كانت عربةً فاخرةً لا مثيل لها في العالم. طُليت الجدران بمزيجٍ من الرخام والأصباغ، وفي كل زاوية من مقاعد الوسائد التي تغطي مقاعد العربة الصلبة، رُصّعت أحجارٌ كريمة ملوّنةٌ مثل الياقوت الأزرق والجمشت والروبي.
وأمام النوافذ الزجاجية المسدودة بألواحٍ خشبية، لم يكتفوا بتعليق ستائرَ من قماشٍ أبيض خفيفٍ منسوجٌ بخيوطٍ ذهبية، بل ثُبّتت فيها أيضًا أحجار ألماس.
لو لامس الضوء المتسرّب من الزجاج تلك الزينة، لصنعت ظلالًا ضوئيةً جميلةً للغاية.لكنها الآن، وقد سُدّت النوافذ بإحكام بالألواح الخشبية، لم تكن سوى أحجارٍ بلا فائدة.
“تسك، هل هذا استقبالٌ لكبار الضيوف أم معاملةٌ للمجرمين؟”
تمتمت إليسا وهي تدحرج أحد أحجار الألماس المعلّقة بالستارة بيدها التي تحرّرت، ثم تبادلت النظر بين الحبال التي كانت تقيدها وبين العربة الفاخرة.
من الخارج، سيبدو الأمر وكأنهم يستقبلون ضيفًا كريمًا.
“عندما يحلّ الليل، لا بدّ أننا سنبيت في قصر أحد النبلاء.”
“أجل. فالمبيت في نُزلٍ بعربةٍ كهذه سيكون لافتًا للنظر للغاية، كما أن التورّط مع قُطّاع الطرق سيجلب المتاعب لا محالة.”
“كما أن ذلك سيكون أسهل في استخدام جنود الإقطاعي الخاصّين، أو حتى استئجار مرتزقةٍ عاديين.”
كانت إليسا تستمع بصمتٍ إلى حديث أدريان وقائد الفرسان، ثم ابتسمت ابتسامةً جانبية،
“إذًا، لن تتمكّن الأميرة من التجوّل و هي تصطحب فرسان الظلّ بأعدادٍ غبية في النهار؟”
فمهما كان، لا يمكن كشف فرسان الظلّ التابعين للإمبراطورية أمام النبلاء.
قد تكون هذه الرحلة أكثر متعةً مما توقعت.
***
في تلك الليلة، توقّفت العربة كما توقّعت مجموعة إليسا، أمام قصر الإقطاعي القريب.
“مرحبًا بقدوم سموّ الأميرة الإمبراطورية. إنه لشرفٌ عظيمٌ لنا أن تختاري بيتنا.”
ما إن وطأت الأميرة السادسة، إينيس، أرض القصر حتى انحنى الإقطاعي بانحناءةٍ كادت جبهته تلامس الأرض.
وبدا أن الأميرة معتادةٌ على هذا النوع من المبالغة، فتلقّت التحية بإيماءةٍ قصيرة من يدها، ومن دون أي مجاملات افتتحت الحديث مباشرة.
على الرغم من سلوك الأميرة المتعجرف وهي لا تزال صغيرة السن، ظلّ الإقطاعي متذلّلًا يراقب تعابيرها.
“ليسوا خصومًا يُستهان بهم. كونوا في حالة تأهّبٍ كاملة.”
“بالطبع. وكيف لنا أن نخالف أوامركِ؟ لكن، سموّ الأميرة، من هم هؤلاء تحديدًا حتى يكونوا بهذا الـ-”
“ليس من شأنكَ أن تعرف. لا تُكثر الفضول.”
ما إن صدر صوتها الحادّ حتى انكمش الإقطاعي فورًا،
“نعم، نعم! سأضع ذلك في ذهني. إذًا، تفضّلي بالراحة. وعندما يكتمل إعداد مأدبة العشاء، سأعود لاستقبالكِ.”
وقدّم لها حتى غرفته الخاصة، ثم انسحب مسرعًا من جانب الأميرة كأنه يفرّ.
بعد خروجه وإغلاق الباب، بدأت إينيس بخلع الدرع الثقيل الذي ارتدته طوال اليوم قطعةً تلو الأخرى.و شعرت بخفّةٍ تسري في جسدها.
وأخيرًا، نزعت الخوذة السميكة التي كانت تخفي بها وجهها.فاندفعت خصلات شعرها الكثيفة الناعمة من داخل الخوذة دفعةً واحدة.
