“بيل……؟”
“بيلونا. اختصارُها بيل.”
كرّر سوليشار الاسمَ عدّة مرّاتٍ و هو يهمّ بغرف الحساء ، ثمّ وضع الملعقةَ فجأةً مكانَها.
“مَنٔ ذا الذي أطلق عليكِ اسم يانكي؟ مَن هو؟”
“صديقة….”
كان وجهُها البريءُ و هي تجيب بهدوءٍ يثير الحنقَ لدرجةٍ تجعل العقلَ يتوقّف ، بل صار الأمرُ مزعجًا الآن.
“هل مَنٔ يطلق مثل هذا الاسم يُعدّ صديقًا؟”
“…… هذا ما ادّعتهُ هي.”
كانت تجيب و هي تحاول جاهدةً قراءةَ تعابير وجهه ، ممّا جعل سوليشار يشعر بصداعٍ ، فضغط على صدغيه.
“أخبريني بكلّ ما سمعتِه منه.”
أقسم في سرّه أنّه لم يكن ينوي أبدًا أن يكون لطيفًا إلى هذا الحدّ مع امرأةٍ خانته. فمنذُ الليلة الماضية التي تحوّل فيها الحصنُ إلى حطامٍ و حتّى الآن ، كان الإرهاقُ النفسيُّ يفوقُ تعبَهُ الجسديَّ بمراحل.
و فوق كلّ شيءٍ ، لم يكن لديه ما يقوله لامرأةٍ طعنته ثمّ لم تجب بكلمةٍ واحدةٍ ، بل ظلّت تردّد اسم رجلٍ آخر مرارًا و تكرارًا.
و مع ذلك ، وجد نفسه يستمع إلى كلّ ما حدثَ معها هذا الصباح. تمامًا كما كان يفعل قبل أن تطعنه هذه المرأة.
“هل قالت صديقتكِ أنّها أنقذتكِ من عقوبة الإعدام؟”
“…… قالت إنّني حاولتُ إيذاءَ شخصٍ رفيعِ القدر. أظنّه وليّ العه ، أو شيءٌ من هذا القبيل.”
بيلونا ، التي حُجبت ذكرياتُها تمامًا ، تحدّثت بتردّدٍ ثمّ وضعت الملعقةَ مثلما فعل هو تمامًا. الفتاةُ التي كانت عيناها تلمعان بمجرّد رؤية الطعام من شدّة الجوع ، فقدت شهيّتها في لحظة.
“تحدّثي و أنتِ تأكلين.”
“لقد قيل إنّني فعلتُ ذلك.”
“أعلم. قلتُ لكِ تحدّثي و أنتِ تأكلين.”
و مع ذلك ، بدا أنّها لا تنوي تحريك يدها أبدًا ، فرفع سوليشار ملعقته مجدّدًا بشكلٍ واضح. لكي يحثّها على الأكل ، كان عليه أن يأكل هو أيضًا رغُمًا عنه.
“ذلكَ الشّخصُ الرفيعُ ، هل مات؟”
“لم يمـت.”
“هل….هل أُصيب بجروحٍ بليغة؟”
لقد حدثت أمورٌ كثيرةٌ طوال اليوم لدرجة أنّها لم تفكّر في الأمر إلا الآن ، لكنّه حقًا أمرٌ خطير.
بيلونا ، التي لم يعجبها شيءٌ سوى اسمها الحقيقيّ الذي أخبرها به الرّجلُ الجالسُ بجانبها ، خفضت رأسها بأسى.
‘لماذا فعلتُ شيئًا سيئًا كهذا؟’ مهما حاولت التفكير ، لم تجد إجابةً لأنّ ذكرياتها كانت مفقودة.
“إنّه بخير.”
كيف يعرف هذا الرّجل و يقول ذلكَ بكلّ هذه الثقة؟
إنّه يتحدّث بلهجةٍ غير مباليةٍ و كأنّه يتحدّث عن شأنٍ لا يخصّه. هل يعرف كلّ شيءٍ لأنّه مراقب؟
دفع سوليشار طبق الحساء الذي يتصاعد منه البخارُ الساخنُ ليقترب منها أكثر ، و أجاب بجفاءٍ تحت نظراتها المليئة بالشكّ:
“إنّه شخصٌ قويّ بطبعه.”
“لكن ، إن وصل الأمرُ إلى حدّ الإعدام ، فلا بدّ أنّني آلمتُه كثيرًا……”
“بتلكَ الذراع الهزيلة ، لو حاولتِ إيذاءَ شخصٍ فلن تتمكّني من فعل شيءٍ يُذكر.”
نظرت بيلونا إلى ذراعها التي أشار إليها الرّجل. ما بها هذه الذراع؟ رغمَ بعض الخدوش ، ألا تبدو قويّةً بما يكفي؟
“القاضية كذبت عليكِ. لم يكن الأمرُ يستدعي الإعدام.”
اختلق العذرَ بهدوء. و بالتفكير في الأمر ، لم تكن كذبةً تمامًا.
