1
“روزيتا، خُذي هذا إلى الجارة هنّا.”
كان صباحًا يفوح فيه عطر الخبز الشهيّ كعادته.
في وقتٍ مبكّرٍ، كانت الطيور تزقزق على أغصان الأشجار، وتنساب أشعّة الربيع برفق.
وقبل فتح المطعم، كنتُ أربط شعري بإحكام ثم توقّفتُ والتفتُّ برأسي نحو لينا.
على أحد جوانب المطبخ، كانت أكوام الخبز مكدّسة، وإلى جانبها لينّا.
“كنتُ أتساءل منذ الصباح لماذا تخبزين هذا القدر من الخبز…… أتعنين تلك السيّدة التي انتقلت حديثًا إلى قريتنا؟”
قلتُ ذلك بإعجاب، بينما كان عبير الزبدة يتصاعد بقوّة من الخبز الطازج الساخن.
وبلا وعي، مددتُ يدي أفتّش في السلّة، فضربت لينّا ظاهر يدي وقالت:
“ارفعي يدك فورًا. إن وضعتِه في فمك الآن فلن يمرّ الأمر بسلام.”
“ماذا! سنأكله بعد قليل على أيّ حال!”
“إيصال الخبز إلى الجارة أوّلًا، والطعام بعد ذلك.”
سواء تمتمتُ خلفها أم لا، واصلت لينّا بنبرة احترافيّة نقل ما تبقّى من الخبز إلى الصينيّة.
“العمّة هنّا؟ تلك التي انتقلت حديثًا إلى حيّنا؟”
“نعم، هي نفسها. قالت إنّها تطلّقت في مكان سكنها السابق وتعيش هنا وحدها الآن. يبدو أنّها لم تتأقلم بعد مع الحيّ، ولو أخذنا لها بعض الخبز فستسعدُ.”
“واو.”
“لم يمضِ وقتٌ طويل على انتقالها، وعلينا نحن على الأقلّ أن نعتني بها.”
فتحتُ فمي أراقب تصرّفات لينّا.
ورغم نقلها عدّة أرغفة إلى الصينيّة، لم تنقص كومة الخبز في السلّة.
كما يُقال، لا عجب أنّها ابنة العمّة ميريلين، فقد كانت يد لينّا سخية إلى حدٍّ مبالغ فيه.
‘لا بدّ أنّ ذلك الخبز سأراهُ على مائدة عائلتنا ثلاث مرّات في اليوم عبر الأقل.’
نظرتُ بمللٍ إلى كومة الخبز الضخمة ثم أدرتُ رأسي.
“تشدّدين عليّ كلّ يوم، لكنّك تهتمّين بالجيران بهذه العناية. حقًّا لا أدري، هل أنتِ ملاك أم شيطان يا لينّا.”
قلتُ ذلك متعمّدةً السخرية، فحدّقت بي لينّا بنظرة باردة تشبه تمامًا نظرة العمّة ميريلين.
“روزيتا جينسن، إن كان لديك وقتٌ للكلام الفارغ، فاخرجي وساعدي أبي في التنظيف. وإن ضبطتُكِ تتكاسلين مرّةً أخرى، فستندمين حقًّا.”
“حسنًاا، حسنًا.”
“الإجابة مرّة واحدة!”
حقًّا، لا تملك ذرة لطافة.
أخرجتُ لساني خلسة.
وبأمرٍ من لينّا، سلّمتُ الخبز إلى السيّدة التي انتقلت حديثًا، ثم عدتُ إلى المطعم ونظّفتُ الأرضيّة مع العمّ هانس.
كان هذا المكان قريةً صغيرة تُدعى دانتن، تبعد عن عاصمة المملكة مسيرة يومٍ كاملٍ بالعربة.
وكان مطعم عائلة لينّا، الواقع في أحد أركان دانتن، من أقدم مطاعم القرية، يستقبل السكّان والمسافرين منذ سنوات.
وبعبارةٍ أخرى، فهذا يعني أنّني أنا أيضًا، المقيمة عندهم، أستيقظ باكرًا وأساعد العمّ منذ عدّة سنوات.
