13. روتينٌ مملّ
في اليومِ التالي، جلست آناستا كعادتِها إلى مكتبِها تكتبُ رسالةً لأختِها، وقرأت قليلًا في كتابِ اللاهوتِ.
بعد ذلك، رتّبت الغرفةَ وجلست أمامَ لوحةِ الشطرنجِ التي أهداها إيّاها رايان، وبدأت تقرأُ وتتعلّمُ القواعدَ.
كانت نظراتُها تنتقلُ باستمرارٍ نحو لوحةِ الشطرنجِ.
لقد كانت أوّلَ هديّةٍ تتلقّاها.
سطحُ الخشبِ الأملسُ المصقولُ والمربّعاتُ اللامعةُ؛ كان من الواضحِ أنّ حرفيًّا قد بذلَ فيها جُهدَه.
وبينما كانت تقرأُ الكتابَ وتختلسُ النّظرَ إليها بين الحينِ والآخرِ، كانت الساعةُ قد بلغت العاشرةَ.
على الرّغمِ من أنّ نوافذ الغرفة كانت مفتوحة، إلا أنّ آناستا شعرت ببعضِ الضّيقِ.
فكّرت في أنّها لم تخرج من الجناحِ الفرعيِّ منذُ وصولِها إلى قصرِ سولتير.
وعلى الرّغمِ من أنّ ساقَها لا تُعينُها على المشيِ دون عكّازٍ، إلا أنّها أرادت التحرّكَ أكثرَ.
“هل يمكنُني الخروجُ قليلًا؟”
اقتربت آناستا من الخادمةِ الواقفةِ خلفَ البابِ وسألتها.
“إلى أين ستذهبينَ؟”
“أريدُ التنزّهَ. لقد سمعتُ أنّه يُسمحُ لي بالتنزّهِ في الحديقةِ الأماميّةِ.”
“سأستأذنُ رئيسةَ الخادماتِ.”
بعد دقائقَ قليلةٍ، عادت الخادمةُ وأخبرتها بالموافقةِ.
“هل أجهّزُ لكِ كرسيًّا متحرّكًا؟”
“يمكنُني الذهابُ بالعُكّازِ. سأمشي لفترةٍ قصيرةٍ فقط.”
“سأساعدُكِ في ارتداءِ معطفِكِ.”
بمساعدةِ الخادمةِ، قامت آناستا ببعضِ التّزيينِ وارتدت معطفَها، ثمّ خرجت.
وكما توقّعت، تَبِعتها خادمتانِ.
وعلى الرّغمِ من أنّ الذريعةَ كانت خدمتَها، إلا أنّ الحقيقةَ كانت مراقبتَها خشيةَ هروبِها.
لم تكن لدى آناستا أدنى نيّةٍ للهروبِ، لذا لم تهتمّ بالخادمتينِ التابعتينِ لها.
انتقلت إلى الحديقةِ الموجودةِ أمامَ الجناحِ الفرعيِّ وهي تستقبلُ نسماتِ الرّيحِ الباردةِ كالشّفرةِ.
“…… هناك دفيئةٌ زجاجيّةٌ هناك.”
بينما كانت آناستا تتأمّلُ زهورَ الشّتاءِ، لمحت هيكلًا قُبّيًا يلوحُ من بعيدٍ.
“نعم، يمكنُكِ تفقُّدُها.”
“أريدُ الذهابَ إلى هناك.”
تحرّكت بصعوبةٍ مستخدمةً عكّازَها.
كانت الدفيئةُ الزجاجيّةُ من الداخلِ ذاتَ حجمٍ مناسبٍ.
كانت تضمُّ زهورًا وأشجارًا، وكانت الفراشات التي اكتشفت هذا المكانَ الرّائعَ أوّلًا تحومُ في أرجائِه.
تعجّبت آناستا من اختفاءِ بخارِ أنفاسِها، ثمّ سرعانَ ما نقلت نظراتِها إلى الزهورِ.
وقعت عيناها على زهورٍ جميلةٍ لا يمكنُ رؤيتُها في الشّتاءِ.
ابتسمت برقةٍ وراحت تلمسُ الزهورَ، وتتحسّسُ التربةَ، وتمسحُ على جذوعِ الأشجارِ.
رائحةٌ طيّبةٌ، ومنظرٌ رائعٌ. لقد أحبّت هذا المكانَ.
لمحت مقعدًا في المنتصفِ، فجلست عليه وفتحت كتابَ الشطرنجِ الذي أحضرته معها.
