عند وصولهم إلى مدخل القصر الإمبراطوري، كانت مجموعة إليسا تستقل عربةً فاخرة بيضاء اللون.
كانت عربةً راقية مطرّزةً ببذخٍ بالأماثيست والياقوت، تمامًا كما في المرة التي اختطفتهم فيها الأميرة.
وكانت الخيول التي تجرّ العربة الرباعية، المتألقة والنقية كعروس، هي نفسها الخيول التي سُرقت من الأميرة الرابعة.
عند بوابة القصر، فتحت إليسا نافذة العربة قليلًا وقدّمت تصريح المرور والوثيقة التي كتبتها ملكة سيفيا بنفسها. فارتبك فارس القصر الإمبراطوري وسمح لهم بالعبور فورًا.
“تـ، تفضّلوا بالدخول.”
نادرًا ما يصل ضيوفٌ أجانب بهذا المقام الرفيع إلى القصر دون مرافق أو مراسم استقبال. غير أن دليلهم كان قد أضاعهم بالفعل، ولم يكن يفعل سوى انتظارهم بقلقٍ داخل القصر.
وقد واصلت العربة السير طويلًا حتى بعد دخولها أسوار القصر.
“من هنا فصاعدًا، لا يمكن للعربات المرور.”
بدأت مجموعة إليسا بالنزول ببطءٍ من العربة البيضاء. وانكشف أمام عينيها مشهد العائلة الإمبراطورية لإستروا، الأغنى في القارة.
أبراجٌ شاهقة لا تُقارن بتلك التي رُؤيت قرب الحدود، كانت تحيط بالقصر من كل جانب كأنها تحرسه، وفي الوسط ارتفع قصرٌ هائل يرسم قوسًا عظيمًا.
أما الحدائق المحيطة به فكانت خضراء وارفة، كأن المكان دفيئةٌ زجاجية لا تعرف الفصول الباردة.
تحت الإرشاد، توجّهوا سيرًا نحو القصر الداخلي حيث يقيم الإمبراطور.
وكان الطريق المؤدي إليه مرصوفًا بقرميدٍ مذهب، أشبه بطريقٍ ذهبي.
“واو….هل هذا ذهبٌ حقيقي؟”
تمتم فارسٌ شاب كأنه يحدّث نفسه. و أشار قائد الفرسان برأسه وكأنه يقول: إن كنتَ فضوليًا فاسأل بنفسك. فأنزل الشاب رأسه بسرعة، وقد بدا عليه الخجل.
وأخيرًا، فُتح باب القصر، ولدى دخولهم كان في استقبالهم الأمير الرابع، رينان تشيزار إستروا.
“لقد أعييتم أنفسكم في السفر من بعيد. تفضّلوا من هنا. جلالة الإمبراطور في انتظاركم.”
وكأن كل ما عانوه لم يكن بسببه، قال ذلك ببرودٍ متصنّع. ثم قادهم الأمير الرابع، بوجه مغطّى بقناعٍ من اللباقة، إلى قاعة الولائم الكبرى.
طوال سيرهم في الممر الطويل، كانت نوافذ الزجاج الملوّن تصطف على الجانبين. وعلى الزجاج النافذ للضوء، سُجّل تاريخ فتوحات الإمبراطورية.
كان الضوء المار عبر الألوان المختلفة يرسم على أرضية الممر صور الدول المجاورة التي أخضعتها الإمبراطورية، كأنها جدارياتٌ حيّة.
و تأملت إليسا ظلال الضوء المتراصة بألوانها، وفكّرت، أن يُعلّقوا مثل هذه الرسومات في ممر قاعة تُستقبل فيها الوفود الأجنبية….يا لهم من خبثاء حقًا.
وفي تلك اللحظة، التفت الأمير الرابع إليها فجأة وسأل،
“هل يعجبكِ هذا الممر؟”
كانت كلماته تشير إلى الممر، لكن تعابير وجهه قالت غير ذلك.
كان استفزازًا. كان يقول أن التاريخ التالي المنقوش على هذا الزجاج قد يكون تاريخ سيفيا.
