4
أخفيتُ ما في صدري من ارتباكٍ بصعوبة.
لم يُكمل دانيال كلامه عمدًا، لكنّني شعرتُ أنّه كان يُوبّخني.
لأنّه، رغم أنّه حيٌّ يُرزق وقد ذاع اسمه في أرجاء المملكة، لم أأتِ لزيارته أوّلًا.
‘لكن في ذلك الوقت، كان عليَّ أنْ أنسحب، كان ذاك هو التوقيت المناسب.’
إنْ أردتُ أنْ أختلق عذرًا، فذلك هو.
منذ أنْ أدركتُ في سنّ الثامنة أنّني تجسدتُ في عالم روايةٍ، كبرتُ مع الأبطال الذكور واحدًا تلو الآخر، وعشنا معًا سنواتٍ شاقّة امتدّت خمس سنواتٍ كاملة.
لكنّني كنتُ أتذكّر جيّدًا مشهد البداية في العمل الأصلي.
تبدأ القصة باحتراق دار الأيتام التي كان يعيش فيها دانيال وبقيّة الأبطال الذكور.
حريقٌ اجتاح دار الأيتام.
كان ذلك حدثًا ضروريًّا لا بدّ منه في العمل الأصلي.
فبسببه توطّدت صداقتُهم وروابطُهم العائليّة أكثر.
لكن لم تكن هناك قصّة من نوع ‘الشخصيّة الجانبيّة الأنثى التي تجاوزت الخطر معهم’.
‘صحيح، فالإعداد في العمل الأصلي كان أنّ جميع الأطفال الذين عاشوا في دار الأيتام احترقوا حتّى الموت داخلها.’
لكنّني نجوتُ.
ووفقًا للأصل، فإنّ أطفال دار الأيتام الذين كان يجب أنْ يموتوا وهم تلتهمهم النيران، نَجَوا جميعًا.
كان ذلك أوّل مرّة أحاول فيها تغيير مجرى العمل الأصلي.
وقد ندمتُ على ذلك ندمًا مريرًا.
منذ ذلك اليوم، قرّرتُ أنْ أعيش منفصلةً عن الأبطال الذكور.
اعتقدتُ أنّهم إنْ عرفوا أنّني متُّ، فسوف يستسلمون ويمضي كلّ شيء وفق مجرى القصّة الأصليّة.
صحيح أنّ الصداقة التي راكمناها كانت ثمينةً بعض الشيء، لكن كان يكفيني أنْ أرى أسماءهم لمحةً عابرة في الصحف وأشعر بالرضا وحدي.
‘لكن أنْ ينتهي الأمر بسكنٍ مشتركٍ فجأةً هكذا!’
لا أدري إنْ كان يصحّ أنْ أسمّي حياة الخادمة سكنًا مشتركًا، لكن على أيّ حال.
‘نعم، كلّ ما في الأمر أنّ يتيمةً ثانويّة رقم 1 من دار الأيتام أصبحت خادمةً ثانويّة رقم 1 في قصرٍ لا غير.’
رغم أنّه لا يُعقل أنْ يأتي السيّد بنفسه ليستقطب خادمة، لكن… على أيّ حال.
تنفّستُ تنهيدةً عميقةً خِلسةً عن دانيال، وأسندتُ رأسي إلى الجدار وأغمضتُ عينيّ.
* * *
“روزيتا.”
“أمـم…….”
“روييتا جينسن.”
هل غفوتُ للحظة؟
رفعتُ ذراعي المُخدَّرتين لا إراديًّا، إذ كنتُ نائمةً وأنا أحتضن السلّة.
وحين فتحتُ عينيّ المثقلتين، رأيتُ وجه دانيال وقد اقترب منّي كثيرًا.
فزعتُ وفتحتُ عينيّ على مصراعيهما، فإذا به قد وضع ظاهر يده بين صدغي وجدار العربة.
وحين تأكّد دانيال أنّني استيقظتُ، سحب يده بهدوء.
“انهضي.”
“ماذا؟ هل وصلنا بالفعل……؟”
“لا، ما زال الطريق طويلًا. سنبدّل العربة هنا.”
عندها فقط أدركتُ أنّ هذا المكان هو العاصمة.
يبدو أنّ العاصمة تقع بين دانتين وإقطاعيّات الأبطال الذكور.
توقّف دانيال عن النزول من العربة، ثمّ استدار ونظر إليّ مُحدِّقًا.
