من خلف الأمير الأول الذي لم يستطع كبح غيظه وهو يرى الأمير الرابع يتسلّم المرسوم، سُمِع صوتٌ خافت يهمس.
“لا يزال جلالة الإمبراطور ينظر إلى هذا الاتجاه.”
بكلام المستشار، تمكّن الأمير الأول بصعوبةٍ من إخفاء تعابير وجهه.
ثم فتح الإمبراطور، الذي كان يحدّق برضى في الرقعة التي نسجها بنفسه، فمه،
“إذًا، يمكن للجميع الانصراف الآن.”
ما إن توارى الإمبراطور خلف الستار الأحمر حتى نهض الأمير الأول أولًا بعنف، وتبعه خدمه على عجل.
تدفّق ضوء الظهيرة عبر نوافذ الممر المزيّنة بالزجاج الملوّن، فتلون تاريخ إستروا بألوانٍ زاهية فوق الرخام.
من الإمبراطور المؤسس، الذي لم يكن سوى غريبٍ من الشمال جمع قواه وصنع اسم إستروا، إلى سيوف ملوك الفتح الذين جعلوا منها قوةً تهيمن على القارة، وطرق التجارة التي تعبر الإمبراطورية، وحتى والده الذي قطع رأس آخر ملوك شولتز.
اصطكت أسنانه غيظًا.
الإمبراطور التالي الذي سيُخلَّد هنا كان يجب أن يكون هو. ألبرتو تيروس إستروا، كان ينبغي أن يُنقش اسمه وهيبته في هذا المكان.
لولا شولتز توغراهان، ذلك الرجل، لكان قد أصبح وليًّا للعهد منذ زمن. فبعد أن عاد مهزومًا من الحرب معه، أجّل الإمبراطور مراسم تنصيب وليّ العهد الأول إلى أجلٍ غير مسمّى.
حتى حين أصرّ الوزراء على ضرورة الإسراع بتنصيب وليّ للعهد قبل أن تتدهور صحة الإمبراطور أكثر، لم يرفّ له جفن.
كان عليه أن يمسك بفرصة أخرى. والآن، كان أمام عينيه من اختطف تلك الفرصة.
“أخي.”
“رينان تشيزار إستروا.”
حين نادى الأمير الرابع الأمير الأول، انحنى المستشار والخدم الواقفون خلفه في آنٍ واحد.
“لقد أولاني جلالة الإمبراطور مهمةً جسيمة، لكنني قد أكون قاصرًا، وربما أحتاج إلى عونكَ يا أخي. أرجو أن تمنحني نصحكَ إلى جانبي.”
“وما الذي قد يصعب عليكَ يا رينان؟ في النهاية، أليسوا مجرد جنودٍ من سيفيا؟”
“لقد هُزمت إستروا بالفعل في الحرب السابقة مع شلريد. أليس من الأفضل أن نتحلّى بمزيدٍ من الحذر؟”
عند هذا الاستفزاز الصريح، تشوّهت ملامح الأمير الأول قليلًا. و خشي مستشاره أن يتهوّر، فسارع إلى التدخل.
“هل يخشى سموّ الأمير الرابع الحرب؟”
“ما الذي تقصده؟”
“يبدو كلامكُ وكأن الأمير الذي يحظى بثقة الإمبراطور يخشى مجرد سيفيا النائية.”
“انتبه لكلامكَ. القادمون من سيفيا وفدٌ دبلوماسي. ملكة سيفيا أرسلتهم لتبديد سوء الفهم بين سيفيا والإمبراطورية.”
“….…”
“لم يأتوا إلى إستروا لإشعال حرب.”
وبصوتٍ حاسم، أنهى الأمير الرابع الكلام، فانحنى المستشار سريع الفهم معتذرًا.
“لقد زلّ لساني.”
و لم يعد الأمير الأول يحتمل غطرسة الأمير الرابع، فتقدّم بنفسه.