لكن ثمة حقيقةٌ غفل عنها. فما هو منقوشٌ هنا ليس إلا تاريخ النجاحات فقط. أما الإخفاقات الكثيرة التي سبقت ذلك النجاح الواحد، فقد اختفت كظل.
ومن يسكر بالنجاح، ويغرس تلك الصورة في ذهنه كل يوم، ينسى تلك الحقيقة بسهولة.
وسيكون مصير سيفيا….فشلًا للإمبراطورية.
“إنه عملٌ فني خُطّت عليه أمجاد إستروا. أتساءل إن كان القادمون من سيفيا يملكون من الوعي ما يكفي لإدراك ذلك.”
و عندما لم تجبه إليسا، تابع حديثه. و كانت نظرته تقول بوضوح: هل تملكون فعلًا عينًا تميّز هذا؟
وفي الوقت نفسه، كان سؤاله جسّ نبضٍ سافر: هل ستنحني سيفيا للإمبراطورية أم لا؟
فابتسمت إليسا ابتسامةً خفيفة وأجابت،
“ما يُصنع لإرضاء ذوق من يدفع المال، دون وعيٍ أو قصد من الفنان، ليس عملًا فنيًا، بل مجرد نموذجٍ أجوف.”
تجمّد وجه الأمير الرابع كمن صُعق بصاعقة. لكنه سرعان ما ردّ،
“سحر الفن يكمن في اختلافه باختلاف زاوية نظر المتلقي. وقد استمعتُ جيدًا إلى وجهة نظر أدميرال البحرية في سيفيا.”
وكأنها تلقت مديحًا، أومأت إليسا برأسها قليلًا في إيماءة قبول. فأصاب ذلك الأمير الرابع بشيءٍ من الذهول.
أهي ساذجة؟ أم واثقةٌ بمهارتها إلى درجة تعتقد أنها ستخرج من هنا سالمة؟
لقد سمع بالفعل من شقيقته عن إليسا شوتر. كان عرض هروبٍ مذهلًا بلا شك.
لكن، ألم يكن ذلك لأن إينيس لم تكن مستعدةً جيدًا؟
كان خصومها أدميرالًا أجنبية، وقائد فرسانٍ يحرس الحدود الشمالية، بل وحتى قائد فرسان القصر الملكي في سيفيا.
لم يكن ممكنًا كشف فرسان الظل التابعين للإمبراطور أمامهم، ولا استخدام قوات نظامية حقيقية. لذلك لجأت إلى المرتزقة….وانقلبت الحيلة عليها.
لكن هنا الأمر مختلف. هنا هو القصر الإمبراطوري. عشراتٌ من فرسان الإمبراطور يحرسونه، وإن لزم الأمر يمكن استدعاء حرس العاصمة فورًا.
كانت هذه عاصمة إستروا. لم يكن في إستروا حتى ساحلٌ جنوبي. و طريق الهرب الوحيد كان البحر الشمالي المليء بالشعاب الجليدية والجروف المتجمدة، أو الطريق البري فقط، فكيف يخطط هؤلاء للحفاظ على حياتهم يا ترى؟
وفي اللحظة التي خطرت فيها هذه الفكرة للأمير الرابع، كان الرواق قد انتهى ووصلوا أمام باب قاعة المآدب الكبرى.
وحين فتح كبير الخدم الباب عند نهاية الرواق، اندفعت من الداخل أضواءٌ ذهبية براقة.
كان العمودان اللذان يرفعان قاعة المآدب مصنوعين بالكامل من الذهب، وكانت ثريا ضخمة تتدلى من السقف العالي تسلّط فوق الإمبراطور هالةً من الضوء.
ورغم أن شعره كان يشيب بلونٍ أبيض خافت، فقد ظل محتفظًا بهيبة تثبت أن هذا المكان لا يليق إلا به.
وتحت جلوسه على العرش، وقف أبناء الإمبراطور، الأميرات والأمراء، مصطفين في صفوف.
“ضيوفٌ من سيفيا إذًا. أهلاً بكم.”
