1
استمتعوا
كنتُ أكره الأماكن المظلمة.
وكنتُ أكره الأماكن الساكنة أيضاً.
لذلك، حين متُّ للمرّة الأربعين، طلبتُ من مرضعتي.
“اقتليني في النهار! اقتليني وسط الضجيج!”
فرفعت المرضعة سجلّها بهدوء.
***
حتى لو سقطتُ من جرف، أو أُلقي بي إلى وحشٍ مفترس،
فإنّني لا أموت.
***
كان ذلك في يومٍ بلغتُ فيه ثمانية عشر شهراً من عمري.
“ساحر!”
حتى اللحظة التي أغمضتُ فيها عينيّ، كنتُ أستطيع لمس ذلك الشخص.
لكن بعدما نهضتُ من جديد، لم أعد قادرة على الوصول إليه.
“أبعدوا هذا الوحش عن ناظري حالاً!”
ذلك الشخص، أمّي ومنذ أن اختفت، جاءت المرضعة إلى جانبي.
كانت المرضعة ذات شعرٍ أصفر وعينين سوداويين، وعلى خلاف أمّي، لم تبتسم لي ولم تبكِ من أجلي.
لم يكن عملها سوى كتابة التقارير.
“لا تستطيع البقاء في مكانٍ واحدٍ طويلاً. يبدو أنّ قدرتها على التركيز أدنى بكثير من أقرانها، إلا أنّ قدرتها على الفهم والتطبيق تفوق مستوى النوابغ…”
كانت المرضعة تتمتم دائماً وهي تكتب تقريراً عنّي.
كان هناك كثيرون في هذه العائلة يدرسون سحر <الخلود>، غير أنّ المرضعة وحدها كانت تكتب التقارير.
وبحسب محتوى هذا التقرير، كان يُحدَّد جدول موتي للشهر التالي.
واصلت المرضعة تدوينها.
“يُرجَّح أنّ الموت المتكرر بإفراط يؤخّر نمو الجسد…”
وفي ذلك الشتاء، تجمّدتُ.
فكتبت المرضعة أيضاً.
“بغضّ النظر عن طريقة الموت، فإنّ الزمن اللازم للعودة إلى الحياة ثابت.”
وعندما بلغتُ الثالثة، تعلّمتُ كيف أستخدم قوتي السحرية الفطرية بدقّة.
وفي ذلك العام، نجحتُ في تقليص زمن عودتي إلى الحياة من نصف يوم إلى ثلاث ساعات.
لكن لم يفرح أحد.
“من المستحيل تقليصه أكثر من ذلك.”
عند إعلان رئيس المختبر، أطلق رئيس العائلة صوت امتعاض.
“عديمة الفائدة.”
“إنّها في الأصل كائنٌ ملعون. ثم إنّه لا يمكن ترويضها لا بالألم ولا بالموت. الأفضل عزلها قبل أن ينمو تفكيرها أكثر.”
“أفي الرابعة فقط لا ينفع معها غرس الأفكار؟ هه! إذن قد تصبح خطراً علينا في المستقبل.”
كنتُ أنظر إليهم بعينين مملوءتين بالفضول، ثم لمحتُ المرضعة بطرف عيني.
كانت تقف بلا تعبير، تُخفض نظرها، ولا تحمل في يدها شيئاً.
لا قلم، ولا ورق، ولا أيّ أداةٍ لتقييدي.
وكان ذلك أول مرّة منذ ذلك اليوم حين كنتُ في الثامنة عشرة شهراً.
“ماذا نفعل بها.”
حدّقتُ في المرضعة طويلاً، ثم نظرتُ مجدّداً إلى رئيس العائلة.
كان ينظر إليّ بعينٍ ناقدة.
عادةً ما كان ينظر كما ينظر إلى سيفٍ جيّد، أمّا الآن فكان كمن ينظر إلى سيفٍ مكسور.
‘آه… فهمت.’
المرضعة التي لا تكتب شيئاً.
المختبر السفلي الذي غادره معظم الباحثين.
وتلك النظرة من رئيس العائلة.
أدركتُ حدساً.
أنّ هذا اليوم سيكون يوماً مشؤوماً.