طبعًا، مع أنّني أحصل على الطعام مجّانًا وأتقاضى أجرًا أيضًا.
“إن وُلدتُ من جديد، فسأولد نبيلة لا محالة. لن أنظّف بيدي، ولن أرتدي ملابسي بيدي.”
“قصدكِ اذا ولدتي كـ كسلانٍ وليس نبيلةً. كلامكِ سخيف.”
قبل الافتتاح، في وقت الغداء، قلتُ ذلك وأنا أدهن الخبز بالمربّى، فطقطقت لينّا بلسانها وأضافت نقدًا لاذعًا تطالبني فيه بالنضج.
“أغ، قاسية جدًّا.”
عبّستُ بحزن.
لكنّني وافقتها قليلًا.
فقد مرّت عشر سنوات منذ بدأتُ أعيل نفسي، ومع ذلك بدا أنّني لا أزال لا أتصرف بما يليق بعمري.
توقّفتُ عن التذمّر ونظرتُ من النافذة.
كان منظر الشمس في كبد السماء وزقزقة الطيور نابضًا بالحياة دائمًا، لكنّ هذه الحياة التي استمرّت عشر سنوات كانت تبدو أحيانًا غير واقعيّة.
‘لو لم أكن أعلم أنّ هذا العالم داخل رواية، هل كنتُ سأعيش بقدرٍ أكبر من اليأس والجدّية؟’
بشعورٍ غامض، أخذتُ قضمةً من الخبز الذي خبزته لينا صباحًا.
كانت القرمشةُ وضوء الشمس المتسلّل من النافذة كما هو في كلّ يوم.
* * *
أنهُ الآن وقت الغداء المزدحمِ.
حين يحين الغداء، يعجّ المطعم بالحركة.
صحيح أنّها تجارة متواضعة في قرية صغيرة، فالزبائن دائمًا هم أنفسهم تقريبًا.
لكن مطعم لينّا اشتهر بحسن الخدمة ومهارة الطهو، فكثر زبائنه الدائمون.
حتى إنّ من يُسأل عن مطعم يُنصح به، كان يرشّح هذا المطعم في أطراف القرية دون استثناء.
وأثناء انشغالي بنقل الحساء وشرائح الدجاج، كان الزبائن الآخرون يطالعون الصحف بانتظار طعامهم.
ومن بينهم، رجالٌ يبدون مسافرين بثيابٍ رثّة، يطالعون الجريدة ويتنهّدون.
“عاد خبر ذلك الثريّ الجديد للظهور. ألا عمل للصحفيّين؟ كلّ يوم حديث عن هذا الشاب الثري!”
“دعكَ من هذا، أليس أشهر شخصٍ هذه الأيّام؟ على الأقلّ في العاصمة. هاها.”
“لم يتجاوز الثالثة والعشرين، ومع ذلك يتقرّب من الملك وتُكتب عنه المقالات في كلّ مكان. يا لهُ من وقتٍ.”
“قلها بصراحة. تغار منه لأنّه صغير وغني.”
ظلّ الرجال يثرثرون بصخبٍ حول المقال.
لم أحتج حتى إلى النظر في الصحيفة لأعرف عمّن يتحدّثون.
الثريّ الجديد المحبوب لدى الملك.
ذاك الذي، حين هُزمت المملكة في الحرب وتلقّت ضربة اقتصاديّة قاسية بسبب التعويضات، أسّس قافلة تجاريّة لدعم المملكة، فكافأه الملك بلقبٍ ونطاقٍ من الأراضي.
وكان ذلك الثريّ الشاب شخصًا أعرفه جيّدًا.
رفعتُ رأسي بلا سبب وقد انتابني شعورٌ بالفخر.
‘في الحقيقة، هو وأنا كنّا في الميتم نفسه. كنّا مقرّبين جدًّا. بل كنّا أعزّ صديقين يومًا ما!’
……لكن حتّى لو قلتُ ذلك، فلن يصدّقني أحد.
