بعد أن نجحت الملكة أخيرًا في صرف النبلاء، وكانت تلتقط أنفاسها للحظة قصيرة….
“يا جلالة الملكة.”
وبصوتٍ يناديها، انفتح باب قاعة الاستقبال الذي كان مغلقًا بإحكام. وبعد قليل، وقف أمامها خادمٌ منحني الظهر يحمل صندوقًا ثقيلًا.
“ما الأمر؟”
“وصلت رسالةٌ من شلريد.”
عند كلام الخادم، انخفض حاجبا الملكة قليلًا.
“بهذه السرعة؟”
فأشارت الملكة بيدها أن يقترب. فصعد الخادم درجات القاعة وهو يحمل الصندوق، ثم قدّم الرسالة أمام عيني الملكة.
و ارتجفت أطراف عيني الملكة آن ماري ارتجافًا خفيفًا وهي تفتح الرسالة. فهذا الردّ من شولتز توغراهان قد يهزّ سيفيا هزًا كبيرًا.
حتى لو أظهرت شلريد موقفًا مفاده أنها لا اريد التدخل في صراع الإمبراطورية وسيفيا، فذلك لم يكن سوى شرٍّ أخف.
أما إن اختار شولتز توغراهان—بوصفه حليفًا—إمبراطورية إستروا بدلًا من سيفيا، فربما كانت سيبيا ستضطر إلى الاستعداد للحرب فورًا، دون أن تجد حتى الوقت لإيفاد إليسا شوتر إلى الإمبراطورية.
كانت إليسا شوتر واثقةً بأن شولتز توغراهان لن يقف في صف الإمبراطورية، لكن الملكة لم تستطع أن تجزم. فالساحة الدولية هي المكان الذي يصبح فيه عدوّ الأمس حليف الغد، وحليف الأمس عدوّ اليوم.
فتحت الملكة الرسالة بيدٍ ترتجف قليلًا، وبدأت تقرأ ببطء الرسالة المكتوبة باللغة المشتركة.
[لقد وصلتني بسلامٍ رسالة ملكة سيفيا.
لقد استقبلت سيفيا وفد شلريد الأخير بموقفٍ ودي، وأصبحت الأدميرال شوتر الآن بالنسبة لي—أنا شولتز توغراهان—صديقةً تشاركني القلب، لا تختلف عن رفيقٍ حميم.
إذًا، أليس من الطبيعي أن تكون سيفيا، وطنها، وشلريد، وطني، قد عقدتا صداقةً بينهما أيضًا؟
فلتطمئن جلالتكِ. إن كان الأمر من أجل سلامتها، ففتح الطريق البحري لشولتز ليس بالأمر الصعب.
وبهذه الاتفاقية، أُبلغكم رغبتنا في أن تتشارك سيفيا و شلريد صداقةً عميقة…]
تلت ذلك الكثير من عبارات المجاملة، لكن في النهاية….كان مضمون الرسالة سماحًا صريحًا سخيًا.
“ها….حقًا.”
كان هناك سببٌ جعل إليسا شوتر واثقةً إلى هذا الحد. لكن….لماذا؟ ما زال هذا السؤال يطفو في ذهن الملكة.
لم تستطع أن تعرف ما الذي حدث في روسيريكا، ولا كيف استطاعت إليسا شوتر أن تُلين شولتز توغراهان وتستميله.
قد تندلع حربٌ مع الإمبراطورية، ومع ذلك يقول أنه سيفتح الطريق البحري بكل طيب خاطرٍ من أجل إليسا شوتر؟
مهما كان حقد شولتز توغراهان على إمبراطورية إستروا عميقًا، فإن شلريد—بعد أن حققت استقلالها الكامل—ما حاجتها لتحمّل خطر معاداة الإمبراطورية عمدًا؟
وفي النهاية، لم تجد الملكة بدًا من أن تخطر ببالها حتى أفكارٌ عبثية.
هل حقًا، كما قال أدريان أوبرون….شولتز توغراهان وقع في حبها من النظرة الأولى؟
لمجرد….هذا السبب؟
لكنها لم تستطع أن تقطع جذور الشك تمامًا.
‘ماذا لو….ماذا لو لم يستطع أدريان أوبرون أن ينال قلب إليسا حتى النهاية؟ يبدو أنه….لا بد من لقاء أدريان أوبرون أولًا.’
“بلّغوا أدريان أوبرون أن يأتي إلى هنا.”
