اجتاحتها نظراتُ عينيه المظلمتين من تحت غطاء الرأس.
“أنتِ لم تغتسلي ، بل غرقتِ في الماء.”
كان صوته يحمل نبرة استمتاعٍ واضحة.
اصطدم ضوءٌ خافتٌ بتلكَ العينين المظلمتين اللتين تطلّان عليها ، فجعلتهما أكثر سطوعًا ، و حينها فقط استطاعت رؤية لونهما بوضوح.
كانتا بنفسجيّتين.
لون نادر و جميل لا يمكن مقارنته أبدًا بلون شعرها الذي يشبه عُشبًا مضغه ثور ثمّ لفظه.
“أكملي استحمامكِ.”
سحب مقبض الباب للخلف.
“سأطلب منهم إحضار ملابس و ماءٍ ساخنٍ إضافي.”
ألقى نظرةً على ثياب المذنبة البسيطة ، ثمّ أغلق الباب و خرج.
عندما تبلّلت مالابسها ، شعرت أنها أصبحت أثقل و أكثر خشونة.
أمسكت الثوب الخشن ثمّ تركته دونَ سبب.
لا تزال لا تعرف أين تكمن المشكلة.
“يا آنسة ، لقد أحضرتُ الماء الساخن.”
و لكن ، هل هناك شيءٌ واحدٌ فقط تجهله؟
لا يهم.
فتحت المرأة الباب بوجهٍ مشرق لصاحبة النزل التي جاءت تحمل الكثير من الماء المغلي.
كانت تبدو طيّبة الملامح ، و رغم أن تنّورتها ابتلّت بالكامل ، لم تتوقّف عن الابتسام ، بل راحت تنقل مع الخادمة دلاء الماء الثقيلة مرّاتٍ عدّة.
و بعد أن امتلأ حوض الاستحمام و فاض ، أعطتها ملابس بديلة أيضًا.
و بفضلِ ذلك ، استطاعت غمر جسدها الذي بدأ يبرد في الماء الحار مجدّدًا.
“هيّا!”
لم يطفُ الماء المتماوج كالعادة. لكنها لم تشعر بخيبة الأمل.
لقد مرّ يومٌ واحدٌ فقط على ختم ذاكرتها ، و مع ذلك حدثَ أمرٌ مذهل!
ربّما كانت ساحرةً عظيمة.
لا ، بل من المؤكّد أنها ساحرةٌ عظيمة!
“وااااو…”
ظلت تتأمل يديها اللتين بدأتا تتجعدان من كثرة البقاء في الماء ، و هي تطلق زفرات الإعجاب باستمرار.
* * *
“أنتِ.”
رفعت المرأة رأسها عند سماع النداء.
كتم وليّ العهد تنهيدته.
كانت وجنتها منتفخةً بالفعل من شدّة الأكل ، و في فمها قطعة خبزٍ بني.
فمها صغيرٌ جدًا ، فكيف سيتّسع لكلّ هذا الخبز؟
بما أنه ناداها و ظلّ ينظر إليها فحسب ، مالت برأسها بتساؤل بينما ظلّ فمها يمضغ الخبز بجد.
كانت يداها تُمسكان بالسكين و الشوكة المغروزة في النقانق بقوةٍ ، و لا تتركهما.
وفي خضمّ ذلك ، لم تفارقها عادتها في فتح عينيها على وسعهما و التركيز و كأنها تستمع بإنصات.
حتّى شعرها الأخضر المتدلي كطحالب البحر المتعرّجة ، كان منظرًا مأساويًا.
لم يكن موقفًا يدعو للضحك ، لكنّه وجد حالتها مضحكةً إلى حدٍّ ما.
“تأكلين جيدًا.”
مضغت المرأة الخبز و هي تنظر إلى الرجل بارتياب.
كان قد خلع غطاء الرأس ، و كشف عن وجهه الذي كان يخفيه دائمًا و هو ينظر إليها. كانت نظراته و تعبيرات وجهه غريبةً نوعًا ما.
“هل هو لذيذ؟”
على أيّ حال ، كان عليها الإجابة.
أصدرت المرأة صوتًا غير مفهوم ، ثمّ هزّت رأسها بقوةٍ و هي تومئ.
اهتزت مع وجهها النحيل قطعة الخبز الكبيرة أيضًا.
ضحك سوليشار و كأنّ الأمر قد أذهله.
“يبدو أنه ينزلق في حلقكِ بسهولة؟”
توقّفت المرأة عن الحركة لبرهة و نظرت إليه.
لماذا يطرح سؤالًا كهذا بينما هو مَنٔ طلب لها الكثير من الطعام؟
لم تفهم السّبب ، لكنها هزّت رأسها بقوةٍ مرّةً أخرى.
إنه ينزلق بسهولةٍ تامة.
“آه ، حسنًا.”
