كانت ثريات السقف المعلّقة في قاعة الولائم الفاخرة تتلألأ بمئات الشموع، ومن النوافذ المطلة على سماء الليل كانت الألعاب النارية تنفجر بلا توقف، مضيئةً القصر الملكي.
كان النبلاء يتجمعون في حلقاتٍ صغيرة يتبادلون التحيات الرسمية، بانتظار ظهور الملكة والوفد الملكي، ثم بطلة هذا اليوم، الأميرة.
وكان أدريان وإليسا أيضًا من بينهم. ولم يلبث النبلاء أن بدأوا يتقاطرون واحدًا تلو الآخر نحوهم.
ظنّت إليسا، بطبيعة الحال، أن لهم شأنًا مع أدريان، فحاولت أن تبتعد عن المكان. عندها شدّ أدريان يدها بقوة.
كان ذلك إشارةً صامتة تأمرها بألا تفكّر في الهرب، فساء مزاج إليسا.
‘ما الذي يجعلني أستحق أن يُتعمَّد تجاهلي أمام هؤلاء هنا؟’
كان النبلاء القادمون إليهما دون شكٍ أولئك الكبار الذين أصرّوا في الاجتماع الوزاري الأخير على ضرورة إبعاد أدريان عن جانب إليسا بأي وسيلة، بحجة حمايته.
لكن عناد أدريان جعل من المستحيل على إليسا أن تتفادى الموقف.
“ها، ها، يبدو الاثنان معًا في غاية الروعة.”
“صحيح، فهما من سيصبحان عماد هذه المملكة من الآن فصاعدًا.”
“نـ، نعم، هذا صحيح.”
كانت أفواههم تبتسم، لكن عيونهم كانت مرتجفةً بالخوف. و كانوا يلقون التحية على إليسا، وفي الوقت نفسه يراقبون أدريان بحذر.
تكررت تلك المجاملات مرارًا. وعند هذا الحد، لم يعد بإمكان إليسا، مهما كانت، ألا تدرك من يقف خلف كل ذلك.
“ألهذا فقط أبقيتني محتجزةً هنا؟ لتُريني هذا؟”
“إذاً، ماذا كان عليّ أن أفعل لتكوني راضية؟”
“حسنًا، أخبرني إذًا. إلى متى ستستمر في حجب كل الأنظار الموجهة نحوي؟”
“طوال حياتكِ، إن أردتِ.”
أجاب أدريان بذلك، لكنه كان يعلم أكثر من أي أحدٍ أنه سيصبح عديم الفائدة بالنسبة إليها يومًا ما.
فقد وصلت إلى منصب قائدة الأسطول بقوتها هي. وإن واصلت الظهور في البلاط الملكي، أو حتى دون الذهاب بعيدًا، يكفي أن تقود وفد الإمبراطورية هذه المرة على نحوٍ ناجح، ليعرف جميع من في العاصمة قدراتها.
وعندها لن ينظر إليها أحدٌ بالعين نفسها كما الآن. و لم يكن أدريان يريد سوى أن يكون درعها حتى يحين ذلك الوقت.
لكن يبدو أن أفكار إليسا كانت مختلفة.
“لا، أنتَ مخطئ. سيكون ذلك فقط إلى أن تسأم مني مرةً أخرى.”
اهتزّ صدر أدريان عند كلمات إليسا.
كان يستطيع أن يدحض كلامها بآلاف الأسباب. وقبيل أن ينطق بالإنكار، اقترب منهما شخصٌ من الخلف بعد أن أخفى حضوره تمامًا.
“عند الساعة الثانية عشرة، عند رأس الحصان.”
كان قائد الفرقة الثانية من الفرسان، الذي سيغادر الليلة نفسها سرًا إلى الإمبراطورية برفقتهم.
“تعاليا دون أن يلاحظكما أحد.”
حين أومآ برأسيهما بخفة، تلاشى كما ظهر، مندمجًا بصمتٍ بين جموع النبلاء.
وحين حاول أدريان أن يستأنف الحديث الذي لم يكمله، عبست إليسا على الفور.
“كفّ عن الكلام الذي لا طائل منه. الأهم في مكانٍ آخر.”
فتنهد أدريان قبل أن يجيب.
“كيف سننسحب من هنا خلسة؟”
“نعم.”
“سأصطحبكِ إلى شرفة الطابق الثاني حين تسنح الفرصة.”
وعندما همّت إليسا بأن تعقد جبينها، رفع أدريان يده وأمسك بخدها، ليخفي عبوسها.
“يجب أن تبتسمي، إليسا.”
حاولت إليسا إزاحة يده، لكنه كان أسرع منها. فقد غطّى أدريان معصميها بكلتا يديه الكبيرتين، كأنه يقيدهما بالأغلال.
“هناك عيونٌ كثيرة تراقبنا.”
ثم ارتسمت على شفتي أدريان ابتسامةٌ لينة، وانفرجت ملامحه وكأنه راضٍ تمامًا عن هذا الوضع.
“ما الطريقة الأكثر طبيعيةً لاختفاء عاشقين مقبلين على الزواج، إن لم تكن تلك؟”
“….…”
“لا توجد وسيلةٌ أفضل لتنفيذ المهمة على أكمل وجه، يا إليسا. أليس كذلك؟”
شغّلت إليسا عقلها بجد. فلا بد أن هناك طريقةٌ أخرى.
طريقةٌ أفضل قليلًا على الأقل من طريقة أدريان اللعينة….
لكن لم تكن هناك. حتى بنظرها، لم توجد وسيلةٌ أكثر طبيعيةً ولا أكثر قدرةً على الإفلات من الأنظار.
