انقضى أسبوع العطلة، ولم يثمر إلا عن نصف فصلٍ يتيم، وكتلةٍ من الضجر تسكن صدري.
كنت كلما خططتُ حرفاً، كرهتُ ما قبله وما بعده. جلستُ أمام المسودة لساعات، أرمقُ بياض الصفحة بعينين خاويتين، كأنني أنتظر معجزةً لا تأتي.
فجأة، بدت لي مخططاتي القديمة التي كنتُ أزهو بها، مجرد خربشاتٍ ساذجة، تفتقر للألق، وتخلو من سحر الجذب.
قلتُ في نفسي:
“لعله نضوبُ الإلهام، سأذهب للقراءة”.
لكن القراءة كانت فخاً نصبتُه لذاتي. كلما وقعت عيناي على سطرٍ مبدع، طعنني سؤالٌ حاد:
“مَن أنا لأقف في هذا الميدان؟”
هل أنا مؤهلة حقاً لبعثِ حياةٍ في رواية؟ أنا التي لا تزال تتعثر في حركات الإعراب، وتتوه بين علامات الترقيم! مَن سيلتفتُ لفيولا المبتدئة، بينما الميدان يعج بفرسان الكلمة وعمالقة السرد؟
سيطر عليّ اليأس، وقررتُ في لحظة جنون أن أمحو أثري.
فتحتُ الموقع لأحذف الرواية، لأسدل الستار على هذا الوهم.. ولكن، لسببٍ غامض، توقف الموقع عن الاستجابة.
حاولتُ وحاولتُ، وكان “الجمود” هو الرد الوحيد. وكأنَّ الأقدار كانت تمنعني من ارتكاب جريمة بحق نفسي.
رمقتني أمي بنظرةٍ يملؤها الدفء، ثم مالت برأسها قليلاً وهي تتأمل ملامحي الباكية بأسى، وبصوتها الذي يشبه ترتيلةً سماوية، قالت:
“ومن الذي أقنعكِ أنَّ الميدان لغيرك؟”
اعتدلت في جلستها، ورفعت يدها لتمسد خصلات شعري الملفوفة المتمردة خلف أذني، وتابعت بنبرة واثقة:
“منذ ولدتِ يا كونتيسة، والفصاحة تقتفي أثرك. أتذكرين غُربتنا؟ كنا في بلادٍ لا تنطق الضاد، وكان عمل والدكِ يفرض علينا لغاتٍ غريبة، حتى ظننا أن لغتكِ الأم ستضيع في الزحام”.
هنا، سكنت حركتها تماماً، وشردت عيناها في الفراغ كأنها تستحضر الماضي خلف جدران الغرفة، بينما بدأتُ أنا أرهف السمع، وقد توقف نحيبي فجأة وحلّ محله فضولٌ جارف، لتكمل:
“لكنكِ التقطتِ العربية كما التقط موسى الجمرة؛ بستر الله ورحمته. كنتِ معزولةً لجهلهم بلسانك، وظننا أن فصاحتكِ عسرٌ وضيق، ولم ندرِ أنها كانت مخبأةً ككنزٍ ثمين”.
أمسكت أمي كفي اليسرى، ورفعتها برفق أمام عينيّ وهي تضغط عليها بحنانٍ يقوي عزيمتي، وقالت:
“وما إن وطئت أقدامنا أرض الوطن، حتى أبهرتِ الجميع ببيانكِ، وأنتِ ربيبة الغربة! الميدان ميدانكِ يا ابنتي، وما خُلق إلا لكِ. العربية سلاحكِ، فخذيها بيمينكِ أيتها العسراء، لتقوّي بها جانبكِ الذي تظنينه ضعفاً”.
أطرقتُ رأسي إلى الأسفل، أراقب أصابعي المتداخلة، فما زال الشكُ ينهش صدري، وظننتها مجرد كلماتٍ طيبة من أمٍ تحاول جبر خاطر ابنتها المكسور، ولم أدرِ أن في جعبتها ما هو أبعد من ذلك..
التعليقات لهذا الفصل " 9"