“سأقرأُ الكتابَ هنا قليلًا.”
“كما تشائينَ يا آنسةُ.”
أبقت آناستا نظراتِها على الكتابِ بابتسامةٍ هادئةٍ.
وبمجرّدِ أن بدأت بالتركيزِ، لم تفارق عيناها الكلماتِ.
كانت تقلبُ صفحاتِ الكتابِ بتركيزٍ، وكانت حركاتُ يدِها وتعبيراتُ وجهِها جادّةً للغايةِ.
لدرجةِ أنّها لم تلاحظ حتّى أنّ هناك مَن يراقبُها.
* * *
منذُ وصولِه إلى القصرِ وإقامتِه في المبنى الرئيسيِّ، عاشَ ديوران حياةً يملؤُها السأمُ.
كان يقضي يومَه في النّومِ والأكلِ، واللّعبِ مع الخادماتِ، ثمّ الجلوسِ على حافّةِ النافذةِ ويدندنُ ببعضِ الأغاني.
لقد كان روتينًا مملًّا، لكن بما أنّه كان مشغولًا طوالَ الفترةِ الماضيةِ، فقد رأى ديوران أنّ هذا الفراغَ ليس سيّئًا.
لكن بعد مرورِ يومينِ، تغيّر رأيُه.
فقد كان قصرُ سولتير هادئًا ومملًّا بشكلٍ مفرطٍ.
وحين أراد الذهابَ إلى العاصمةِ للتنزّهِ مع أصدقائِه، وجدَ الجميعَ مشغولينَ بإدارةِ شؤونِ عائلاتِهم بعد التخرجِ.
ولأنّه لم يجد مكانًا يذهبُ إليه، قرّر ديوران إغواءَ إحدى الخادماتِ التي كانت تراقبُه.
“سـ-سيّد ديوران.”
كانت امرأةً خجولةً للغايةِ. أغواها ديوران بجمالِ وجهِه على الفورِ، وقبّل وجنتَها.
“أنا- أنا سعيدةٌ جدًّا.”
‘سهلةٌ للغاية.’ ابتسم ديوران قليلًا.
“حقًّا؟”
“نعم. أنتَ يا سيّدي جميلٌ حقًّا. في الحقيقةِ، كان تقبيلُكَ حلمًا بالنسبةِ لي.”
“مباركٌ لكِ. لقد حقّقتِ حلمَكِ إذن.”
“أريدُ، أريدُ المزيدَ من القُبُلاتِ…….”
“إذن، هل نذهبُ إلى الدفيئةِ؟ إنّها مكانٌ صغيرٌ وقديمٌ، لذا فهي هادئةٌ.”
سأمنحُها هناك قبلةً عميقةً، وأهمسُ لها بكلماتٍ معسولةٍ وأُغويها.
وبعد بضعةِ أيامٍ، ستستسلمُ لي تمامًا وتمنحُني كلَّ شيءٍ.
وعندها لن أشعرَ بالمللِ لبضعةِ أيامٍ. وعندما انتقلَ ديوران إلى الدفيئةِ بهذا المخطّطِ، ارتبكَ لوجودِ حركةٍ هناك.
“هناك أحدٌ بالداخلِ؟”
في هذه الدفيئةِ الباليةِ.
ظنّ في البدايةِ أنّه البستانيُّ، لكنّه لم يكن هو.
كانت امرأةً شقراءَ تجلسُ على المقعدِ وتقرأُ كتابًا بهدوءٍ.
ذُهِلَ ديوران من مظهرِها وهي تنظرُ في الكتابِ باستقامةٍ دون أن تباليَ بالنّسماتِ التي تداعبُها.
كانت المرأةُ جميلةً جدًّا وتلفتُ الأنظارَ.
وكأنّها الزهرةُ المميّزةُ في هذا المكانِ؛ لونٌ نبتَ بنُبلٍ أكثرَ هنا هربًا من الرّياحِ الباردةِ.
“سيّدي……؟”
أدركت الخادمةُ نظراتِ ديوران غيرِ العاديّةِ فشعرت بالقلقِ.
“هناك شخصٌ هنا، لذا من الأفضلِ الذهابُ إلى مكانٍ آخرَ. لنذهب إلى الغرفةِ، أليس كذلك؟”
لمست يدُ الخادمةِ صدرَ ديوران بإغراءٍ، لكنّه لم يتحرّك قيدَ أنملةٍ.
