مع إيمريك في حوارٍ عديم الجدوى، وجدت نفسها تأكل أكثر مِن المعتاد. ورغم ذَلك، ما أكلته اليوم لا يُقارن بكمية طعامها حين كانت بصحةٍ جيدة قبل عام، إذ بالكاد بلغ ثلثي الكمية.
“إنْ صعدتِ لتنامي مُباشرةً بعد هَذا، فلَن تتحوّل السعرات الحرارية إلى طاقة، بل إلى دهون. فلنتمشَّ قليلًا.”
قال إيمريك ذَلك بنبرةٍ ماكرة وهو يُلقي على كتفيها شالًا سميكًا أحضره باستخدام سحر الاستدعاء.
“أليس مِن المفترض أنْ يُعيد الرجل النبيل الآنسة المُرهقة مِن البكاء إلى غرفتها بلطف؟”
قالت ليتيسيا ذَلك بتذمّر، رغم أنها لَمْ تكُن تنوي النوم مُباشرةً. شعرت بانزعاجٍ غامض لأنها كانت تُظهر له جوانبها المُحرجة باستمرار بينما هو يبدو مرتاحًا ومتزنًا.
التعليقات لهذا الفصل " 19"