“سيدتي الأدميرال، هل يمكنني أن أسألكِ شيئًا واحدًا؟”
سألت جان، وهي تلهث مستلقيةً على أرض ساحة التدريب.
“ماذا؟”
نهضت جان بجسدها المغطى بالتراب واقتربت من جانب إليسا.
“هذا حار….ابتعدي.”
و عند ردّ إليسا، هبط وجه جان الساخر قليلًا بشكلٍ طفيف. ومع ذلك، تراجعت خطوةً كما أمرتها إليسا وأبعدت جسدها قليلًا.
لكن ملامح جان كانت جادة، وبصوتٍ منخفض أكثر سألت إليسا هكذا،
“سيدتي الأدميرال….هل صحيحٌ فعلًا أن حربًا ستندلع؟”
“ومن أين سمعتِ هذه الإشاعة السخيفة؟”
“لكن….مجلس الدولة يُعقد يوميًا، والأهم من ذلك أن بقاء سيدتي الأدميرال هنا في القصر كل هذه المدة—مع أن مكانكِ في البحرية—أمرٌ غريب.”
فضحكت إليسا وكأن الأمر لا يُصدق، ومع ذلك لم تتغير ملامح جان.
وبين شفتيها المستقيمتين انساب صوتٌ واثقٌ دون توقف.
“في البداية ظننتُ أن سيدتي الأدميرال أتيتِ فعلًا بسبب تجهيزات الزفاف.”
“….…”
“مهما كان زفاف العائلة مهمًا، لا يمكن أن تتركي البحرية كل هذا الوقت. ألم يعد العقيد فيتزجيرالد بالفعل؟”
“العقيد فيتزجيرالد عاد إلى البحرية بالفعل.”
“إذًا هذا يزيد الأمر غرابة. وهناك ما هو أغرب أيضًا. حتى بين فرسان القصر بدأت الأحاديث تنتشر شيئًا فشيئًا. يقولون أن القادة اجتمعوا عدة مراتٍ بالفعل.”
فنقرت إليسا بلسانها: “تسك.…”
جان لم تكن تسأل إليسا الآن….فقد اختفى الشك من وجهها وحلّت مكانه القناعة.
“هل ستندلع الحرب فعلًا، سيدتي الأدميرال؟”
ترددت إليسا قليلًا ثم تنهدت. بينما كانت عينا جان المشدودتان ترتجفان بخفة.
إن كانت ستخاف هكذا….فلماذا سألت أصلًا؟
“أنا هنا….لأمنع الحرب من أن تندلع.”
بمجرد كلمةٍ واحدة من إليسا، تبدلت ملامح جان. التوتر والخوف اللذان كانا يملآنها تلاشيَا في لحظة.
وفي عيني جان الذكيتين امتلأ المكان الآن بالاحترام والرهبة والثقة.
ربما….لو لم يكن أدريان أوبرون، أليس هذا شرفًا كان يمكن لإليسا أن تناله منذ زمن؟
لكن إليسا وصلت بالفعل إلى منصب أدميرال البحرية، لذا صار ذلك التفكير بلا معنى الآن، وعلى أي حال كان هناك من سيتخذ من كونها ابنةً غير شرعيةٍ ذريعةً للطعن فيها مهما حدث.
إلا أن ما كان مهمًا لإليسا الآن لم يكن تلك الأحكام العقلانية. ما كانت تحتاجه إليسا الآن….هو سببٌ لتكره أدريان.
أي سببٍ يمنعها من الانجذاب إليه مرةً أخرى.
لو استطاعت فقط أن تمحو من رأسها ذكريات ذلك اليوم التي كانت تقفز إليها بلا توقف….
هل كانت تلك الفكرة هي المشكلة؟ عند طرف نظر إليسا علِق شعرٌ أسود فاحم….وخط جسدٍ مألوفٍ يرتدي الزي البحري الكحلي.
فهزّت رأسها هزًا خفيفًا. كم فكرت بأدريان أوبرون حتى صارت ترى أوهامًا؟ لقد بدا لها الأمر مثيرًا للشفقة إلى حدٍ لا يُطاق.
“سيدتي الأدميرال، يبدو أن السيد أوبرون جاء ليأخذكِ. أليس عليكِ الذهاب؟”
لكن عند كلام جان أدركت إليسا أنها لم تكن تتوهم.
وبكل وقاحة….كان أدريان أوبرون قد ظهر فعلًا أمامها بقدميه.
***
كان رأس الملكة ينبض ألمًا.
بسبب أصواتٍ صاخبة لا تريد سماعها، بدا وكأن طبلًا يُقرع داخل رأسها.
قررت أنه بعد انتهاء هذا الاجتماع يجب أن تُغلق سقف القبة المستديرة. لا….بل ربما عليها أن تمنع هؤلاء النبلاء من استخدام قاعة الاجتماعات أصلًا وتُغلق الباب نهائيًا.
“يا صاحبة الجلالة، لقد أصبح البلاط مضطربًا بسبب الحديث عن الحرب.”
“إن تركنا هذه الشائعات التي تطوف كالأشباح هكذا، فسيتزعزع حتى عامة الشعب.”
“صحيح. علينا تهدئة الرأي العام.”
الملكة الجالسة على الكرسي الذهبي أسندت جبهتها بيدها. فخلاصة كلامهم كانت واحدةً على أي حال.
محاولة منع إرسال أدريان إلى الإمبراطورية….لم تنجح.