“كفى عند هذا الحد. العيون كثيرة، والمشهد ليس جميلًا.”
“نعم، يا أخي. إذًا، سأنسحب الآن.”
ما إن انتهى الكلام حتى استدار الأمير الأول وخرج من الممر دون أن يتلقّى تحية أخيه كما ينبغي.
و ما إن عاد إلى قصره حتى رمى سترته العسكرية بعنف، فسقطت بقوةٍ على وجه الخادم الذي كان يستعد لتلقّيها. وكأن الأمر مألوفٌ لديه، نزع الخادم السترة عن وجهه واختفى من مجال نظر وليّ العهد.
و ظلّ لفترةٍ طويلة يزمجر مفرغًا غضبه.
“من يظن نفسه حتى يجرؤ على استفزازي؟”
“سموّك، أرجوكَ اهدأ.”
“ماذا كنتَ تفعل لتدع الأمور تصل إلى هذا الحد؟ هل ستقف متفرجًا بينما ينال ذلك اللعين ثقة أبي ويبني لنفسه قاعدة دعمٍ صلبة؟”
وفي نوبة غضب، ركل وليّ العهد الأول الطاولة بقدمه، فتدحرج الحبر والأقلام وحامل الشموع أرضًا.
بينما نظر المستشار إلى الرجل العاجز حتى عن ضبط غضبه، وابتلع تنهيدة.
كان يعرف جيدًا كيف يطفئ غضب الأمير في مثل هذه اللحظات. أن يخفض نفسه إلى أقصى حد، ويتملّق، ويتظاهر بالخضوع لسلطته وقوته.
كان الأمير يحاول تأكيد سلطةٍ لم يمنحها له الإمبراطور بعد، من خلال قمع من هم دونه.
كانت تلك النفسية الدنيئة مثيرةً للاشمئزاز. لكنها كانت ثمرة سنواتٍ من الجهد، ولم يكن ممكنًا إفشال كل شيء ٍالآن.
“لـ، لدي! لدي حيلةٌ لتغيير قلب جلالة الإمبراطور.”
ركل المستشار حامل الشموع المتدحرج بقدمه، وأمسك على عجلٍ بطرف ثوب وليّ العهد. فنظر إليه الأمير بتعالٍ، بعينين تقولان: لنَرَ ما سيقوله فمك.
كان يستطيع تحمّل مثل هذا الإذلال. فما زال الوقت يتطلّب منه الانحناء أكثر.
***
“إينيس. لماذا أنتِ هنا؟”
عاد الأمير الرابع إلى القصر، وكان في استقباله الأميرة السادسة إينيس.
و تجاهلت سؤاله وألقت كلماتها على عجل.
“يا أخي، يجب أن نغتنم هذه الفرصة.”
“…….”
“وإلا فإن الأمير الأول سيقتلكَ أولًا فور وفاة أبينا.”
“أعلم. لا بد أن أخي الأكبر يدبّر أمرًا ما.”
“بل بالأحرى مستشاره هو من يدبّر. أنت تعلم، ألبرتو لا يملك عقلًا لمثل هذا.”
“إينيس. نحن في القصر. احذري كلامكِ.”
لكنّه كان يعلم ذلك أيضًا.
“قد نحتاج إلى زيادة حراسة وفد المبعوثين.”
“اترك ذلك لي.”
و ابتسمت إينيس بثقة.
“لكن، إينيس.”
“نعم؟”
“هل هذا حقًا ما يريده جلالة الإمبراطور؟”
أمالت إينيس رأسها باستغراب. ولأنها لم تفهم من المرة الأولى،
“هل حقًا نية أبي أن يأتي وفد سيفيا بأمانٍ ثم يعود بأمان؟”
“ذاك….ما الذي تقصده الآن؟”
“إلى أي حدٍ أنتِ واثقةٌ أن جلالة الإمبراطور يريد السلام؟”
أمام سؤال أخيها، لم تستطع إينيس أن تفتح فمها بسهولة.