فما كان يهدف إليه سوليشار في الأصل هو تقديم شكوى ضدّ بيلونا ، التي طعنته بتهوّرٍ ثمّ لزمت الصمت ، ثمّ كشف المحرّضين من خلال الإجراءات القانونيّة العادلة.
المساومة على مدّة العقوبة مقابل المعلومات أمرٌ شائعٌ. و حتّى لو كانت التهمة هي محاولة اغتيال وليّ العهد و كان الإعدامُ حتميًا ، فإذا قرّر صاحب الشأن التفاوض مع الجاني ، فلا يمكن لأحدٍ التدخّل.
ضحك سوليشار بمرارة.
إنّ ذلكَ اللسان الذي تجرّأ على قلب ما قرّره وليّ العهد ، بل و قام بحجب الذكريات و مسح السجلّات ، هو لسانٌ وقحٌ للغاية. و كلّ قصّةٍ تخرج من فم الفتاة التي اختطفها كانت تزيد الأمرَ تعقيدًا.
الفتاةُ التي انخدعت تمامًا بلسان القاضية التي ثرثرت كما تشاء ، بدت محبطةً تمامًا و لم تفكّر في الأكل بعد. زاد ذلكَ من انزعاج سوليشار ، فأمسك بيديها اللتين كانت القشورُ قد غطّت جروحَهما و وضع فيهما أدوات المائدة بالقوّة.
“ذلكَ الإنسانُ يتجوّلُ بصحّةٍ جيّدة ، لذا كلي فقط.”
“كيف عرفت؟”
“لقد رأيته. قلتُ لكِ كلي.”
منذُ قليل كان يوبّخها لأنّها تأكل ، و الآن يبدو و كأنّه لن يتركها و شأنها إن لم تأكل.
‘ماذا يريد مني حقًا؟’
إنّه رجلٌ غريب. بدأت بيلونا تأكل ملعقةً من الحساء رغُمًا عنها. رغُم حزنها ، لا يزال المذاقُ لذيذًا. و بدأ وجهُ المراقب المخيف يلين قليلاً.
“ما هي الأشياءُ الغريبةُ الأخرى التي قالتها القاضية؟”
كان يزعجه أنّها تكتفي بغرف الحساء بخجل. دفع سوليشار إليها طبق النقانق الذي أكلته بيلونا بشهيّةٍ كبيرةٍ سابقًا. لقد دفع مبلغًا إضافيًا لصاحبة النزل للحصول عليه ، لذا كان عليه أن يتأكّد من أنّها ستأكله كلّه.
“قالت إنّه لا يجب عليّ محاولة معرفة الماضي….”
سخر سوليشار بصوتٍ خافت. فالماضي هو ما كان يحتاج لمعرفته فورًا.
“و قالت إنّ المراقب سيأتي و سيعطيني عملاً……”
“هل تعرفين كيف تعملين؟”
“لا أعرف. لكن إذا طُلب منّي شيءٌ ما ، فسأعمل بجدّ.”
شعرت بيلونا و كأنّه يسخر منها ، لذا تحدّثت بقوّة.
“اهتمّي بالأكل بجدٍّ فقط.”
لكنّ الرّجل أشار إلى الطعام مرّةً أخرى و كأنّه يمازحها.
“كيف يمكنني التحدّث و الأكل في نفس الوقت؟”
“بمهارةٍ جيّدة. لقد كنتِ تفعلين ذلك ببراعةٍ قبل قليل.”
غرزت بيلونا الشوكةَ في قطعة النقانق.
“على أيّة حال ، هذا ما قيل لي. أخبرتني أنّ أيّ أحدٍ يدّعي معرفتي هو كاذب. و طلبت منّي ألا أصدّق أحدًا أبدًا. و قالت أنّها ستأتي لزيارتي لاحقًا.”
بينما كانت تمضغ النقانق و تتحدّث ببطءٍ شديد ، تبيّن أنّ كلام القاضية كان كما توقّع ، مثيرًا للاشمئزاز.
مسح سوليشار خلف رأسه من شدّة الصداع. كانت آثارُ محاولة تهريب بيلونا منه تمامًا واضحةً للعيان.
في الوقت نفسه ، كانت القاضية تنوي عزل بيلونا و تركها حمقاءَ لا تعرف شيئًا. لعلّها أرادتها أن تعتبرها صديقتها الوحيدة لتفصح لها عن كلّ شيءٍ بينما تراقبها.
إنّها حياةٌ لا تختلف عن الموت.
كانت طريقةُ تفكيره قاسيةً و شريرة.
“أتعلم ، أيّها المراقب.”
ردّ سوليشار الذي كان يفكّر بصمت:
“سول.”
“نعم؟”
“ناديني بـ سول.”
الفتاةُ التي حُجبت ذكرياتها ، و مُسحت سجلّاتها ، بل و تغيّر اسمُها و لون شعرُها و كأنّه استهزاءٌ بها ، أجابت بسرعةٍ بعينين لا تعرفان شيئًا.
“حاضر.”
لا تزال عيناها اللتان تنظران إليه مباشرةً بلون الماء الصافي الشفّاف. شعر بضيقٍ في صدره.