مهما تشددوا وأصرّوا، لم يرمش أدريان حتى بعينه.
وكان ذلك طبيعيًا. لأن أدريان لن يرسل إليسا شوتر وحدها إلى أرض العدو.
وحين لم يجد النبلاء طريقةً لتغيير قرار أدريان، بدأوا يضغطون على الملكة بأساليب أخرى.
“أعيدي وريث أوبرون إلى فرسان الشمال كي يحرس خط الحدود الشمالية. أليس ذلك ضروريًا لتهدئة خوف الشعب؟”
كانت نواياهم واضحة. بما أنهم لا يستطيعون فصل أدريان عن إليسا….فهم يريدون على الأقل صنع ظرفٍ قسري يفصل بينهما.
كانوا يتعاملون مع الوضع الحالي بعقليةٍ مفادها أنهم لا يريدون خسارة أدريان أوبرون—ابن دوق الشمال—أما إليسا، الابنة غير الشرعية، فخسارتها لا تهم.
وفي نظر الملكة….كانوا أغبياء إلى حدٍ لا يُطاق، ومثيرين للشفقة.
كان زمن التجارة البرية يوشك على الانتهاء. والآن….صار البحر هو مركز العالم. ومع ذلك، هم لا يقرأون حتى مجرى الزمن….فماذا يفعلون إذًا؟
ألا يعرفون حقًا ماذا تطمع الإمبراطورية حتى تستفزهم بهذا الشكل؟ لأن من يحمي البحر الجنوبي الذي تطمع به الإمبراطورية….هي إليسا شوتر.
و لأن السبب الذي جعل الإمبراطورية لا تستطيع أن تفرض نفسها بالقوة، وتلجأ إلى هذه الأساليب الحقيرة لتتسلل….هي قوة أسطول سيفيا البحري الذي صنعته إليسا شوتر.
كان من الغباء والشفقة إلى حدٍ يبعث على الصداع أن أولئك الذين يقولون أنهم يخدمونها ويُسندون سيفيا….لا يدركون ذلك.
وبينما كانت الملكة جالسة على كرسيها وملامحها متصلبةٌ منذ وقتٍ طويل، بدأ الوزراء يترددون ويراقبون ردّ فعلها بحذر.
وحين خفتت الأصوات أخيرًا، فتحت الملكة فمها.
“حسنًا، لقد فهمتُ بإحكامٍ إخلاصكم.”
عند كلمات الملكة التي بدت وكأنها موافقة، تبادل النبلاء نظراتٍ مفعمةٍ بالتوقع.
“تقصدون أن معنويات الشعب مهمة، أليس كذلك؟”
كانوا واثقين أنها ستقوم بتهدئة أدريان أوبرون وتنتزعه من جانب تلك الابنة غير الشرعية التافهة من روسيريكا.
لكن ما خرج من فم الملكة….كان حديثًا مختلفًا تمامًا.
“لقد قبضنا على كل عصابات اللصوص الذين يظهرون في أماكن متفرقة قرب العاصمة. انتشار اللصوص يعني أن حياة الشعب قد أصبحت أصعب إلى ذلك الحد، أليس كذلك؟”
“يا….يا جلالة الملكة، ما الذي تقولينه الآن بالضبط.…؟”
“كيف يمكن لشيءٍ كهذا أن يوقف القلق من الحرب؟ يا جلالة الملكة، ما نريده نحن هو-”
وكان واضحًا أنهم سيعودون كالببغاوات للثرثرة عن مكان إقامة أدريان، لذا قطعت الملكة كلامهم،
“أليس لدينا ذريعةٌ ممتازة؟”
“أي ذريعةٍ تقصدين يا جلالة الملكة؟”
“ميلاد الأميرة سيحل قريبًا. سنفتح المخازن احتفالًا بميلاد الأميرة التي سترث عرش سيفيا القادم. مع حفلةٍ عظيمة تُقام في القصر الملكي أيضًا.”
“.……”
“أليس ذلك مثاليًا لغرس الانطباع بأن أمن سيفيا والعاصمة ما يزال ثابتًا، وأن سلام سيفيا سيبقى إلى الأبد كما هو الآن؟”
عند كلام الملكة، بدا النبلاء كأنهم تلقّوا صفعة، و ارتسمت على وجوههم ملامح مصدومة.
لم تكن هذه نيتهم. لقد ظنّوا أن الملكة—وفق رغبتهم—ستمنع أدريان أوبرون من الذهاب إلى الإمبراطورية.
لكن الأمور سارت بالعكس تمامًا. فأدريان أوبرون سيظل متجهًا إلى الإمبراطورية برفقة إليسا شوتر، وفوق ذلك، سيضطرون هم إلى قضاء أيامٍ شديدة الانشغال في التحضير لميلاد الأميرة، دون أن يحصلوا حتى على وقتٍ إضافي لإقناع الملكة.
وكان ما أرادته الملكة هو ذلك بالضبط. الآن….لن يستطيعوا بعد اليوم أن يعقدوا مثل هذه الاجتماعات التي لا تختلف عن إضاعة الوقت كما يحلو لهم.
فأنهت الملكة الاجتماع وعلى شفتيها ابتسامةٌ بالكاد تُرى.
“لقد أُعجبتُ بإخلاصكم العميق تجاه سيفيا. ومن الاجتماع القادم، سنناقش مواد الإغاثة التي ستوزَّع على الشعب وحجم احتفال الأميرة.”
التعليقات لهذا الفصل " 81"