بينما فقـدَ أحدهم شهيته تمامًا ، كانت المتسببة في ذلكَ تأكل بشهيةٍ مفتوحة.
لشدّة ذهوله ، أنزل يده تحت الطاولة و مسح على بطنه التي طعنتها هذه المرأة بالأمس.
رغمَ أنها كانت طعنةٌ عميقة ، إلا أنها اختفت تمامًا و كأنّ شيئًا لم يكن.
تمامًا مثل هذه المرأة التي نسيت كلّ ذكرياتها و صارت شجاعةً و هادئةً للغاية.
هناك أشياءٌ كثيرةٌ يريد معرفتها ، لكنه لا يستطيع السؤال.
حتّى عندما كانت تنظر إليه و هي مبلّلةٌ تمامًا في الحمام قبل قليل ، فمن المؤكّد أنها لم تكن تفكر في شيء.
كان سوليشار وحده هو مَنٔ تجمّد للحظة أمام وجهها الذي صار ناصعًا و عينيها الصافيتين بعد أن انسكب الماء عليها.
تردّدت المرأة قليلًا و هي تراقب رد فعله بحذر ، ثمّ بدأت تحرّك فكّها تدريجيًا.
كانت عيناها القلقتان تتنقّلان فقط بين الطعام و بينه.
“كلي كثيرًا.”
بما أنها تأكل جيّدًا ، فهذا أمرٌ جيد.
أشار سوليشار بيده بقلّة حيلة ثمّ أدار رأسه. فبما أنّ كلّ شيء قد انتهى بالأمس ، لم يعد هناك ما يستدعي اهتمامه.
مضغ ، مضغ.
كانت قطعة الخبز تقفز بمرحٍ أمام عينيه.
إنها مزعجةٌ حقًا.
في النهاية ، لم يستطع سوليشار الاحتمال و مدّ يده ليمسك بالخبز الذي يتحرّك بشكلٍ يشتّت الذهن.
و في الوقت نفسه ، انجذبت المرأة معه بقوّة.
“أنتِ ، ضعي شيئًا واحدًا من يدكِ.”
‘لا أريد!’
أحكمت المرأة إغلاق فمها على الخبز و شدّت يديها بقوّة.
لقد شعرت بنظراته و شكّت في أنه سيخطفه منها!
“لن آخذه منكِ ، لذا كلي شيئًا واحدًا في كلّ مرّة. كلي ببطء. ضعي كلّ ما في يديكِ. هيا.”
بعد فترةٍ من التهديد و الترغيب ، تمكّن سوليشار أخيرًا من انتزاع الخبز.
“لا تبتلعيه بسرعة ، امضغي عشرين مرّة.”
بمجرّد أن قال ذلك ، كان منظرها و هي تمضغ بغير رضا يستحقّ المشاهدة.
و مع ذلك ، كانت عيناها تتبعان قطعة الخبز التي أخذها منها بجنون.
حتّى عندما كان يحرّك الخبز يمينًا و شمالًا ، كانت تتبعه بجديةٍ و تنظر إليه ، حتّى شعرت بالدوار فنظرت إليه كأنه شخصٌ غريب و قطّبت ما بين حاجبيها قليلًا.
وضعَ الخبز على الطبق.
“ابتلعي كلّ ما في فمكِ ، و كلي ما في الشوكة أولًا ، ثمّ كلي هذا.”
مَنٔ يا تُرى أمر بختم ذاكرتها؟
كان من المفترض أن يستجوبها بعد إجراءات اعتقال و احتجاز قانونية ، لكنه وجد نفسه جالسًا يعلّمها كيف تأكل ببطء.
من غير المعقول أنها لا تعرف حتّى كيف تعدّ إلى العشرين.
جلس في المقابل متكئًا على الكرسي الصلب ، يراقبها و هي تمضغ عشرين مرّة ، ثمّ تبتلع بصعوبة و هي تعبّر عن استيائها بوجهها.
كانت هذه هي المرّة الأولى التي يراها تعبّر هكذا لأنّ أحدهم أخذ طعامها.
“اشربي.”
عندما ناولها كأس الماء ، أخذته بسرعةٍ و شربت ثمّ تنهدت بعمق كأنها مشردةٌ كانت تتضوّر جوعًا.
“هل قام السحرة بتجويعكِ؟”
سألها المراقب و هو يسند ذقنه على يده. أومأت المرأة برأسها مجددًا.
ثمّ قطمت قطعةً كبيرةً من النقانق ، و انبهرت صمتًا بالعصارة و النكهة الغنية.
الخبز لذيذٌ و لكن هناك ما هو ألذّ منه!
“قلتُ امضغي عشرين مرّة.”
المرأة التي كانت توشك على الأكل بلهفةٍ مرّةً أخرى ، توقّفت و نظرت إليه.
