في غمرة الأمر، كانت القافلة قد غادرت قلب سيفيا ووصلت إلى أرضٍ قاحلة قرب خط الحدود.
فكّر أدريان أن هذه البرية اللامتناهية تشبه تمامًا جبال الشمال الثلجية.
الاختلاف الوحيد هو أنه بدل الرياح القارسة التي تهبط من قممٍ مكسوةٍ بالجليد الأبدي فتلسع العينين، كانت تهب من الصحراء ريحٌ غربيةٌ حارّة جافة لا تحمل قطرة رطوبةٍ واحدة.
كان المكان ساكنًا أكثر مما ينبغي، ومع ذلك فإن هذا السكون نفسه كان يخفي خلفه انهياراتٍ جبلية مرعبة وعواصف رملية.
مهما ركضوا وركضوا لم يتغير المشهد؛ المنظر ذاته يتكرر بلا نهاية.
و لو لم يكن هناك دليل، لما عرفوا حتى إلى أين يتجهون، وربما ظلوا يدورون في هذه البرية إلى الأبد، ثم يصبحون فريسةً لحيواناتٍ تحاول البقاء على تلك الأرض القاسية بأي شكل، أو يتحولون إلى عظامٍ بيضاء تتفتت مع الريح.
اختلطت حبات الرمل اللاذعة بالهواء الحار فصفعت خديه. و كان ذلك دليلًا على أن الصحراء تقترب شيئًا فشيئًا.
رفع رأسه فرأى أمام الأفق ظلًا أسود كثيفًا ممتدًا.
“أرى خط الحدود! لقد وصلنا!”
صرخ أحد الفرسان، وكان من الأصغر سنًا بين أفراد القافلة.
و كلما اقتربوا من شلريد، ازداد مزاج أدريان سوءًا.
إلى متى سيستطيع البقاء بجانب إليسا؟
لم يكن بإمكانه ترك الشمال فارغًا إلى الأبد. و قد تكون هذه المرة هي الأخيرة.
إن لم تُحل الأمور مع الإمبراطورية على نحوٍ صحيح، فقد ينفجر الأمر في النهاية بحرب.
وحينها،
‘ستعيدني الملكة إلى الشمال مجددًا.’
لن يكون بمقدوره الإبقاء على هذه الخطوبة الكاذبة التي تشبه لعب الأطفال في الجنوب إلى الأبد.
لكن….ماذا لو اقترب أحدهم من إليسا في تلك الأثناء؟
‘ألن يكون ممكنًا أن تنسى قبلةً مع رجلٍ مثلي لم أكن إلا وسيلةً لتفريغ قلبها، ثم تمنح تلك الفرصة لرجلٍ آخر؟’
ألم يرَ مرارًا كيف احمرّ وجه إينوك أمام إليسا؟
ثم من يكون إينوك فيتزجيرالد أصلًا؟ أليس هو ذلك الذي خطف الفرصة التي ضيّعها هو؟
حتى الآن، كاد الدم يصعد إلى رأسه كلما تذكر يوم الحفل، حين كان إينوك فيتزجيرالد يرقص مع إليسا.
بل إن إليسا لا تزال تحاول أن تغطي على كل ما حدث هذه المرة بسبب إينوك فيتزجيرالد.
وفوق ذلك….كيف له أن يعرف كم شخصًا آخر في الجنوب يحمل المشاعر نفسها تجاه العقيد فيتزجيرالد؟
تملّك القلق أدريان، فالتفت لا شعوريًا بنظره نحو إليسا.
وفي تلك اللحظة، التقت عيناه بعينيها مباشرة، وكأنها كانت تراقبه منذ وقت. فاتسعت عينا أدريان من الصدمة. لكن إليسا، وكأنها غارقةٌ في فكرةٍ ما، لم تتجنب نظره.
راحت عينا إليسا تمسحانه من رأسه حتى قدميه بلا تفويت.
لم يكن احمرار أذنيه حتى كادت تلسعانه بسبب الريح الرملية اللاذعة، و لم يكن السبب حرارة الشمس التي تصب من فوق رأسه. بل كان يشعر أن عيني إليسا الذهبيتين أشد حرارةً من شمس هذه البرية التي لا ظل فيها.