ولا أملك طريقة لإثبات أنّني صديقتهُ.
“روز، كأس بيرة هنا!”
“يا عمّ، قلتُ لك لا تناديني روز! ثم ما هذه البيرة في وضح النهار؟”
وبّخته، فضحك وكأنّه توقّع هذا الردّ.
“روزيتا باردة جدًّا. ما الضير في لقبٍ لطيف؟ لسنا غريبين عن بعضنا. علاقتنا تمتدّ لسنوات.”
“سنوات أم لا، لا تناديني بلقب. هناكَ شخصٌ أخرٌ يخطر في بالي عندما تناديني هكذاَ.”
وضعتُ الكأس على الطاولة بقوّة، فاهتزّ الخشب.
نظر إليّ العمّ جاكسون بفضول.
“همم، دعيني أخمّن. حبيبٌ سابق؟”
“قلتُ لا!”
“النفي القويّ إثباتٌ قويّ.”
وتدخّلت لينّا، التي كانت تقدّم الطعام بجانبه.
رغم جفائها وقلّة كلامها، كانت تحبّ المزاح في مثل هذه اللحظات.
بينما يتمُ إغاظتي ، ضحك جاكسون ثم قال وكأنّه تذكّر شيئًا:
“آه، بالمناسبة، قيل إنّ نبيلًا وصل إلى القرية. هناك عربة لامعة عند المدخل.”
“ماذا؟ نبيل؟ إلى هذه القرية التي لا فندق فيها ولا نُزل محترم والطريق فيها خراب؟”
“قولي كلامًا ألطف…… فأنا عشتُ هنا طوال عمري.”
“ولِمَ جاء؟”
“من يدري.”
هزّ جاكسون كتفيه.
“لكن حدسي يقول إنّ قدوم نبيل إلى هذه القرية لا بدّ أن يكون لسبب.”
“نعم، نعم، بالتأكيد.”
“لماذا هذا البرود؟ مجيء النبلاء أمرٌ جيّد. ألم تقولي إنّك ستفتحين نُزلًا قريبًا؟”
“يا إلهي، لم يمضِ يومان على بدء البناء. سيستغرق الأمر سنوات.”
كما قال جاكسون، كنتُ أخطّط لفتح نُزلٍ صغير بأموال ادّخرتها على مدى قرابة عشر سنوات، وأموالٍ استدنتها من هنا وهناك.
فقد مرّت عشر سنوات منذ غادرتُ الميتم وبدأتُ العيش مع عائلة لينّا.
لا يمكنني الاتّكال على رعايتهم إلى الأبد.
وفي الحقيقة، كان هناك دافعٌ خفيّ أيضًا.
‘عشر سنواتٍ من العمل كنادلة. بدأتُ في الثالثة عشرة، فكيف تبقى مفاصلي سليمة؟ في العام المقبل، لا بدّ أن أفتح نُزلًا وأُدعى صاحبة المكان.’
رغم شعوري بالذنب إن علمت عائلة لينّا، إلّا أنّهم أيضًا سيحتاجون إلى دمٍ أصغر وأكثر نشاطًا منّي.
وطبعًا، كان الدَّين المرهون على النُزل هائلًا.
ثلاثة ملايين بيلينغ.
براتبٍ بالكاد يتجاوز خمسين بيلينغ في الساعة، سأحتاج إلى قرابة ثلاثين عامًا لسداده.
‘لكن بما أنّ النُزل سيُقام، فالعائدات ستكفي بطريقةٍ ما.’
ورغم تحمّل قرض ثلاثين عامًا، كنتُ سعيدة على طريقتي.
فهذا أوّل مشروعٍ لي بعد عشر سنوات من التشرّد كيتيمة.
تخيّلتُ نفسي أُدعى صاحبة النُزل.
لكنّ ذلك الخيال الحلو لم يدم طويلًا.
إذ عمّت الضوضاء أمام المطعم.
توقّفت لينّا عن التقديم وعبست وهي تنظر إلى المدخل.