عيناُه اللامعتان، اللتان تُذكّران بالعقيق الأسود، جالتا على وجهي.
“……لماذا؟”
حين نظرتُ إليه بارتباكٍ طفيف، حرّك دانيال شفتيه وقال:
“امسحي اللعاب. مُقزِز.”
حدّقتُ فيه بوجهٍ مذهول.
رمى إليّ بمنديلٍ كان في حضنه، ثمّ نزل من العربة بخطواتٍ واسعة.
“يا هذا! هل يجب أنْ تقولها بهذه الطريقة المُثقِلة؟”
وبينما كنتُ أتمتم وأنا أمسح فمي، دوّى خارج العربة صخبُ الناس.
يبدو أنّنا توقّفنا في ورشةٍ تقع وسط ساحة العاصمة.
حين هممتُ بالنزول من العربة، مدّ دانيال، الواقف عند المدخل، يده فجأةً نحوي.
“ما هذا؟”
“تمسّكي وانزلي.”
قالها دانيال بنبرةٍ غير مبالية.
ما هذا؟ مرافقة؟ هل صار يهتمّ بالآداب بعدما أصبح نبيلًا……؟
“ولا تتعثّري وتسقطي فتُكسَري أنفكِ بلا داعٍ.”
“……يا هذا.”
‘حقًّا، وما فائدة النبالة؟ هذا دانيال الذي عرفته منذ أنْ كنتُ في الثامنة…….’
مع أنّ إعداده في العمل الأصلي كان أنّه رجلٌ جامدٌ وبارد، لكنّه أنيقٌ وحازم.
فلماذا يتحوّل أمامي وحدي إلى صاحب لسانٍ جهنّميّ؟
أمسكتُ بيده بوجهٍ عابس ونزلتُ من العربة.
ثمّ اتّسعت عيناي دهشةً أمام المشهد الذي انبسط أمامي.
كانت العاصمة أكثر تطوّرًا وفخامةً ممّا تصوّرت.
وخاصةً المكان الذي نزلنا فيه، إذ كان ساحةً قريبةً من القصر الملكيّ، وقد ازدحمت الأزقّة بالمحالّ والناس كأنّ هناك مهرجانًا.
“واو.”
لم أملك إلّا أنْ أُعجب أمام هذا الكمّ الهائل من الناس.
وبينما كنتُ أتصرّف بدهشة طفل، وقف دانيال إلى جانبي وضمّ ذراعيه ونظر إليّ.
“لا تقولي إنّ هذه أوّل مرّة تأتين فيها إلى العاصمة؟”
كان تعبيره يشبه تمامًا من ينظر إلى فأرٍ ريفيٍّ دخل المدينة للتوّ.
أحرجني ذلك، فأطبقتُ فمي المفتوح، ثمّ رمقته بنظرةٍ متحفّظة وقلتُ:
“كنتُ أزور المدن القريبة من القرى لشراء المؤن، لكنّ هذه أوّل مرّة آتي فيها إلى العاصمة. ولماذا قد آتي أصلًا؟ الأسعار غالية فقط. ألا تعرف المثل القائل إنّ من يفتح عينيه في العاصمة يُسرَق أنفُه؟”
[م.م : تعبير مجازي يدل على أنّ الإنسان في العاصمة قد يتعرّض للاستغلال والخداع إلى درجةٍ شديدة، وكأنّ الأذى لا يقتصر على المال أو الجهد، بل يصل إلى إهانة الكرامة وسلب أبسط الحقوق]
لكن بعد أنْ رأيتُ العاصمة بعينيّ، بدت المدينة الصغيرة التابعة لدانتين محرِجةً حتّى أنْ تُسمّى مدينة.
حقًّا، مركز المملكة! مدينة لا تنام!
لا بدّ أنّ ساحة العاصمة تتلألأ وتكون أروع بكثير ليلًا أو في أوقات المهرجانات.
وبينما كنتُ أتلفّت بفضولٍ نحو الناس المحتشدين، أمسك دانيال بمعصمي.
“لا تتلفّتي إلى كلّ مكان. إنْ ضعتِ فلن أجدكِ.”
“وهل أنا طفلة؟”
قال دانيال ذلك بنبرةٍ منزعجة، لكنّه كان يُمسك بمعصمي بلطف.
وكأنّه يخشى أنْ أفرّ مرّةً أخرى.