“الخالدة رقم 1.”
ما إن ناداني حتى سارعتُ إلى مقابلته بعينيّ، فأعلن.
“إنّما آويتُكِ ايتها الوضيعة لأنّي رأيتُ في تلك القدرة الملعونة نفعًا يُرتجى. فحتى وإن كانت ملعونة، فإن استُخدمت في سبيل الحاكم، فقد تصبحين سلاحاً عظيماً.”
حينها لم أفهم نصف ما قاله، لكنّي أدركته لاحقاً.
كان رئيس العائلة يكره السحرة.
ولذلك لم يكن يطيق حتى وجود ساحرٍ عادي في عائلته، فكيف بساحرٍ مولودٍ كذلك.
الساحر المولود هو كائنٌ نادر يولد غالباً في عائلات السحر، ويحمل منذ ولادته سحراً فريداً خاصاً به، إلى جانب سحر العناصر.
وبين السحرة يُعدّون مباركين، لكن في عائلاتٍ مقدّسة كعائلة رئيس العائلة، يُعدّون ملعونين.
ومع ذلك، فقد آووني لأن سحري لم يكن سوى <الخلود>.
كانت عائلة كلوفورد يعتقدون أنّهم إن درّبوني بإحكام وقدموني قرباناً للحاكم، فسينالون بركته.
وللقربان طرائق شتّى.
إمّا بقتل الضحية وتقديمها، أو إبقائها حيّة بعد محو وعيها لتُستخدم أداة، أو إرسالها إلى موتٍ يخدم مشيئة الحاكم.
“لكن تبين الآن أنّه لا يمكن الاستفادة منك.”
لم أكن أفهم تلك الملابسات آنذاك.
لكنّي فهمت أنّهم يقولون إنّي عديمة الفائدة.
وذلك طبيعي.
فلا يمكن قتلي، ولا ينفع معي غسل الدماغ، وليس لديّ قدرةٌ تُذكر سوى أنّي لا أموت.
“سأمنحكِ خياراً أخيراً.”
وبينما كنتُ على وشك أن أُحبط، قال لي.
“ستعيشين قرباناً إلى الأبد داخل بطن الأفعى العظيمة في القصر الإمبراطوري. وإن لم ترغبي في ذلك، فأثبتي خلال شهر أنّ لكِ قيمة في هذه العائلة.”
سمعتُ رئيس المختبر يتمتم بإعجاب.
“ما أرحم سيّدنا.”
لكنّي، دون أن أبالي بردّ فعله، كنتُ أحدّق إليه بعينين متسعتين.
‘إنّه طويل.’
لم يسبق لأحدٍ أن تحدّث إليّ بهذا الطول.
حبستُ حماسي بصعوبة، وأخذتُ أُمعن النظر في كلماته بدقّة.
إمّا أن أذهب إلى أفعى القصر الإمبراطوري، أو أثبت قيمتي؟
“الأفعى لا!”
أنا أكره الأماكن المظلمة.
وأكره الأماكن الساكنة.
وبطن الأفعى يجمع كلّ ذلك.
لذلك قرّرتُ أن أثبت نفسي.
“أستطيع الإثبات! أستطيع كلّ شيء! كيف أفعل؟“
هل سيجيبني رئيس العائلة؟
“سؤالٌ بديهي. اصطادي السحرة.”
قالها!
أخذتُ نفساً عميقاً وسألته مجدّداً.
“الصيد؟ اغتيال؟“
“نعم.”
جزّ على أسنانه مرّة، كأنّ الأمر يضايقه، ثم أخذ نفساً طويلاً وأكمل.
“وإلّا فلا سبب لإبقاء وحشٍ مثلكِ في هذه العائلة. خلال شهر، أحضري رؤوس ثلاثةٍ على الأقل. وإلّا ستُقدّمين لجلالة الإمبراطور طعاماً للأفعى.”
“سأُريك! سأُثبت! أنا…!”
سأُثبت، وأعيش كما كنت دائماً مع المرضعة والباحثين.
وسأتحدّث مع رئيس العائلة طويلاً مرّة أخرى.