“هل تشاجر الأوباش مجدّدًا أمام المتجر؟ روزيتا، اخرجي وتحقّقي.”
“هاه؟ أنا؟”
منطقيًّا، هل سيُجدي خروج فتاةٍ ضعيفة وسط شجار رجال؟
حدّقتُ بها وكأنّني أسألها عمّا أفعل، لكنها غادرت ببرود لتكمل عملها.
حسنًا، بما أنّها ستصبح صاحبة المطعم، فعليّ أنا أن أتنازل.
وفوق ذلك، أنا مدينة لهم.
تنفّستُ بعمقٍ ومشيتُ نحو المدخل ممسكةً بالممسحة، مستعدّةً لقذفها في وجوه المشاغبين إن لزم الأمر.
فالعمّ قال إنّ صوتي الأعلى في القرية.
“أيّها الناس! ما هذا الشغب أمام متجر غيركم؟!”
يقال إنّ صاحب الصوت الأعلى ينتصر في الشجار.
فتحتُ الباب بعنفٍ وصرختُ.
لكن، على غير المتوقّع، لم يكن هناك أحد.
كانت هناك عربة كبيرة واحدة فقط، وأطفال القرية يتجمّعون حولها.
همم؟ عربة فاخرة في قريةٍ كهذه؟
“……ماذا؟ قيل إنّ نبيلًا جاء. هل كان الخبر صحيحًا؟”
كانت العربة المزخرفة تقف بعيدًا قليلًا، والأطفال يحدّقون بها وهم يمصّون الحلوى.
ألا يلطّخونها بأنوفهم هكذا؟
وبينما هممتُ بالتقدّم خطوة نحو العربة……
“روز.”
توقّفتُ.
جاءني صوتٌ منخفض من الخلف، وفي اللحظة نفسها سرت قشعريرة في عنقي.
صوتٌ حفظهِ جسدي قبل رأسي……
وصوت الرجل الذي تهرّبتُ منه عشر سنوات.
استدرتُ ببطء بجسدٍ متصلّب.
لم يكن ما سمعته وهمًا.
كان رجلٌ يرتدي زيًّا أسود يتقدّم نحوي من بعيد.
وبدا كأنّه حاصد أرواح جاء ليأخذ حياتي.
لماذا هو هنا……؟
“روز.”
ناداني مجدّدًا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرةٌ حين اقترب.
ابتلعتُ ريقي وتراجعتُ خطوة.
لكنّ ظهري اصطدم بالحائط.
لا مفرّ.
همس الرجل ببرود:
“بل لا، يجب أن أناديكِ روزيتا جينسن.”
“أنتَ، أنتَ…….”
“صحيح، فاللقبُ ذاكَ لا يليق بمن تخلّت عن صديقٍ دام خمس سنوات.”
رغم التصاقي بالحائط، واصل الاقتراب.
لم أستطع تصديق الأمر.
رجلٌ لم أتخيّل يومًا أن ألقاه في مكانٍ كهذا، كان أمامي.
ماذا أفعل في مثل هذا الموقف؟
آه، صحيح!
“أم، أم…… أظنّك أخطأتَ الشخص؟ من…… أنتَ؟ هاها.”
لأتظاهر بالجهل!
“يا.”
“…….”
“أتريدين الموت؟”
مرّ وميضُ قتلٍ على وجهه، فضممتُ يديّ أمامي لا إراديًّا.
“……لا، لا. صحيح. أنا روزيتا.”
“…….”
عندها فقط، حرّكَ الرجل، بل دانيال، زاويةَ فمه بازدراء ونظر إليّ من علٍِ.
مرّت عشر سنوات، لكنّ وجهه المنحوت ظلّ جميلًا على نحوٍ لا يُصدّق، رغم السخرية المرتسمة عليه.
غير أنّ كلماته كانت باردة كريح الشمال.
“……ظننتِ أنّك إن اختبأتِ في هذا الريف فلن أجدكِ؟”
وكان وجه دانيال الجميل يقول لي شيئًا واحدًا:
لقد وقعتِ في يدي.
التعليقات لهذا الفصل " 1"