نظرت إينيس إلى يديها. ما زالت تشعر بالوخز ذاته، كما في اللحظة التي صدّت فيها سيف إليسا شوتر.
رفعت سيف إليسا من بين الأسلحة التي انتُزعت منهم. وما إن تحسّست وزنه حتى انعقد حاجباها.
حتى في فرسان الحرس الإمبراطوري، لا يوجد كثيرون يستخدمون سيفًا بهذا الوزن. رغم ذلك، هل كانت تلوّح به بتلك الحرية؟
فتمنّت أن تخوض معها نزالًا حقيقيًا مرةً أخرى يومًا ما.
“سموّ الأميرة، تم إعداد العشاء.”
وصل صوت إحدى الوصيفات من الخارج، في اللحظة التي انتهت فيها إينيس من غسل جسدها من رائحة الحديد.
نزلت الأميرة إلى قاعة الطعام برفقة الوصيفة، وما إن جلست في مكانها حتى جلس الإقطاعي الذي كان ينتظرها.
“لقد بذل طاهينا قصارى جهده في التحضير، لكن لا أعلم إن كان الطعام يليق بذوق شخصيةٍ نبيلةٍ مثلكِ.”
كان الإقطاعي يتملّقها بإفراطٍ خوفًا من أن يسيء إلى مزاجها.
لكن لم يكن هناك داعٍ لكل هذا القلق. فقبل أن تتناول لقمتها الأولى على نحوٍ صحيح، دوّى في الخارج صوت انفجارٍ صاخب، تلاه صراخ.
“نـ، نار! حريق!”
“ما هذا التوقيت المشؤوم! يندلع حريقٌ في اللحظة التي يحلّ فيها ضيفٌ كريم! هؤلاء الأوغاد، يأخذون المال ولا يحسنون العمل!”
نهضت الأميرة من مقعدها واقتربت من النافذة الزجاجية الكبيرة. ومن خلف إطارها المزيّن بنقوشٍ معقّدة، كانت ألسنة اللهب تتصاعد بعنف. و كان الخدم يركضون في كل اتجاه محاولين إخماد النار.
وبسبب ضخامة الحريق، لم يعد الخدم وحدهم كافين، فحتى الفرسان الذين تتدلّى السيوف من أوساطهم كانوا يركضون حاملين الدلاء.
“أيها الحمقى! لقد قلتُ لكم أن ما يجب حمايته حقًا هو أمرٌ آخر!”
“سـ، سموّ الأميرة!”
اندفعت الأميرة بخطواتٍ واسعة نزولًا على الدرج، ولحق بها الإقطاعي خلفها مرتبكًا.
لكن ما إن فُتح باب القصر حتى توقّفت الأميرة في مكانها. فما لم يكن يُرى في الظلام بدأ يظهر الآن. لم يكن الناس وحدهم من يتحرّكون بعجلة.
هيييهـ—
كانت الخيول المذعورة تجري هنا وهناك، فتسبّبت في فوضى جعلت الناس عاجزين حتى عن إخماد الحريق كما ينبغي. كان المشهد جحيمًا حقيقيًا.
انشغل الفرسان بتهدئة الخيول والإمساك بتلك التي تحاول الفرار خارج القصر وربطها. و الإقطاعي، الذي كان يراقب الأميرة بقلق، أسرع وأمسك بأحد الفرسان ليسأله عن الوضع.
“ا، انتشر الحريق من الإسطبل أولًا. لحسن الحظ أُخرجتُ الخيول مسبقًا، لكن بسبب هلعها ما زالت الأمور.…”
ضاقت إينيس ذرعًا بالفارس الذي لم يذكر أهم ما يجب الإبلاغ عنه، فتدخّلت بحدّة.
“وأين العربة التي أمرتُكم ألا تُغفلوا عنها لحظةً واحدة؟ وأين المرتزقة الذين استُؤجروا؟ أين هم جميعًا؟”
“ذ، ذلك….يقال أنهم فرّوا فور اندلاع الحريق. بل إن من هدّد حارس البوابة وأجبره على فتحها هم أولئك المرتزقة….نعتذر بشدّة، سموّ الأميرة!”
جثا الفارس الذي كان يقدّم التقرير على ركبتيه أمامها.
“يا لهم من عديمي الفائدة.”
لم تستطع الأميرة كبح غضبها، فرمت سيفها أرضًا.
ثم اندفعت مسرعةً نحو المكان الذي كانت العربة مربوطةً فيه. لكن لم يبقَ هناك سوى حطام عربةٍ محطّمة إلى النصف.
