بهذا المعدل، إما أن ينكسر المشط أو يُقتلع شعرها من جذوره.
“يا آنسة، لا تفعلي ذلكَ و تعالي إلى هنا.”
نادتها آن، صاحبة النزل التي غمرت الضيوف الذين وصلوا فجأة في منتصف الليل بالمياه الساخنة، و أعدت لهم مائدة طعام كادت تنكسر من كثرة الأطباق.
ألقت بيلونا نظرةً خاطفة نحو سول، الذي كان يستند إلى سياج الإسطبل.
“سأرتب لكِ شعركِ قليلاً.”
أشار سول بذقنه نحو صاحبة النزل بلامبالاة، و كأنه يحثها على الذهاب. أعادت بيلونا مقتنياتها التي كانت تعبث بها إلى الحقيبة القماشية، و نهضت متوجهة نحو صاحبة النزل.
وضعت آن كرسيًا في وسط الفناء، و فردت قصاصات من صحف قديمة، ثم لفت الصحيفة حول عنق بيلونا.
“اجلسي هنا. كنت سأتجاهل الأمر، لكنني لم أستطع تحمل رؤية هذا. مَنٔ الذي قص شعركِ بهذه الطريقة و كأن فأرًا قد قضم منه؟”
لقد كانا ضيفين مثيرين للاهتمام؛ رجل يغطي وجهه و امرأة تبدو شاردة الذهن تمامًا. كان من الواضح أن هناك قصة خلفهما، لكن صاحبة النزل لم تسأل عن شيء بمجرّد أن رأت العملة الذهبية التي أخرجها الرجل.
لم تستلم عملة واحدة، بل عشر عملات. و بالتأكيد، كان ذلكَ المبلغ يتضمّن ثمن صمتها أيضًا.
“يا إلهي…. حتّى الصبغة تمّت بطريقةٍ فوضوية.”
حركت بيلونا قدميها الظاهرتين من تحت ورق الصحف.
‘إذًا، لقد كانت صبغة.’
“يا إلهي، كيف وصل شعركِ إلى هذه الحالة؟”
يبدو أن الوضع كان أسوأ مما توقعت، فقد بدأت دهشة صاحبة النزل تزداد و هي تتفحص خصلات الشعر. و بعد أن انتهت من تخليص المشط الذي لم يتزحزح لفترة، تنهدت و قالت بحزم:
“آنسة. دعينا نقصه. لا يمكن إصلاح هذا أبدًا. الخصلات متشابكة و معقودة ببعضها، و بما أن القص السابق كان عشوائيًا، أظن أننا سنضطر لقص الكثير منه.”
“نعم.”
و طما فعلت منذُ أن فقدت ذاكرتها، اكتفت بيلونا بالإجابة بهدوء و كأنها تتقبل الواقع.
“لا تقلقي. سأقصه لكِ بشكلٍ جميل جدًا. أنا مَنٔ أقص شعر جميع سكان هذه المنطقة. حتّى ابنتي، أنا مَنٔ يقصّ لها شعرها.”
“نعم.”
و مع صوت إجابتها الوديعة، بدأ صوت المقص يتردد، بينما كانت خصلات الشعر المصبوغة باللون الأخضر تتساقط على الأرض. حينها فقط أدركت أن أطول خصلة كانت تتجاوز مرفقها، بينما أقصرها كانت ملتصقة بأذنها تمامًا.
ماذا كان لون شعرها الأصلي يا ترى؟
كان الشعر المصبوغ بمزيج من درجات اللون الأخضر القبيحة ملطخًا لدرجة أنها لم تستطع معرفة لونه الحقيقي مهما حدقت فيه.
مَنٔ الذي فعل هذا؟ و ما الذي مرت به بالضبط؟ هل كان لها أم مثل صاحبة النزل هذه؟ و أب؟ هل هناك مَنٔ يبحث عنها؟ و لماذا لا يبحث عنها أحد؟ هل لأنها مذنبة؟ و ما هو ذنبها؟
لا تعرف. لم تكن تعرف شيئًا على الإطلاق.
و بينما كانت تنظر إلى خصلات الشعر المتساقطة، بدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها بشكلٍ غريب. و انهمرت دموعها لتسقط على الأرض مع خصلات الشعر.
“يا إلهي، لا بأس. سأقصه بشكلٍ جميل. سيكون شعركِ منعشًا و خفيفًا، لذا لا تبكي. لا بأس، لا بأس….”