وكان يخاف أحيانًا، فجأة، أن تحرقه لمجرد أنها تنظر إليه بتلك الطريقة.
لم يكن هو نفسه يعرف ماذا يريد أن يفعل.
“في قاعة الحفل….ماذا تحدثت مع لودفيكا بوتيين؟”
شدّه الموضوع الذي لم يتوقعه إطلاقًا، فتوتّر أدريان.
وكأنه لا يريد أن يضيف ذرة سوء فهم، أسرع في الكلام.
“قلت لها ألا تقترب منكِ مرةً أخرى. حقًا، هذا كل شيء.”
“ومتى قلتَ لها ذلك التحذير؟”
“قبل أيامٍ من إقامة حفل ميلاد الأميرة. و.…”
“و….؟”
أغمض أدريان عينيه بقوة. فقد كان عليه دائمًا أن يفترض أسوأ الاحتمالات عندما يفتح حديث الأكاديمية مع إليسا.
“….حتى عندما طُردت بوتيين من الأكاديمية.”
كان ذلك نصيبه الذي يجب أن يتحمله. فبسبب أدريان أوبرون، ذاقت هي إهاناتٍ كثيرة لم يكن ينبغي لها أن تعيشها.
ولم يكن ذلك تحذيرًا لبوتيين وحدها، بل لهم جميعًا.
“أعرف أنكِ لن تصدقيني.”
لكن تعبير إليسا كان مختلفًا قليلًا عن السابق. لم تصرخ بعد، ولم تدر بفرسها فجأة وكأنها لا تريد الحديث معه.
“لماذا فعلتَ ذلك حينها؟”
كان استمرار الحديث معجزةً بحد ذاته. فشعر أدريان بشيءٍ من الذهول.
‘هل….ستصدقني؟’
“لأنها أهانتكِ بالطبع.”
“إذًا….أنتَ في ذلك الوقت لم تكن تقصد إهانتي؟ لم تطلب مني الرقص لتسخر مني؟”
“لا. لم يكن ذلك. ألم أقل لكِ ذلك طوال الوقت؟”
كان أدريان يظنّ، بطبيعة الحال، أن الحديث سينتهي هنا.
فإليسا التي لا تصدقه وكأن ذلك أمرٌ بديهي، وإليسا التي لا تريد حتى سماع قصته….كانت هي إليسا التي اعتادها أكثر من أي شيء.
لكن….
“إذًا لماذا؟”
اليوم، لم تتوقف إليسا عند ذلك.
لم يفهم أدريان سؤالها، فالتفت نحوها. وفي عيني إليسا التي التقت بعينيه كان هناك ارتباكٌ واضح.
“إذًا….لماذا طلبتَ مني الرقص يوم الحفل؟”
كان هناك شيءٌ قد تغيّر.
‘لماذا؟’
أيمكن أن يكون.…؟ هل تريد أن تسمع هذا الجواب ثم تنطلق بخفةٍ إلى شلريد؟
هل تريد أن تذهب إلى شولتز توغراهان دون أن تترك أي تعلقٍ خلفها؟
لم يستطع أدريان أن يصل إلى نتيجةٍ غير هذه. وإلا….فكيف يمكن لإليسا شوتر أن تمنح أدريان أوبرون فرصة؟
ما إن وصل تفكيره إلى هناك حتى شعر وكأن رأسه قد امتلأ بالبياض.
“إن كنت لا تريد الإجابة، فلا بأس.”
كانت إليسا تنتظر رد أدريان، وحين لم يبدُ عليه أنه سيجيب، شدّت لجام حصانها وكأنها لم تعد تملك أي تردد.
“هيّا.”
ثم مدّ أدريان يده على عجل وانتزع لجام إليسا. فحدّقت فيه بغيظ، لكنها بدأت تخفف سرعة الحصان تدريجيًا.
“إذا أجبتُ عن هذا السؤال….هل ستذهبين دون تردد إلى شولتز توغراهان.…؟”
ما إن سمعَت إليسا كلامه حتى انقبض وجهها فجأة.
“ما هذا الهراء اللعين؟”
“أسألكِ: هل ستذهبين إلى شولتز توغراهان بمجرد أن تسمعي إجابتي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 90"