“نتشرف بلقاء جلالة إمبراطور إستروا.”
بعد أن قدمت إليسا تحيتها بسرعةٍ للإمبراطور، راحت تتفحص هيئات الأميرات متجنبةً نظره.
كانت المعلومات التي تعرفها محدودة: الطول، والقوة.
كانت سريعة الحركة وخفيفة الخطى، لكن قوتها لم تكن كبيرة. وعندما واجهتها مباشرة، كان موضع الخوذة أسفل مستوى عينيها بقليل.
وبينما كانت تراقب جميع الأميرات، توقفت عينا إليسا عند امرأةٍ تقف بجوار الأمير الرابع الذي أرشدهم قبل قليل.
إنها تلك المرأة. كانت تمتلك عينين بلونٍ أخضر فاتح، وشعرًا ورديًا يبدو كأنه أشقر باهت. وبما أنه لا يحمل ألوان العائلة الإمبراطورية لإستروا، فلا بد أنها تشبه والدتها.
في العائلة الإمبراطورية لإستروا، حيث يُسمح بتعدد الزوجات، يقف الأمراء والأميرات في المناسبات الرسمية بجوار من يشتركون معهم في الأم نفسها.
وقد قيل أن هذه عادةٌ مضحكة نشأت لأن الإمبراطور، لكثرة زوجاته، لم يعد قادرًا على تمييز الأمهات من الأبناء.
“ألم تكن الرحلة شاقة؟ لقد سمعتُ للتو من قائد الفرسان أن الطريق اختل فلم تتلقوا إرشادًا في الطريق.”
كان ذلك كذبًا مكشوفًا.
“لا، لقد التقينا بالفعل بصاحبة السمو الأميرة السادسة.”
عند سماع ذلك، ارتسمت على وجه الإمبراطور ابتسامةٌ مستمتعة.
“قابلتم ابنتي؟ مع أن من أوصيتُه أن أكرم ضيافتكم كان ابني؟”
شحبت ملامح الأميرة السادسة حتى بدا وجهها شاحبًا كالموت. فلم تتخيل قط أن يُكشف هذا الأمر على السطح بهذه الفجائية.
وهو أمرٌ مفهوم؛ فقد تجرأت على سرقة ممتلكات أميرة، ثم ظهر ذلك اللص في القصر الإمبراطوري بكل جرأةٍ وكأنه يعترف بنفسه.
وتقدم الأمير الرابع بهدوءٍ مدافعًا عن أخته بدلًا عنها التي بدت مرتبكة.
“أرسلتُ أختي خارج العاصمة نيابةً عني. كنتُ أنوي استقبالهم منذ خط الحدود، لكن المرتزقة الذين استأجرتهم حطموا العربة واختطفوهم. جلالتك، كل ذلك بسبب تقصيري. أرجو أن تسامحني.”
كان الشرح الوقح المتواصل مثيرًا للذهول، لكن إليسا اكتفت بالاستماع بصمت. ولأنها بقيت ساكنة، لم يتقدم أدريان أيضًا واكتفى باتباعها.
“أمرتُ ابني أن يكرم ضيافتكم، ومع ذلك حدث ما حدث. كيف عساي أرد هذا الدين؟”
ارتسمت الابتسامة على شفتي الإمبراطور وهو يقول ذلك. فقد كان يستمتع بهذا الموقف. و كانت عيناه كمن يحرّك قطع الشطرنج ليرى كيف يمكنه جرّ هذه اللعبة لصالحه.
وأرادت إليسا أن تحطم ذلك التعبير الهادئ الوديع، وأن تكشف رغبته الحقيقية.
رغبته الحقيقية التي تتوق بقلقٍ وإلحاح إلى طريق البحر.
“إذاً، كاعتذار، هلاّ تعيد لنا صاحبة السمو الأميرة السيف الذي أخذته منا؟”
___________________
اصبري انتم جايين تنرفزونهم ولا تهدونهم؟😭
اينيس شكلها كيوت ماتوقعت شعرها فاتح وردي حق الكيوتين وكذا
التعليقات لهذا الفصل " 98"