“سأعود سريعاً! أستطيع فعل كلّ شيء!”
سأعيش دون أن أُحبس، كما كنت دائماً، مع من ينظرون إليّ ومن يدوّنون عنّي.
لم أكن أستطيع تخيّل حياةٍ خارج ذلك المكان.
كان أمراً مريحاً.
ظننتُ أنّهم سيتخلّون عنّي، فإذا بهم يمنحونني فرصة.
“حسناً، انصرفي.”
أصدر رئيس العائلة أمر الطرد.
أدار أول شخصٍ تحدّث إليّ طويلاً وجهه عنّي.
أردتُ أن أجعله يلتفت، لكن لم أجد وسيلة.
‘آه… الناس لا يسمعونني إلا حين أكون صاخبة، أليس كذلك؟‘
فصرختُ بأعلى صوتي.
“تعلمتُ الصيد أيضاً! أنا بارعة!”
“ما الذي تفعلونه؟ خذوها.”
سُحبتُ بيد المرضعة، وظللتُ أصرخ حتى أُغلق الباب.
“أستطيع أن أكون قاتلة مأجورة! المرضعة تعرف!”
“سننصرف.”
وبعد أن أُغلق الباب، صرختُ إليها أيضاً.
“إن نجحتُ سأعود! انتظريني! سأعود سريعاً، يا مرضعتي!”
وكما في كلّ مرّة، لم تفهم كلماتي.
لكنّي تمنّيتُ أن تبقى هناك من أجلي.
***
بعد ذلك، عدتُ إلى المختبر السفلي.
تركتني المرضعة التي كانت تمسك بيدي.
وقفتُ أحدّق في ذلك الفضاء الواسع الذي لم يبقَ فيه سواي.
لعلّه لا يوجد من يعرف ما في هذا المكان أكثر منّي.
قبضتُ على اليد التي كانت المرضعة تمسكها، وبدأتُ أفتّش المكان بصخب.
كما اعتدتُ أن أسمع، أخذتُ أشتم السحرة.
“سحرة! أيّها السحرة الملعونون!”
لم تكن الكلمات التي سمعتها طوال حياتي كثيرة، خارج ما يتعلّق بقدرتي.
ففي كلّ مرّة أعود فيها للحياة، كان أكثر ما أسمعه صرخات تصفني بالوحش.
ومع ذلك، كان ما لديّ من معلوماتٍ كافياً لأفهم ما ينبغي عليّ فعله الآن.
“سحرة ملعونون! شياطين!”
عائلة كلوفورد التي تشتم السحرة طوال اليوم.
كانت كلوفورد، إلى جانب العائلة الإمبراطورية في إمبراطورية أمارانسا، إحدى العائلتين المقدّستين الوحيدتين، وعائلةً عريقة ذات تاريخٍ مجيد.
ورغم أنّ ولادة وحشٍ ملعون في هذه العائلة العظيمة كانت أمراً مشؤوماً، فإنّ رئيس العائلة باحتضانه لهذا الوحش كان يبرهن بنفسه على رحمة المؤمنين بالحاكم.
كانت هناك كلمات كثيرة لا أفهمها، لكنّي حفظتها كلّها، ولذلك استطعتُ فهمها لاحقاً.
وكان هناك قولٌ آخر حفظتُه.
“الوحش الذي نال النعمة يجب أن يصطاد أشرّ الشياطين!”
وكانت أصعب الشياطين قتلاً تعني عائلات السحر الأربع في الأطراف.
والهدف واحد.
فقد كان رئيس العائلة يذكر إحدى تلك العائلات أكثر من غيرها.
“إيكاروس!”
إيكاروس الشتاء.
العائلة التي تواجه ‘وحوش الشتاء‘ أخطر الوحوش التي تهاجم مع كلّ فصل.
ولهذا قيل إنّهم أشدّ الشياطين غروراً ووحشية.
“سأذهب لهزيمة إيكاروس!”
صرختُ بصوتٍ عالٍ آمِلةً أن يسمعني رئيس العائلة، ثم نظرتُ حولي بحذر، منتظرةً ردّاً.
لكن لم يصلني أيّ جواب.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 1"