بطريقةٍ ما ، هو شخصٌ يملك هيبةً غريبة. لا يمكن لأحدٍ أن يتجاهله أبدًا. لسببٍ ما شعرت بأنّ قاضية الصلح نفسها ستكون حذرة معه.
كانت نظراته حادةً و ثقيلةً لدرجةٍ مماثلة.
كما انتبهت مرّةً أخرى لطوله الفارع و بنيته الضخمة.
خفضت عينيها بهدوء و بدأت تمضغ بوقار.
كان مضغ الطعام عشرين مرّةً يستغرق وقتًا أطول مما ظنّت.
و مع ذلك ، كانت تعدّ الأرقام بجدّ ، حين شعرت بنظرته الثقيلة.
عندما حرّكت عينيها ببطء ، وجدت الرجل يحدّق فيها بتمعّن.
‘أنا أفعل ما أمرَ به بجدّ ، فلماذا يفعل ذلكَ مجدّدًا؟
لقد أكملتُ العشرين مرّة ، هل يمنع عليّ أكل المزيد؟’
بينما كانت تنظر بقلقٍ تارةً إلى الطعام و تارةً إلى الرجل ، تنهّد هو فجأة.
“…..ألا تشعرين بالفضول أو الخوف من شيء؟”
خرجت الكلمات من فمه دون وعي.
مسح سوليشار طرف فمه الذي تحرّك من تلقاء نفسه.
لم يعد الأمر يهمه ، و لا يريد التدخّل ، لكنّ المشاعر المحطّمة التي فقدت شكلها لم تهدأ بعد ، و ظلت تطفو بدون وعي.
كانت الشظايا تصطدم ببعضها باستمرار لتشعل شراراتٍ بداخله.
كان ذلكَ طبيعيًا.
فقد حدث الأمر بالأمس فقط.
لكنّ المرأة التي نسيت كلّ ما حدث بالأمس ، مالت برأسها.
“الاسم…”
خرج صوتٌ صغيرٌ بالكاد يُسمع.
حينها فقط أدرك سوليشار أن هذه هي المرّة الأولى التي يسمع فيها صوت هذه المرأة اليوم.
“الاسم؟”
“أريد تغيير اسمي.”
قالت المرأة بصوتٍ خافتٍ و لكنه واضح ، و احتضنت وعاء الحساء بينما هو في حالة ذهول.
“لماذا الاسم؟”
شعر بالحيرة.
هل تريد تغييره لأنه اسم مجرمة؟
لكنّ المرأة التي رفعت رأسها قليلًا أجابت بوضوح.
“لا يعجبني. سأختار اسمًا جديدًا.”
كانت إجاباتها تزداد غرابةً مرّةً تلو الأخرى.
“إذًا ما هو الاسم الجديد؟”
“لا أعرف. لا أعرف سوى اسمين فقط ، لذا لم أقرّر بعد. لكنني سأختار اسمًا جميلًا.”
ثمّ التقطت قطعة الخبز التي قطّعها لها و بدأت تمضغ بجدّ.
تحرّكت وجنتاها المنتفختان بحيوية. لقد كانت تأكل بشهيةٍ تجعل حتّى الناظر إليها يشعر بالجوع.
سوليشار ، الذي لم يلمس شوكته لأنه لم يكن في حالةٍ تسمح له بالأكل ، بدأ حينها فقط بتقطيع حصّته من الخبز.
“اسمكِ الأصلي جميلٌ أيضًا.”
نظرت إليه المرأة نظرةً غريبةً جدًا.
كان هو يأكل نفس الخبز بنظافةٍ و رقيّ.
شعرت المرأة بإحراجٍ بسيط ، ففتتت الخبز و وضعته في الحساء ثمّ سألت.
“هل اسم ‘القبيحة’ جميل؟”
و لكن ، قد تكون هناك أذواقٌ متعدّدة في هذا العالم!
“يمكن للمرء أن يفكّر هكذا.”
أضافت ذلكَ بسرعة ، ثمّ فتحت فمها على وسعه لتأكل الحساء اللذيذ و الخبز المبلّل.
“لماذا اسمكِ هو القبيحة؟”
عندما حرّكت عينيها يمينًا و شمالًا ، وجدت الرجل يتحدث بجدية.
كان يملك شعرًا فضيًا يلمع بجمالٍ حتّى بين ضوء الشموع المتراقص.
شعرت المرأة ببعض التجمّد و قالت بصوتٍ خافتٍ جدًا.
“يانكي تعني القبيحة. أنا أعرف ذلك.”
“يانكي؟”
كان الرجل يملك حاجبين غليظين و مستقيمين يبرزان أكثر عندما يقطب ، و نظراتٍ متوهّجة.
و عيناه اللتان تكتسبان لونًا غريبًا تحت الضوء كانت تشبه عينيّ وحشٍ يلمع في الظلام.
“اسمكِ هو بيلونا.”
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"