وعلى التراب، كأن طفلًا كان يلهو، كُتبت كلماتٌ محفورة بحصى صغيرة. بخطٍ مستقيمٍ وأنيق.
[سنلتقي في القصر الإمبراطوري، سموّ الأميرة.]
“ها…!هاهاها.”
من ضربةٍ واحدة فقط، أدركت الأميرة من تكون إليسا شوتر.
ظلت تحدّق طويلًا في الكلمات المكتوبة على التراب، ثم لاحظت حجرًا يلمع بجانبها. و انحنت والتقطته، فبدأ الحجر الصغير، وقد انعكس عليه ضوء القمر، يتدحرج في كفّها.
وحين رفعت قطع الحطام وتفحّصت داخل العربة، لم تجد شيئًا.
لقد اختفت جميع الجواهر التي كان ينبغي أن تزيّن قماش المخمل والوسائد وستائر الحجاب، ولم يبقَ سوى الأقمشة الممزّقة والحشو المتناثر.
كان الأمر مثيرًا للسخرية. عندها فقط فهمت تمامًا كيف تمكّنوا من الفرار من هذا القصر.
وأدركت الأميرة إينيس حقيقةً أخرى أيضًا. من بين الخيول التي كانت تجري بجنونٍ في أرجاء القصر قبل قليل، لم يكن هناك لا الخيول التي تجرّ العربة، ولا الحصان الذي قدمت به.
كانت خيولًا مختارةً بعنايةٍ من القصر الإمبراطوري، من أجود السلالات وأسرعها.حتى لُجُمها كانت مرصّعةً بالجواهر. وقد اختفى منها بالضبط….تلك فقط.
المرتزقة يتحرّكون بالمال. و أدميرال البحرية القادمة من سيفيا استغلّت هذه الحقيقة على أكمل وجه.
أي أن إليسا شوتر، باستخدام مال الأميرة نفسها، رشَت المرتزقة الذين استُؤجروا بأمر الأميرة، ونجحت في الهروب من هذا القصر.
وربما كان إطلاق الخيول مسبقًا في الإسطبل لإعاقة إخماد الحريق جزءًا من خطّتهم أيضًا.
‘إليسا شوتر….يا لها من شخصيةٍ ممتعةٍ حقًا.’
نادراً ما وُجد من أيقظ روح التحدّي فيها إلى هذا الحد.
فصرّت إينيس على أسنانها وهي تحدّق في باب القصر الذي كان يُغلق الآن بلا جدوى.
***
كان الحصان الذي تمتطيه إليسا حصانَ الأميرة. سريعًا للغاية، ومدرّبًا على الطرق بإتقان.
كان لمعان شعره البني ونعومته مغريين إلى حدّ يثير الطمع حقًا. فربّتت إليسا على الجبهة التي تزيّنها علامة ماسية بيضاء،
“هيّا! تستطيع الركض أسرع من هذا، أليس كذلك؟”
وحين ضربت إليسا خاصرة الحصان بخفّة، استجاب لتوقّعاتها وزاد سرعته أكثر. بينما نظر أدريان إلى إليسا المفعمة بالحماس، ثم شدّ اللجام وحثّ حصانه ليلحق بوتيرتها.
وبعد أن صار يركض إلى جوارها، صاح أدريان بصوتٍ عالٍ،
“هل كان الأمر ممتعًا إلى هذه الدرجة؟”
وصل صوته إلى إليسا مع الريح التي تعصف عند أذنيها.
“وأنتَ؟ تجده ممتعًا، أليس كذلك؟”
‘نعم….هذه هي إليسا القديمة.’
إليسا الواثقة بنفسها، التي كانت تعرف تمامًا أنه لا شيء يمكن أن يؤذيها، وتدرك إدراكًا كاملًا أن مهارتها هي الأعلى.
كان شعرها الأحمر القاني يرفرف مع الريح في كل اندفاعةٍ للحصان، متوهّجًا أمام عينيه كاللهب.
زاوية فمها المرفوعة ببذخ، وعيناها المنحنيتان كالهلال، وغمازتاها الغائرتان في وجنتيها البيضاء الناعمة. كل ذلك امتلأت به عينا أدريان.
لا يعرف منذ متى لم يرَ هذا المشهد. لقد طال الغياب. إليسا شوتر التي تضحك هكذا أمامه صارت غريبةً عنه إلى حدّ مؤلم.
وكان ذلك مؤلمًا ودافئًا في آنٍ معًا، لدرجة أنه لم يستطع أن يشيح بنظره عنها ولو للحظة.
التعليقات لهذا الفصل " 97"