وبالفعل، كما قال، لو ضاع شخصٌ هنا فلن يُعثَر عليه بسهولة.
وبينما كانوا يبدّلون خيول العربة، أُتيحت لنا فرصةٌ للتجوّل قليلًا في ساحة العاصمة.
فمشيتُ ملتصقةً بدانيال أستكشف المكان.
وأثناء تجوالي بين المحالّ، وقعت عيناي على بائع مأكولاتٍ في الشارع.
رأيتُ فراولةً مثبّتةً على عودٍ ومغطّاةً بشراب السكّر.
كانت الفراولة المطلية بطبقةٍ شفّافة تبدو شهيّةً جدًّا.
وبينما كنتُ واقفةً أحدّق في منصّة العرض، قال صوتٌ:
“واحدة من هذه، من فضلك.”
كان دانيال قد وقف أمام البائع وفتح محفظته.
نظر صاحب المحلّ بيني وبينه، بين مظهري البسيط ومظهر دانيال الفاخر، ثمّ ابتسم له كاشفًا عن أسنانه.
“أوه، يبدو أنّ حضرة النبيل خرج في نزهةٍ بالعاصمة. السعر 15 بيلينغ.”
“ماذا؟ كم؟”
حدّقتُ في البائع بعينين لا تُصدّقان.
مجرد فراولةٍ على عودٍ مع شراب سكّر، وتكلف 15 بيلينغ؟
كنتُ أشتري قطعتين من حلوى مشابهة في مدينة أخرر بأقلّ من 5 بيلينغ.
لكن قبل أنْ أستفيق لأغضب من غلاء الأسعار، كان دانيال قد دفع الثمن وناولني الفراولة.
“كُلي.”
“…….”
حدّقتُ فيه بعينين واسعتين، ثمّ هدأتُ.
‘آه، صحيح. هذا ثريّ حديث النعمة.’
خمسة عشر بيلينغ لا تعادل شيئًا مقارنةً بالفوائد التي تضاف إلى ثروته لمجرّد أنّه يتنفّس.
كدتُ أنْ أنفجر غضبًا بلا داعٍ.
تناولتُ الفراولة بوجهٍ محرجٍ قليلًا.
وحين عضضتُها، انتشر طعمٌ حلو بسبب طبقة السكّر المغلّفة لها.
“لذيذة؟”
“هاه؟ آه، نعم. هل تريد لقمة؟”
ما إنْ سألتُه حتّى عبس دانيال كأنّ به وسواس نظافة.
“لماذا آكل ما لوّثتِه بفمكَ؟ مقزّز.”
“……أنتَ من سأل أوّلًا إنْ كانت لذيذة. هذا غريب.”
حاولتُ أنْ أبرّر بأنّ هناك جزءًا لم ألمسه، لكنّه لم يُصغِ إليّ.
إنْ كان الأمر كذلك، فليشترِ واحدةً لنفسه.
لماذا يسأل في كلّ مرّة إنْ كان الطعام لذيذًا؟
فثلاثون بيلينغ بالنسبة له لا تختلف عن ثمن علكة.
وأنا أمضغ الفراولة بصوتٍ مقرمش، قلتُ:
“كان يمكنك أنْ تشتري لك واحدةً أيضًا. أنتَ تحبّ الفراولة.”
ومع تلك الكلمات، تذكّرتُ يومًا من قبل عشر سنوات.
كان شتاءً قاسيًا، وكانت الرياح الباردة تتسرّب إلى مبنى دار الأيتام، فأُصيب دانيال بالزكام.
ولأنّ دار الأيتام كانت فقيرة، لم يكن هناك دواء، فخرجنا إلى القرية نلتقط العملات الساقطة.
قطعةً قطعة.
جمعنا ما سقط على الأرض وبين الشقوق، وذهبنا إلى بائع الفاكهة.
كنّا نذكر على نحوٍ غامض أنّ الفاكهة الغنيّة بالفيتامينات مفيدة للزكام.
وكانت هناك فراولةٌ حمراء زاهية على المنضدة.
وبعد عناءٍ طويل، اشترينا القليل منها وأطعمناها لدانيال الذي كان يحترق حُمّى.
‘كان طفلًا لم يستطع أكل أيّ شيء أيّامًا، ونحن الثلاثة نراقبه مأخوذين وهو يمضغ الفراولة ببطء.’
في ذلك الوقت، كان دانيال طفلًا لطيفًا يتلقّى الطعام بلهفة.