أشعة الشمس التي كانت في ذروة حرارتها صيفًا، بدأت تبرد الآن و هي تنتقل نحو الفصول الباردة. لمست شمس الخريف المتألقة للمرة الأخيرة قمة رأسها الخضراء المنحنية.
المرأة الصغيرة الملتحفة بالصحف ظلت تبكي بصمت طوال الوقت الذي كان فيه شعرها الطويل يقصر حتّى كتفيها. بكت لأنها لم تكن تعرف حتّى ما الذي فقدته.
الفصل الذي ترتدي فيه الأشجار حلة زاهية قبل أن تتجرد و تصبح هزيلة، هو فصل ذهبي موحش. و بينما كانت المرأة تبكي وحيدة، كان يراقبها الرجل الذي سلبها أي مكان يمكنها العودة إليه.
بعد أن أكلت و ارتاحت بما يكفي، حان وقت التحرك.
وضع سول بيلونا، التي كانت لا تزال تشهق بعد ترتيب شعرها، فوق الحصان و انطلقا في طريقهما مجدّدًا. الآن، صار شعرها الأخضر ينساب بنعومة دون أن يعلق بالمشط، و هو يلامس وجنتيها و عينيها المنتفختين.
* * *
“هل المكان الذي سنذهب إليه بعيد جدًا؟”
“بعيد.”
“إلى أي مدى؟”
“كثيرًا.”
“أين هو؟”
بدلًا من الإجابة، حفز الحصان ليزيد من سرعته. مالت بيلونا إلى الخلف فجأة، لكن سول أمسك بها على الفور.
“أرخي خصركِ و أغلقي فمكِ. لكي لا تعضي لسانكِ.”
كان المراقب شخصًا مهيبًا لدرجة أن كل الأشخاص الذين قابلوه في النزل وجدوا صعوبة في التعامل معه.
حتّى بول، زوج صاحبة النزل، كان يتمتع بجسد قوي و طول فارع بسببِ طبيعة عمله، لكن المراقب الذي يجلس خلفها الآن كان أطول من بول بكثير و أعرض كتفين.
كانت عيناه اللتان تلمعان من تحت ظلال غطاء الرأس مخيفة لدرجة أن بيلونا كانت تضطر لجمع كل شجاعتها في كل مرّة تحاول فيها التحدث إليه.
و رغمَ أنها استجمعت شجاعتها لتسأله، إلا أنه تجاهلها. و مع ذلك، عاهدت نفسها أن تسأله مجدّدًا بمجرّد نزولهما عن الحصان. فعلى عكسِ مومونا التي كانت تفيض بالكلام من تلقاء نفسها، بدا لها أن هذا الرجل على الأقل لا يكذب.
انطلق الحصان مخترقًا الأراضي القاحلة، محاذيًا لسلسلة جبال سوداء ضخمة على الجهة اليسرى. كانت الرياح باردة جدًا لدرجة أنها آلمت وجنتيها.
راحت بيلونا تردد المعلومات التي تعرفها و كأنها تحفظها غيبًا و هي تتأرجح فوق الحصان.
‘اسمي بيلونا، شعري ليس أخضر في الأصل، و ما أملكه هو مرآة، و قلم حبر، و مشط، و مفتاح. الرقم المكتوب على المفتاح هو 219.’
كما راحت تتأمل كل تفصيلة: الثلوج الأبدية التي تكسو قمم الجبال الوعرة، و الغابات الكثيفة التي تحيط بها كأنها أسوار، و الأراضي الزراعية التي تظهر بين الحين و الآخر في تلكَ البراري القاحلة.
شعرها الذي تمّ قصّه و أصبح قصيرًا لم يعد يحجب رؤيتها. و.بعد فترةٍ طويلة من تأمل المناظر، كان الحصان يمر الآن بمنطقة تكثر فيها الأعشاب الطويلة المتمايلة، و تنتشر فيها تلال حمراء و صفراء.
فجأة، ضغط سول بيده المكسوة بالقفاز على رأسها الذي كانت تمده للاستطلاع.
“اخفضي رأسكِ.”
تسارعت دقات حوافر الحصان و هي تضرب الأرض. و رغمَ برودة الجو، كان الحصان يركض و هو يتصبب عرقًا.
ما الذي يحدث؟
أرادت بيلونا الالتفات للخلف لكنها لم تستطع. سمعت صوتًا يمزق الهواء بحدة، لكن و بسبب ضيق مجال رؤيتها لم تستطع معرفة المصدر.