“نعم، سيتم ذلك.”
كانت الملكة تنقر على مسند الكرسي وهي تفكر مليًا: ماذا يريد شولتز توغراهان حتى يمنح سيفيا موافقته بهذه السهولة؟
لكنها، مهما فكرت، لم تجد جوابًا حاسمًا سوى: إليسا شوتر.
وبعد وقتٍ قصير، وقف أدريان أوبرون أمام الملكة.
“أتشرف بمقابلة شمس سيفيا.”
تفحّصت الملكة أدريان وهو ينحني تحيةً بثني ساقٍ واحدة.
يبدو شبيهًا كعادته، لكن الهالات الداكنة تحت عينيه، وشفاهه المتورمة الشاحبة، وزيه الذي صار فضفاضًا على نحوٍ غريب حتى بدا عليه فائضٌ من الاتساع….كانت كلها وكأنها تُعبّر عن علاقته الأخيرة بإليسا.
وليس ذلك بغريب. فمن الذي يستطيع أن يجعل أدريان أوبرون بهذه العجلة سوى شخصٍ واحد في سيفيا….بل في القارة كلها؟
“تسك….تسك.”
فخرج صوت تذمّرٍ لا إرادي من لسان الملكة.
أي شخصٍ يرى ذلك سيعلم أن خط الحب بينهما لا يسير على ما يرام.
“لأي أمرٍ استدعيتِني؟”
ترى….كيف سيكون ردّ فعل ذلك الوريث المتباهي لأوبرون لو علم أن شولتز توغراهان وصف خطيبته بـ”الرفيقة الحميمة”؟
“وصلت رسالةٌ من شلريد.”
“….بهذه السرعة؟”
قبل أن يطّلع حتى على مضمون الرسالة، تشوّهت ملامح أدريان أوبرون بعنف.
“هل….رفض؟”
كان صوته مستعجلًا، وكأنه يتمنى ذلك فعلًا. بل إن في عيني أدريان أوبرون كانت تسكن حتى لهفةٌ ملحّة.
‘يا لها من خيانةٍ هذه التي أراها بعيني.’
“هل يمكن أن تذهب إليسا شوتر إلى شلريد….ولا تعود مجددًا؟”
“….…”
“أيها السيد أوبرون، ما رأيكَ؟ هل علينا أن نقلق بشأن هجرة الكفاءات من سيفيا؟”
بدأت عينا أدريان الحمراوان تضطربان بعنف. وبأطراف أصابعه المرتجفة، دون أن يقدر حتى على فتح الرسالة، تجمّد أدريان في مكانه.
“لا تقولي….هل قال شولتز توغراهان أنه سيفتح الطريق؟”
وحين أومأت الملكة برأسها، أغمض أدريان جفنيه المرتعشين بإحكام. و ظل فاقدًا للكلام لبرهة.
فهزّت الملكة رأسها.
‘ترى متى سيكسب قلبها؟ بهذا الشكل سيعيش قلقًا طوال حياته.’
كانت تهز رأسها بأسف، وتنتظر أدريان المصعوق بصبر.
حتى أن الملكة أشفقَت عليه كثيرًا….إلى أن تفوّه أخيرًا بهذه الكلمات بعد أن استعاد وعيه بالكاد.
“يجب أن نقيم حفل الخطوبة في المعبد….ولو كان بشكلٍ مختصر.”
“لقد جُننتَ أخيرًا.”
كانت كلمةً خرجت منها دون أي وعيٍ بأنها ملكة سيفيا.
اعتقدت الملكة آن ماري أن كلام أدريان لا بد أنه مزاح، فمن ذا المجنون الذي سيقول أنه سيُجري خطوبة وريث دوقيةٍ بشكلٍ مختصر؟
لكنها حين نظرت متأخرةً إلى وجه أدريان….كان جادًا إلى أقصى حد.
“سيد أوبرون يفترض أنكَ تعرف كل شيءٍ عن الخطوبه….ما هذا الهراء؟ استعد رشدكَ.”
لكن رغم توبيخ الملكة، لم ينطق أدريان أوبرون بكلمة، بل عضّ شفتيه بقوة.
و يبدو أنه لم يستطع أن يقول: أنها ليست نيتي.
“أتظن هذا معقولًا؟ إنه زواج وريث الدوق أوبرون من ابنة دوق روسيريكا.”
إن تمت خطوبةٌ بهذه العجلة، فلا بد أن الناس سيتكلمون، وأدريان أوبرون لا يمكن ألا يعرف ذلك.
