1
بانوريا….. تلك الأفعى البرتقالية«كما أطلق عليها الجميع»نظراً لشعرها البرتقالي و لون عينها ، ها هي الآن تقف أمام غرفه
التدريب الخاصه ب “آدون” بعد ما يقارب المئه عام.
أنفاسها غير منتظمه و قلبها الملعون يدق بجنون كأنه يُعلنُ
عن ضَعفِها ثانيةً من تلك اللحظه، لذكرى قديمه تنهشُ
عقلها بلا رحمه.
تعيدها الى تصرفٍ جريئ كسرت به كل القيود هي و آدون، وسط أعينِ الجميع، قد اندفعا بتهورٍ لتنكشف مشاعرهما المكبوتة منذ وقتٍ طويل.
لكن اللحظه التي بدت فيها بالنسبه للجميع أنها انتصاراً للحب، تحولت إلى كارثه عارمة.
بانوريا… التي تحت تأثير عواطفها المشتعلة التي دائماً ما تُغضِبُها من نفسها، لا تعلم لماذا؟! و لكن قوتها تكره الخضوع، حوّلت أكثر من مئه فردٍ في المملكه إلى حجر.
أما آدون، فقد صب غضبه و مشاعره على الجبال، يسويها بالأرض، يُحَطِمُها إلى فُتات، حتى أحدث دماراً زلزل المكان و أسقط المنازل واحدة تلو الأخرى، الفوضى التي تلت كانت كابوساً، و بقرارٍ من الملك: “تؤخذُ منهما صلاحية التصرفِ في المملكه، غير حرمانهم
من النوم و الأكل حتى يُصلِحوا ما أفسدوه خلال ثلاثه أيام.
و منذ ذالك الحين اختفت بانوريا، و لم تعد ترى آدون، و لم تعد إلى أكادمية”ميراثيس” التي كانت تهدف الى السيطرة على قوتها القاتله.
عيناها البرتقالية، اللتان تحولان أي نظرةٍ منها إلى حجر، أصبحتا عبئاً لا تطيقة،لم يكن يعنيها تجنب الناس لها
وخوفهم على حياتهم منها أكثر ما كان يحزنها على تلك الطيور والحيوانات التي تحب قربها منهم عندما يتحولون الى حجر. أما عن آدون الذي ظن أن قوته بين يديه قد خارت أمامها فقط، كان يدرك أن المسافه لن تُخفق من الحريق الذي أشعلَتهُ في قلبه….. و الآن تحت تهديد والدتها التي أقسمت ألا تكلمها حتى موتها إن لم تذهب إلى الأكادمية “ميراثيس”.
كانت الأم ترى بعينها حزن ابنتها و وحدتها، فبعد أن ناقشت الأمر مع الملك استطاعت إقناعه، و عندما سمع آدون صوت الملك في عقله مزمجراً بنبرتة إليه:
” لا تقترب منها… إن أردت أن تنعمَ في موتك “
أدرك آدون أنها أتت اليوم… و سيراها.
أغمضت عيناها و أخذت نفساً عميقاً ثم فتحت الباب بهدوء، عائده إلى برودها المعتاد، رغم أن أعماقها كانت في حالةٍ من الفوضى.
دفعته ببطء، ليتسلل أول نفس من هواء الغرفه الباردة الى صدرها، ذالك الهواء الذي يحمل معه هيبه المكان و صاحبه.
عرفته أنفاسها فارتعشت كأنها تعيش شعور تلك القبلة معه الآن من جديد…
كل شيءٍ في الغرفه يشي به، اللون الرمادي الذي يغطي الجدران تماماً مثل عينيه، و التي تجد فيهما خلاصها و أمانها رغم أن جزءٌ فيها يُصِرُ على إنكارِ هذا الشعور، جزءٌ كأنه يحاربها كلما التقت به بالذات ،فكان استغلالي لينتهز هذه المعضلة بالتحديد عندما رأى هدؤها بالنظر في عينيه فكان أول فرد بعد والدتها و إخوتها لا يتحول إلى حجر ،لذلك حول لون الغرفه إلى رمادي لأجل أن تأتي إلى هنا بالتحديد فيدربها بنفسه.
ظهرت هالته في المكان، هالته الواقفه أمام النافذه الكبيرة في المنتصف، و التي تطل مباشرةً على القصر الملكي.
من هنا يتابع كل تطورات الحاله الخاصه بأفراد الأسرة الحاكمة و ما يطرأ عليها من تغيير.و هناك على الجانب الأيمن نافذه أخرى تطل على البوابه السحرية للمملكه، حيث تلتقي الرعيه بأسرار المجهول، أما الجانب الأيسر فقد كان مخصصاً لمراقبة العاصمه “أڤيور” التي هي مقر الملك الأسود.
نظراتها تحركت سريعاً لتلتقط تفاصيل أخرى هنا، من مكتبٍ له على الجانب الأيسر في المنتصف، و بجانبه عتادٌ خشبي طويل مخصص لتعليق عبائته الرمادية.
رغم بساطه الغرفه و أنها شبه فارغه و الهواء فيها عليل كانت تنبض بحضوره.
و لكن ما جعلها تستغرب حقاً أن الغرفه كانت خاليه من اي أثر يشبه والده الراحل، الطبيب السابق و مدرب الأفاعي.