كان الإمبراطور يريد البحر الجنوبي. وقد فشل مرةً بالفعل. والآن، جاءت الفرصة من جديد.
حينها فقط استطاعت إينيس أن تفهم كلام أخيها كله. أن ما يريده أبيها هو الحرب.
كانت إينيس في ارتباك، ثم بدأت تستعيد هدوءها تدريجيًا. ولمعت نظرتها بحدة.
“إذًا، قل لي يا أخي.”
“…….”
“ماذا تريدني أن أفعل لكَ؟”
***
امتثالًا لأوامر إليسا، كان إينوك في طريقة إلى الجنوب، وهو يتساءل لماذا عليه أن يركض على ظهر حصان لأسبوع كامل.
لو كان يركض وحده لكان قادرًا على العودة إلى البحرية خلال ثلاثة أيام. لولا ذلك الحمل الثقيل الملاصق له.
“يـ، يا سيادة العقيد….ألا يمكننا أن نستريح قليلًا؟”
تحت نظرة إينوك التي لم يُخفِ فيها احتقاره، لم يجد برايان بدًا من إدراك الحقيقة: أنه صار هذه المرة أيضًا عبئًا.
حين رأى برايان المتصبب عرقًا يلهث، نقر إينوك بلسانه ثم أوقف الحصان.
“شـ، شكرًا لكَ.”
ما إن نزل برايان عن الحصان حتى انشغل باللهاث وهو يخرج قِربة الماء ويسكبها في فمه.
“برايان نورث….عندما نعود سأُدخله البحرية، وحتى ذلك الحين درّبه جيدًا واجعله جنديًا.”
لولا أمر إليسا الذي صدر وهي تغطي ذنبه وترسله إلى الجنوب، لكان إينوك قد تركه فعلًا ومضى.
وكان هناك سببٌ آخر لعدم ارتياحه لذلك الجندي البحري الصغير الذي يتبعه كظله.
‘برايان نورث….أليس هو الابن غير الشرعي لأوبرون؟’
كان من سلالة ذلك اللعين أدريان أوبرون. لماذا يريد هذا أن يدخل البحرية أصلًا؟
مهما كان ابنًا غير شرعي، فهو ابن الدوق الأكبر أوبرون. حتى لو لم يرث اللقب ولا الشرف، فالثروة الهائلة لا بد أنها من نصيبه.
فلماذا، يا ترى، يأتي إلى البحرية؟
لم يستطع أن يفهم إطلاقًا بماذا كانت تفكر الأدميرال حين قبلته في البحرية. فأي موهبةٍ يملكها أصلًا؟
“هل تعرف استعمال السلاح؟”
عند سؤال إينوك المفاجئ، شرق برايان. فأخذ يسعل بعنفٍ ويبصق الماء بضجة، ثم هزّ رأسه بهدوءٍ شديد.
بعد أدريان أوبرون جاء واحدٌ آخر….إنسان لا يملك سوى نسبه.
‘ترى ما الذي أعجب الأدميرال في هذا الوغد!’
وعند حاجبي إينوك المائلين المتجهمين، أدرك برايان أن حياته في البحرية لن تكون سهلة.
وبسبب نظرات إينوك الباردة، أو بسبب ركضه طوال اليوم متشبثًا بالحصان، انهمر العرق البارد من ظهر برايان غزيرًا.
____________________
اينوك شوي شوي الولد بيفطس😂
الفصل غريب لا اليسا ولا ادريان؟
وشكل رينان الامير الرابع واخته بيجون مع اليسا وادريان ولا؟ كلهم مايبون الحرب ومايبون ابو سعر ابيض✨
اما ابو شعر ابيض صدق ابيه يوقع لإليسا ثم يقلب على الامير الاول ثم اليسا تقلب عليه مابه مشكله
التعليقات لهذا الفصل " 89"