لم تكن قصّةً قديمةً عن الحبِّ من أوّلِ نظرةٍ، ولكن بمجرّدِ أن رأى تلك المرأةَ تجلسُ وتقرأُ كتابًا، ذابَ اهتمامُه بالخادمةِ كالثّلجِ.
“سيّدي، أرجوكَ.”
“مَن تكونُ تلك المرأةُ؟”
نطق ديوران أخيرًا.
“…… آه. تقصدُ تلك المرأةَ التي تملكُ مظهرًا خارجيًّا برّاقًا فقط؟ يُقالُ إنّها ابنةُ عائلةِ كونتٍ مُفلِسةٍ. إنّها امرأةٌ تمَّ بيعُها للسيّد الثاني.”
“تلك المرأةُ؟”
سأله ديوران مرّةً أخرى بوجهٍ لا يصدّقُ.
“نعم. لماذا؟”
“أليست جميلةً جدًّا لتُباعَ إلى سيّدٍ شابٍّ يلفظُ أنفاسَه الأخيرةِ؟”
“سيّدي، هل تخونُني الآنَ وتنظرُ لغيري؟”
“خيانةٌ؟”
رفع ديوران زاويةَ فمِه.
“كلا، ليست خيانةً.”
“حقًّا؟”
“هل كان هناك شيءٌ بيني وبينكِ أصلًا؟”
تصلّب وجهُ الخادمةِ.
أبعدَ ديوران يدَها عن جسدِه، ثمّ تحدّث بنبرةٍ باردةٍ تختلفُ تمامًا عن لطفِه قبل قليلٍ: “أنا وأنتِ كنّا نسعى خلفَ المتعةِ فقط.”
“أنا- أنا…… لستُ كذلك! لقد كنتُ صادقةً!”
“حقًّا؟”
“هل ستذهبُ إلى تلك المرأةِ؟ إنّها زوجةُ أخيكَ!”
“على حدِّ علمي، لم تصبح زوجتَه بعدُ، أليس كذلك؟”
تشوّه وجهُ الخادمةِ أمامَ ابتسامةِ ديوران.
“سـ- سأخبرُ الدوقة بكلِّ شيءٍ.”
“حسنًا، افعلي ما يحلو لكِ. ولكن من الأفضلِ أن تشكري تلك المرأةَ. فبفضلِها استطعتِ الحفاظَ على عِفّتِكِ.”
“…….”
“آه. أم أنّها غيرُ موجودةٍ في الأصل؟”
بينما كانت تنظرُ إلى وجهِ ديوران الضّاحكِ، غادرت الخادمةُ بوجهٍ مُحمرٍّ.
لم يلحق ديوران بالمرأةِ المغادرةِ، بل نقلَ نظراتِه إلى آناستا مرّةً أخرى.
عندما سمعَ أنّ لأخيه خطيبةً، تساءلَ أيُّ مجنونةٍ قد تقبلُ بذلك، لكنّها تبيّنت امرأةً رائعةً للغايةِ.
‘ربّما يكونُ باطنُها غيرَ سويٍّ.’
ربّما هناك عيبٌ خفيٌّ ما. حاولَ ديوران الاقترابَ من آناستا بدافعِ الفضولِ والاهتمامِ.
في تلك اللحظةِ، أغلقت آناستا الكتابَ وفردت ظهرَها وكأنّها تهمُّ بالرّحيلِ.
‘هل هي مصابةٌ؟’
حينها رأى ديوران آناستا وهي تتحرّكُ مستندةً إلى عكّازٍ.
لم يكن الأمرُ ينمُّ عن عَرَجٍ دائمٍ، لأنّ الساقَ التي لا تستندُ إلى العكّازِ كانت سليمةً وتمشي بشكلٍ جيّدٍ.
يبدو أنّ شيئًا ما قد حدثَ لتلك المرأةِ ولأخيه في أثناءِ غيابِه.
“آنستي، هل انتهيتِ من قراءةِ الكتابِ؟”
“نعم، الدفيئةُ جميلةٌ جدًّا لدرجةِ أنّني استطعتُ التركيزَ جيدًا.”
قالت آناستا بصوتٍ عذبٍ وهي لا تزالُ لم تلاحظ وجودَ ديوران.
“هل من الممكنِ أن آتيَ غدًا أيضًا؟”
“سأعرضُ الأمرَ على رئيسةِ الخادماتِ.”
“حسنًا.”
مال ديوران برأسِه وهو يراقبُها تتحدّثُ بأدبٍ حتّى مع الخادمةِ.