لا أدوات غريبه، ولا هيكل عظمي للأبحاث، حتى أنها لم ترى بيده يوماً كتيب صغير يدون عليه وصفات أو ملاحظات تحكي عن وصفات العلاج.
و رغم ذلك، كان “آدون” متفوقاً عليه في البراعه و الذكاء الناضج مما جعله مستشار الحاكم و صديقه المقرب قبل ذلك.
“أهلا بالطالبة الهاربة… بانوريا”.
جاء صوته من خلفها هادئاً و عميقاً، يملؤه لطفٌ خبيث لا تخطئه الأذن.
أغمضت جفنيها في توتر، تلعن حظها في سرها:
” تباً… كنت أظن أنني سأتدرب على يدِ معلمٍ آخر اليوم”
أخرجها من خلوة الحديثِ مع النفس، بصوته إذ أردف بنبرةٍ قوية زلزل كيانها:
“على قدميكِ… بانوريا”
تجمدت في مكانها للحظه قبل أن تبتلع ماء جوفها.
تعرف السبب… أجل تعرف، فمن قوته ايضاً التي أتقنها مع نفسه منذ صغره، أن بإمكانه الشعور بنبضات من حوله من خلال إتصال أقدامه بالأرض مع الشخص الآخر.تلك كانت فريدة لم يأتي بها أحدٌ من قبله.
بل و يميز نوع النبضات…. خلعت من نعلها و وقفت حافيه تلامس الأرض محاوله أن تتجاهل فكره كشفه لمشاعرها، لعينيه المثبتتين عليها بعمق كمن يرغب في إبتلاعها الآن.
و بالمثل فعل هو الآخر، فعندما لامست قدماه الأرض ابتسم براحةٍ و رضا ترضي كيانه آخذاً أنفاسه بعمق سمعتها فنبست في نفسها “كلا يا اطرافي طرفيها لا ترجفي”
فمشاعرها المرتبكة و المتوترة هذه في حضرته لم تكن خافيه عليه، تماماً كما لم تكن خافيه عليه من قبل. فلا تعلم كم من مرةٍ أرادت دفن نفسها حية…
أصابتها رعشةٍ كادت أن تفقدها توازنها عندما أحست به خلفها، و بيده التي اقتربت من ضفيرتها البرتقالية يحل عقدتها ببطءٍ شديد.
دائماً ما يشعرها بخفه وجوده حولها مثلما يخفف العبئ من على قلبها،…. فما بال هذا الكيان الغاضب و الرافض؟!.
بدأ يتحدثُ في همس أشبه بفحيحٍ مُربك جعل قلبها يرتعش:
“ألن تُرحبِ بي؟!”
ابتلعت توترها و هي تحاول جاهدة أن تخفي رجفتها لقربه:
“أُرحِبُ بعودتكَ… أيها المعلم آدون”
عندما أنهت تلك الحروف تمتمت في نفسها في تكدر:
“لا أعلم ما علاقه شعري بهذا التدريب اللعين؟!”
في لحظتها أخفض رأسه عند أذنها هامساً هناك بنبرةٍ جعلت حتى من بؤبؤ عينها يرتعش:
“لا عليكِ فلمسها يهدأ من جنوني”
من صدمتها يكاد الهواء يخرج من صدرها، فمرةً أخرى قرأ عقلها، ليت كلمه ساحر لم تنسب إليه في الأساس، لكانت ستقول هذا عنه. تحرك من خلفها ليقف بجانبها ولا يبعد بينهم سوى إنش واحد واضعاً يداه خلف ظهره نابساً لها في تساؤل يعرف إجابته جيداً: “ما بالُ قوتَكِ غاضبه مني!”
لازالت على برودها تنظر الى الأمام تخشى أن تلتقي بنظرات عينه و تعقب:
“ربما لأنك لم تجد ليا الحل في فهمها للآن”
إنها تقسم أنه ابتسم الآن. تلك الإبتسامة التي رأتها في سن الثامنة عشر، في حين أنه نبس معقباً ليده التي امتدت خلف ظهرها في هدوء يتلمس شعرها البرتقالي بخفه: إذاً… لنحاول معاً…. و الآن أغمضِ عيناكِ في استرخاء و ركزي على ما اقوله لكِ جيداً “. امتثلت لقوله فاعله، و بحديثٍ يكمله لها شعرت بإحدى إصبعيه تلامس أسفل عمودها الفقري فانكمشت بخفه متحدثاً بهدوءٍ و عنايه إليها:
” هنا… عند أسفل العمود تكمن قوانا، هنا أشبه بمنطقه الجذب لدينا، تلك النقطه تمتص المشاعر أجمع و أحياناً إن لم تكن لنا يدٌ في السيطرة عليها تخلق مشاعر عكسيه من تلقاءِ نفسها، فمثلاً أنتِ تُحبين الطيور و الأحصنه و لا تسمح لكِ حتى بالنظرِ إليهم، هذا لأنها تصور كل من حولك على أنهم يشكلون خطراً عليكِ، غير هذا لا تسمحُ لكِ بالتفكيرِ فيما هو جيد.
أنتِ الآن حاولي و فكري في عقلك، هل الطيور و الأحصنه بهذه الخطورة؟! ثم ارسمي مشهدٍ لكِ مع طائرٍ تمرحين معه كما تحبي”…
Chapters
Comments
- 1 - "طالبة هاربة" منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"