فكيف أصبح هكذا جامدًا؟
‘حسنًا، في ذلك الزمن كنّا بالكاد نسدّ الرمق. وكيف لا يكون كلّ شيء حلوًا في أفواه صبيانٍ وبناتٍ في سنّ النمو؟’
ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة وأنا أستغرق في الذكريات.
كنتُ أنظر إلى فرقةٍ موسيقيّةٍ تعزف قرب نافورة الساحة، حين شعرتُ بشيءٍ غريب.
التفتُّ، فرأيتُ دانيال واقفًا في مكانهِ بوجهٍ مظلم.
“ما بكَ؟”
“…….”
ظلّ دانيال صامتًا لحظة.
كانت نظراته كأنّها تريد أنْ تسألني شيئًا.
وفي عينيه السوداوين المليئتين بالتعقيد، ارتبكتُ بدوري.
تردّد طويلًا، ثمّ زفر تنهيدةً عميقةً وهزّ رأسه.
“لا شيء.”
……ما هذا؟ فاترٌ بلا طعم.
بعد أنْ التهمتُ سيخ الفراولة بالكامل، صعدنا من جديد إلى العربة.
كان الطريق من مدينتي إلى العاصمة يستغرق يومًا كاملًا، ولم يبقَ سوى بضع ساعاتٍ حتّى نصل إلى إقطاعيّة دانيال وقصره.
ما إنْ جلستُ حتّى أخرجتُ خلستًا خبزًا خبزهُ لي العجوز وأكلته.
فالفراولة القليلة لا تُشبِع.
لكن الغريب أنّ دانيال، بعد انطلاق العربة، لم ينم رغم ملامح التعب، بل ظلّ ينظر إليّ.
“لماذا تنظر إليّ هكذا؟”
كانت العربة تهتزّ بعنفٍ فوق الطريق الحجريّ.
“آه.”
سقطت الفتات من حجري إلى أرضيّة العربة، فبادرتُ قائلةً:
“سأنظّفها عند النزول. لا تقل شيئًا.”
“……ومن قال شيئًا؟”
“كان وجهك يوحي بذلك.”
نظر إليّ دانيال بوجهٍ مصدوم، لكنّ نظره ظلّ موجّهًا نحو السكون.
وبدا عليه أنّه يفكّر قليلًا، ثمّ قال بصوتٍ منخفض:
“……هل أنا من فرقَ عائلتكِ؟”
“ماذا؟”
توقّفتُ عن الأكل ونظرتُ إليه.
يبدو أنّه كان يُفكّر في انفصالي عن عائلة لين.
‘عائلة…’
فبعد عشر سنوات، كان الزمن الذي قضيته معهم أطول حتّى من سنواتي مع الأبطال الذكور.
صحيح أنّ أياً منهم لم يكن عائلةً بالدم، لكن منذ أنْ أخذتني عائلة لين يوم خرجتُ من دار الأيتام، بدأتُ أعدّهم عائلتي في داخلي.
‘مع أنّني لا أعرف ما الذي يفكّرون به هم.’
“لماذا؟ هل كنتَ ستعيدني؟”
سألتُه بحذر، لكنّه رفض بحزم.
“ليس هذا السبب.”
تبًّا، إنْ كان الأمر كذلك، فلماذا يسألني بذلك الوجه البائس وكأنّه يمنحني أملًا؟
رغم ارتباكي، تظاهرتُ باللامبالاة وواصلتُ مضغ السكون.
وكان وجه دانيال لا يزال معقّدًا.
“كنتُ أظنّ أنّ عائلتكِ هي نحن فقط.”
قال ذلك وهو غارقٌ في أفكاره.
“منذ اليوم الذي احترقت فيه دار الأيتام وتفرّق الأطفال، ومنذ أيّام الفقر المدقع، كنتُ أبحث عنكِ.
ما دام الجثمان لم يُعثَر عليه، فلا بدّ أنّكِ في مكانٍ ما. كنتُ أظنّكِ حيّةً، لا بدّ من ذلك.”
“…….”
“وإنْ كنتِ حيّةً، فقد ظننتُ أنّكِ تعيشين تعاسةً مثلنا. بلا مالٍ واحد، تتخبّطين لتعيشي. هكذا تصوّرتُ.”
قال دانيال هذه الكلمات الثقيلة بوجهٍ هادئٍ على غير متوقعٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 4"