فاستسلمت إليسا لليأس، بينما نظر إليها أدريان بفخرٍ منتصر.
في الحقيقة، لم تكن إليسا تعلم وحدها أن أدريان أوبرون كان قلقًا من أن تعثر على طريقةٍ أخرى.
وفي تلك اللحظة دوّى صوت البوق، وانفتحت أبواب قاعة الولائم على مصراعيها.
“جلالة الملكة تدخل!”
ما إن دخلت الملكة، مرتديةً فستانًا أحمر مطرزًا بخيوطٍ ذهبية فاخرة، حتى انهمر تصفيق مدوٍّ كالرعد. وبعد أن جلست الملكة، فُتح الباب مرةً أخرى، ودخلت البطلة الحقيقية.
“الموفد الملكي يدخل برفقة صاحبة السمو الأميرة!”
كانت الأميرة الصغيرة، مرتديةً فستانًا أرجوانيًا وتمسك بيد والدها، تمشي بخطواتٍ قصيرة فوق السجادة الحمراء.
فتعالت من هنا وهناك أصوات الإعجاب بالأميرة اللطيفة.
“يا لها من طفلةٍ جميلة!”
“على صغر سنها، مشيتها في غاية الوقار.”
وحين انتهى سيل التصفيق وخيّم الهدوء على القاعة، نهضت الأميرة الصغيرة من مقعدها.
“أشكركم جميعًا بصدقٍ على اجتماع هذا العدد الكبير من الناس هنا للاحتفال بيوم مولدي.”
حين تكلّمت الأميرة الصغيرة، التي لم تكمل حتى العاشرة من عمرها، متصنّعةً الوقار، نظرت الملكة والموفد الملكي إليها بابتسامةٍ راضية ودافئة.
وسرعان ما خرج أحد الخدم دافعًا صينيةً تحمل كعكة ميلادٍ ضخمة.
كانت كعكةٌ تتدفق منها نافورة شوكولاتة، وتبدو أكبر بكثيرٍ من جسد الأميرة الصغيرة نفسها.
فتقدّمت إليسا إلى الأمام لمرافقة الأميرة.
“تفضّلي، يا صاحبة السمو.”
و قفزت سينثيا بخفةٍ من فوق الكرسي وأمسكت بيد إليسا. بينما كان العرق يبلل أطراف أصابعها الصغيرة.
“أ، أنا متوترةٌ جدًا. ماذا لو تعثّرتُ أثناء المشي؟”
“لا بأس. سأمسك بكِ جيدًا، وحتى لو زلّت قدمكِ، فلن يلاحظ أحد ذلك.”
عندها فقط اطمأنت سينثيا قليلًا، وابتسمت وهي تسير خلف إليسا. و انتفخت وجنتاها الممتلئتان بلطف.
ثم بدأ النبلاء يأخذون أماكنهم واحدًا تلو الآخر لمشاهدة الأميرة وهي تطفئ الشموع. كما تقدّمت الملكة والموفد الملكي إلى الأمام يراقبان خروج الأميرة.
لاحظت الملكة نظرات أدريان أوبرون الحادة المنغرزة في يد إليسا التي كانت ابنتها تشدّ عليها بقوة. فنقرت الملكة بلسانها في سرّها.
كان الأمر خطيرًا فعلًا. لم يكتفِ بالغيرة من البالغين، بل صار يغار حتى من ابنتها التي لم تبلغ العاشرة بعد.
وفوق ذلك، حين تذكّرت ما ارتكبه قبل هذا الحفل….كان محظوظًا فعلًا لأنه وُلد ابنًا لدوق أوبرون الأكبر. فذلك اللقب كان بمثابة درعٍ يحجب طبيعته القذرة.
“سمعتُ أن وريث الدوق أوبرون كان مشغولًا جدًا. انتشرت في القصر شائعاتٌ عن تهديده لكل من يتجاهل إليسا أو يعاملها بوقاحةٍ وكأنها ليست خطيبته. وبفضل ذلك، اختفت شائعات الحرب تمامًا.”
“أنتِ تبالغين في إطرائي. يشرفني أن أكون قد أفدتُ شمس سيفيا.”
أطلقت الملكة شخيرًا خافتًا وهي تحدّق في وقاحة وجه أدريان، مستنكرةً ما ترى.
وبعد قليل، وصلت الأميرة ممسكةً بيد إليسا إلى أمام الكعكة. و صعدت سينثيا فوق كرسيٍ مخملي مزخرفٍ بالجواهر وضعه الخادم، لتتمكن أخيرًا من نفخ الشموع المثبتة فوق الكعكة.
حين نفخت سينثيا الشموع قائلة “هوو”، انفجر التصفيق في القاعة. وبقيت سينثيا حتى النهاية بين ذراعي إليسا قبل أن تنزل عن الكرسي.
وكان هناك من يراقب كل هذا المشهد من الطابق الثاني.
“لقد كبرتِ كثيرًا. مرّ وقتٌ طويل، يا إليسا شوتر.”
شَعرٌ ذهبيٌ كثيف ينسدل فوق فستان أخضر، شفاهٌ حمراء بلون النبيذ، وخاتم ألماسٍ يلمع في أصابع بيضاء.
كانت لودفيكا بوتيين تتكئ بكسلٍ على درابزين الطابق الثاني، تمسك بكأس نبيذٍ يتمايل بلمعانه.
__________________
من ذي مب وقتس مشغولين مع سينثيا
ادريان كأنه مروق بعد ماخلص تهديدات يجنن 😂
وبعد صار عنده خبره يوقف حركات اليسا ويهديها منب سهل
التعليقات لهذا الفصل " 85"