* * *
اسمُ المراقب سول ، و اسم القاضية المحتالة التي تدّعي الصداقة مومونا كين ، و اسم صاحبة النزل اللطيفة جدًا آن ، و زوجها بول ، و ابنتُها نانسي التي ظننتُها خادمة. و اسمُ السّجينة بيلونا.
من بين كلّ الأسماء الجديدة التي عرفتها ، أحبّت بيلونا اسمَها أكثر من غيره. شعرت بأنّه جميل ، و فوق كلّ شيءٍ ، كان أروعَ بكثيرٍ من ذلك الاسم الغريب يانكي. لذا قرّرت ألا تختار اسمًا جديدًا.
بدلاً من ذلك ، خرجت إلى الفناء الخلفي للنزل لتتفقّد المقتنيات القليلة التي أعطتها إيّاها مومونا. كانت في الغالب أشياءً بسيطةً ، لا بأس من إعادتها لسجينة.
بينما كانت بيلونا تبحث في أغراضها ، وجدت مشطًا لامعًا به بعض الخدوش. و كان هناك شيءٌ دائريُّ الشكل من نفس مادة المشط. ما هذا؟
‘إنّها مرآة.’
عندما فتحت الغطاء ، انعكس شعرُها الأخضرُ الذي لا تحبّ رؤيته ، فأغلقتها بسرعة. الشيءُ التالي الذي أخرجته كان قلم حبرٍ. كان محفورًا عليه حرف “H” كبير ، و هو مختلفٌ تمامًا عن اسم بيلونا أو يانكي.
“ماذا يعني هذا؟”
لم تعرف. و علاوةً على ذلك ، كان هناك قلمٌ و لكن لم يكن هناك دفترٌ أو ورق.
فتّشت الحقيبةَ أكثر ، و لم يخرج منها سوى مفتاحٍ واحدٍ كان عالقًا في الزاوية بأعجوبة.
“ما هذا؟”
كان مفتاحًا عاديًا. محفورٌ عليه أرقامٌ صغيرة ، ليس كبيرًا جدًا و لا زخارفَ مميّزة فيه.
“2…..19.”
بما أنّها فقدت الذاكرة ، لم يكن للمفتاح و لا للأرقام أيّ معنى. كان المفتاحُ الذي وضعته على كفّها متآكلاً قليلاً من كثرة الاستخدام. هذا كلّ ما في الأمر.
‘هل كنتُ شخصًا يحبّ تمشيط شعره؟’
مرّرت المشطَ عبر شعرها مرّةً واحدة ، لكن كانت هناك عقدٌ كثيرةٌ حالت دونَ مرور المشط بسهولة. لذا تركت المشطَ عالقًا في شعرها و راحت تعبث بالمفتاح.
ماذا يمكن أن يكون؟ هل ربّما إذا مرّت عبر الباب الذي يفتحه هذا المفتاح ، ستصل إلى مكانٍ فيه شخصٌ يعرفها؟
“من أين حصلتِ على هذا؟”
سأل سول الذي كان يتفقّد الخيول و اقترب منها فجأة. كان دائمًا يرتدي قناعًا و غطاءً للرأس ، باستثناء الأوقات التي يتناولان فيها الطعام بمفردهما. قبضت بيلونا يدها على المفتاح لتخفيه.
“إنّه ملكي في الأصل.”
برزت شفتاها بضيقٍ و هي تؤكّد أنّه أحد ممتلكاتها الثمينة القليلة.
“آه. هل أعادوا لكِ ذلك؟”
بدا كلامُه و كأنّه مندهشٌ جدًا من استعادتها له ، فبسطت أصابعها مرّةً أخرى لتُريه المفتاحَ بحذر.
“هل تعرف ما هذا؟”
“إنّه مفتاح.”
“أقصد ، هل تعرف فيما يُستخدم؟”
“و كيف لي أن أعرف ذلك؟”
هزّ سول كتفيه بخفّة.
لماذا يتحدّث و كأنّه يعرف ثمّ يثير حيرتها؟ إنّه حقًا رجلٌ غريب. لوَت بيلونا شفتيها دونَ أن يراها و أعادت المفتاح إلى يدها بقوّة.
“لماذا تضعين هذا هناك؟ هل هي زينة؟”
كانت تتمنّى أن يبتعد ، لكنّه اقترب و لمس المشطَ الذي نسيته معلّقًا في شعرها. أمسكت بيلونا بالمشط و هي تتراجع مبتعدةً عن يده.
“إنّه مشط.”
“عليكِ أن تمشطي به ، لا أن تتركيه معلّقًا هكذا.”
سأل سول بابتسامةٍ خفيفة.
“شعري متشابكٌ و لا يريد النّزول.”
“أها.”
بالإضافة إلى كونه رجلاً غريبًا ، فهو يسخر منها في كلّ فرصة.
قطبت بيلونا حاجبيها و حاولت جاهدةً إنزال المشط. و لكن لسببٍ ما ، كان شعرُها متشابكًا لدرجة أنّ المشط لم يتحرّك قيد أنملة.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"