ربما ستضج البلاد كلها قائلةً أن وريث أوبرون لم يُعجبه أن يتزوج من ابنةٍ غير شرعية، لذلك أقام الخطوبة على عجل وبشكلٍ مرتجل.
بينما الحقيقة….أنهم لن يعرفوا أن أدريان أوبرون كان يجزع خوفًا من أن تهرب إليسا شوتر مع رجلٍ آخر، ويريد تقديم موعد الخطوبة ولو يومًا واحدًا.
وكان من المستحيل ألا يعرف أدريان أوبرون تلك العاقبة. وفي النهاية، لم يستطع أن يفعل شيئًا، فأنزل رأسه.
أن يفتح شولتز توغراهان الطريق البحري….لماذا؟ لماذا بحق؟
حتى لو كانت شلريد قد انتصرت في الحرب ضد إستروا واستقلت، فلا سبب يدعوها في هذا التوقيت تحديدًا إلى استفزاز الإمبراطورية وإثارة المتاعب.
لكن….لماذا؟
المشكلة التي ظن أنها انتهت بالكامل حين غادر شولتز توغراهان ميناء روسيريكا….عادت لتغمر أدريان من جديدٍ كالموج.
ثم قطعت الملكة شروده بكلمةٍ واحدة. وكان ذلك—بالنسبة لأدريان—رحمةً، لأنه استطاع أن يوقف أفكاره المعقدة ولو بهذه الطريقة، إذ لم يكن ليقدر على قطعها وحده.
“سنقيم حفلة ميلاد الأميرة.”
“في هذا الوضع؟”
كان صوته مشبعًا بالاستغراب كما هو.
حتى لو كانت الملكة تحب ابنتها، فلن تعميها محبتها إلى درجة أن تبذّر وتترف لأجلها في ظرفٍ خطير كهذا. بل كانت—إن احتاج الأمر—ممن يستخدم ابنته لتحقيق غاية.
“صحيحٌ أن شائعة الحرب تنتشر فعلًا. لكن ما هو أشد إلحاحًا من ذلك هو منع اضطراب النبلاء. لا شيء يهدّئ قلقهم من أن سيفيا قد تهتز….مثل بذخ العائلة المالكة.”
فضيّق أدريان عينيه.
“أليس ذلك مجرد حيلةٍ من النبلاء كي يضغطوا ليفصلوني عن إليسا؟”
كان أدريان يعلم ذلك أيضًا. فقبل أن يذهب إلى الملكة، كانوا قد أتوه أولًا بنفس الأسطوانة. ولأن تلك الحيلة لم تنفع مع أدريان، كان واضحًا أنهم قصدوا الملكة.
“لكنهم لم يختلقوا الشائعة من عدمٍ تمامًا، أليس كذلك؟”
“ومع ذلك….لن أعود إلى الشمال دون إليسا.”
“ولهذا وجدتُ بنفسي طريقة، أليس كذلك؟ سنُسكت الشائعة بحفل الأميرة. ويجب أن أبلغ الأدميرال بهذا الخبر أيضًا، فانتظر قليلًا.”
قالت الملكة ذلك، ثم قرعت الجرس واستدعت الخادم.
“في أمر جلالتكِ.”
“اذهب وأحضر الأدميرال شوتر.”
“نعم، حاضر-”
“لا، لا حاجة لذلك.”
رفع الخادم الذي كان ينحني تنفيذًا للأمر جسده بتردد، وقد بدا عليه الارتباك.
“سأذهب بنفسي.”
قال أدريان ذلك للملكة مؤديًا الاحترام، ثم ابتسم للخادم بلطف،
“لا داعي لأن تتكلف العناء. سأذهب بنفسي.”
ثم راحت الملكة تفكر وهي ترى ظهر أدريان أوبرون يغادر الرواق بخطواتٍ سريعة.
‘ذلك الأحمق مسلوب العقل….لا شك أنه غار حتى من مرافقة الخادم لها.’
_____________________
اها وهنا جاها يومها مع جان؟
تضحك غيرته توه قبل شوي غيران من شولتز امداه يغار من الخادم بسرعه؟😭
بعدين مب انه شي زين شولتز يوافق؟ فكر شوي ولا ماتعرف تفكر الا في اليسا؟😘
المهم ياحظ الملكة قاعده تشوف دراما اليسا وادريان قدامها✨
التعليقات لهذا الفصل " 82"