و لكن بعد ثوانٍ معدودة، ارتفعت الأرض التي كان الحصان يطأ عليها فجأة و كأنها تسد طريقهما. لم يكن الارتفاع عاليًا، لكنه كان كافيًا ليكون بمثابة حاجز يعترض المسار.
“هييييينغ!”
صهل الحصان بقوة و هو على بعد خطوات قليلة، و غيّر اتجاهه بسرعة كما أمره فارسه.
لم تستطع بيلونا إبعاد عينيها عن الأرض التي نبتت فجأة؛ فقد ظهرت أكوام من التربة الحمراء السوداء، و ثار غبار كثيف.
و لأن الحصان كان من سلالة حربية أصيلة مع فارس بارع، فقد تمكنا من تجنب الحادث بصعوبة. كادت بيلونا تسقط لولا أن سوليشار أمسكها. توقف الحصان و هو ينفث البخار بقوة، و استدار بحركة رشيقة ليرسم نصف دائرة. واجهوا الطريق الذي قدموا منه.
حينها فقط استطاعت رؤية المطاردين الذين كانوا يلحقون بهم.
واجههم ثلاثة أشخاص يمتطون الخيول؛ رجلان يرتديان ملابس سوداء، و امرأة ترتدي رداءً طويلاً.
كانت المرأة شاحبة الوجه و هي تلهث بشدّة. أما الرجل الذي بدا أنه القائد في المنتصف، فقد وجّه سيفه نحو سوليشار.
“خروجُ مجرمة خطيرٍة من منطقة قاضية التحقيق، هاه، الخروجُ هو! هاه، هو أمرٌ غير قانوني! هوو، لقد جئتُ بأمرٍ من قاضية تحقيق شمال ساروتوم، لا، ساروتوم! استسلم للاعتقال، هاه، هاه، بهدوء!”
حاول أن يصرخ بصوتٍ جهوري، لكن بدا أنه استنزف طاقته في الركض إلى هنا، فكان يلهث مرارًا مما جعل صوته يبدو غير مخيفٍ بالمرة.
و لكن بالنّسبةِ لبيلونا، التي كانت تظن أن سول يقوم بواجبه كمراقب في أخذها إلى مكانٍ بعيد، كان محتوى الكلام مخيفًا بما يكفي.
التفتت بذعر و نظرت إلى سوليشار.
‘خرجنا عن النطاق؟ غير قانونيّ؟’
“يا لها من مشكلة. يقولون إنهم جاؤوا للقبض عليكِ.”
لكن سول نظر إلى بيلونا و قال بنبرة تملؤها السخرية.
“لكن سول هو المراقب.”
‘إذًا لماذا الأمر غير قانوني؟’
“آه، ذلكَ الأمر.”
كانت شمس المساء الأخيرة تشتعل خلفه كأنها هالة من نور.
“لقد كانت كذبة.”
رغمَ طنين أذنيها، إلا أن نبرته التي كانت خفيفة لدرجة اللامبالاة الشديدة انغرست في مسامعها بوضوح. تجمدت بيلونا في مكانها.
“أنا المأمور هيربرت، المعين من قبل قاضية تحقيق ساروتوم، كين!”
صرخ المأمور بصوتٍ جهوري نحو الفارس الذي يرتدي قناعًا و غطاء رأس يحجب وجهه تمامًا. كان المأمور يلهث بيأس و هو يشد عضلات بطنه البارزة، و بدا فخورًا جدًا بالحقيقة التي أدلى بها للتو، لأنه استطاع هذه المرة قولها كاملة دون انقطاع.
“إن لم تستسلم للاعتقال، فستتم معاقبتكَ فورًا!”
بيلونا كانت الوحيدة التي شعرت بالرعب من ذلك الكلام الذي قيل وسط لهاثٍ مثير للشفقة. شحب وجهها تمامًا.
“لم أتوقع أن يصل الذين يبحثون عنكِ قبل الذين يبحثون عني.”
كان سوليشار مذهولاً حقًا.
فكرة أنّ قاضية تحقيق في زاوية نائية من الشمال، و التي بدأت العمل منذُ يوم واحد، أكثر كفاءة من أولئك الذين يحاولون بشتّى الطرق قتل ولي العهد، كان أمرًا مثيرًا للدهشة.
“يبدو أن صديقتكِ تحبّكِ كثيرًا، يا بيل.”
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"