لا يبدو أنّ هناك عيبًا في شخصيّتِها أيضًا……
‘على أيّةِ حالٍ، غدًا إذن.’
ابتسم ديوران بظَفَرٍ. يبدو أنّه وجد شيئًا ممتعًا في هذه اللحظةِ من المللِ والسأمِ.
* * *
“سمعتُ أنّكِ خرجتِ.”
أومأت آناستا برأسِها أمامَ لهجةِ رايان الفظّةِ وهي تحضرُ له الدّواءَ مع الطعامِ.
“لم أكن أعرفُ أنّ هناك حديقةً ودفيئةً.”
“دفيئةٌ صغيرةٌ؟”
“نعم، إنّها مكانٌ جميلٌ حقًّا. لقد أعجبني.”
كان رايان ينظرُ إلى النافذةِ، ثمّ نقلَ نظره إلى آناستا دون أن يفكَّ عقدةَ حاجبيه.
“يبدو أنّها كانت مُنسّقةً جيدًا؟”
“نعم.”
“هذا غريبٌ. فقد ظننتُ أنّها ستكونُ في حالةٍ مُزريةٍ.”
لم تعرف آناستا لِمَ فكّر رايان بهذه الطريقةِ. وسرعانَ ما بَدّدَ رايان هذا التساؤلَ.
“لقد كانت مكانًا زيّنته والدتي المتوفاة.”
“…….”
“بعد وفاةِ والدتي، كنتُ أنا وأخي الأكبرُ نهتمُّ بذلك المكانِ. لكنّ أخي دخلَ مدرسةَ اللاهوتِ وسلكَ طريقَ الكهنوتِ، وأنا أصبحَ جسدي هكذا تمّ هجر المكان.”
أطلق رايان ضحكةً ساخرةً.
“ومع ذلك تقولينَ إنّها جميلةٌ. لا أستطيعُ تصديقَ ذلك. أليست معاييرُ الجمالِ عندكِ منخفضةً أكثرَ ممّا ظننتُ؟”
“أنا أيضًا أعرفُ كيف أنظرُ إلى الزهورِ، وأعرفُ كيف أنظرُ إلى الأشجارِ. وأعرفُ الحدائقَ المُنسّقةَ أيضًا. لقد كان مكانًا مريحًا للغايةِ، لدرجةِ أنّ الفراشات كانت ترفرفُ بجناحيها هناك.”
“احم.”
“إذا كنتَ لا تصدّقُني، فما رأيُكَ أن تذهبَ وترى ذلك المكانَ بنفسِكَ يا سيّدي؟”
صارت عينا رايان حادّتينِ فجأةً.
“ولماذا أفعلُ؟ لقد أصبحَ مكانًا هجره الجميعُ. ليس لديَّ سببٌ للذهابِ إلى هناك.”
“لقد كان مجرّدَ اقتراحٍ وليس إجبارًا.”
“أعطِني طعامي.”
وضعت آناستا طاولةً صغيرةً أمامَ رايان وقدّمت له الطعامَ.
الدفيئةُ الصغيرةُ.
يبدو أنّها مكانٌ ذو قيمةٍ كبيرةٍ لرايان، وكان من المؤسفِ جدًّا إهمالُها دون رؤيتِها.
راقبت آناستا رايان وهو يمسكُ بالملعقةِ.
لقد بدأ مؤخّرًا في قراءةِ الكتبِ ولعبِ الشطرنجِ.
ومع ذلك، فإنّ هذه الغرفةَ ستكونُ عالمًا ضيقًا جدًّا بالنسبةِ له.
كانت آناستا كذلك أيضًا عندما كانت تعيشُ في قصرِ الكونت وينتيرليت.
مكانٌ قديمٌ جدًّا، ومتهالكٌ، وقذرٌ، وضيقٌ.
لكنّها كانت تظنُّ أنّ الخروجَ إلى الخارجِ لا معنى له أيضًا، فكانت تكتفي بالاستلقاءِ كالجثّةِ.
والشخصُ الذي سحبَها إلى الخارجِ كان ناتاشا.
وعندما خرجت وهي تمسكُ بيدِها، وجدت العالمَ واسعًا ومليئًا بالألوانِ، على عكسِ ما تخيّلته من رتابةٍ.
“…… يا سيّدي، ألا ترغبُ في الخروجِ؟”
توقفت حركاتُ رايان عند سؤالِ آناستا الحذرِ.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 13"