في اللحظة التي رأى فيها الفارس تلك الابتسامة، أدرك أنه تورّط في أمرٍ خاطئ، لكنه لم يستطع التراجع بتهوّر. فلديه كرامة، أليس كذلك؟
وبعد ثلاثين دقيقة بالضبط، كانت إليسا تغادر بخطواتٍ منعشة للغاية، تحمل سيفها بخفّةٍ وهو يتدلّى، وكأن الرجل الممدّد أمامها كحلزونٍ منزوع الحيلة غير موجودٍ أصلًا.
وقبل أن تخرج إليسا من ساحة التدريب مباشرة، أخرجت سيفها وأرته لجان، وسألتها أين يقوم فرسان الحرس الملكي عادةً بإصلاح سيوفهم.
و لم تستطع جان إلا أن تتفاجأ عندما رأت حالة سيف إليسا.
“هل حدث هذا أثناء مبارزتنا قبل قليل؟”
“لا. كان على هذه الحال منذ قبل وصولي إلى القصر الملكي. هل هناك مشكلة؟”
لم تعد جان قادرةً على إغلاق فمها المفتوح من الدهشة. ومع كلمات إليسا، لم يتمكّن فرسان القصر الآخرون أيضًا من كبح ضحكاتهم الجافة وتنهداتهم المذهولة.
“سأقوم بشحذه حتى الغد. اتركيه هنا.”
قالت جان ذلك، لكن إليسا هزّت رأسها نفيًا. ثم مدت سيفها نحو الفارس الذي كان قد أهانها قبل قليل.
و احمرّ وجهه بشدّة، وتصلّب في مكانه من دون أن يمد يده لأخذ السيف. عندها أسقطت إليسا السيف على الأرض بطرقة خفيفة، وكأنها تقول إن لم يُرِد أخذه بيده فلا بأس.
“تخسر في المبارزة ثم تُكثر الكلام. اشحذ النصل كاملًا بحلول الغد.”
وبينما كان يمسك بسيف إليسا، عاجزًا عن إخفاء تعبير الغيظ على وجهه، انهمر فوق رأسه صوتٌ كالصاعقة.
“إذًا أرجو أن تحسنَ الأداء غدًا أيضًا.”
أن يتحمّل في الغد أيضًا مبارزةً أشبه بالجحيم أكثر من كونها تدريبًا؟ شعر حقًا أنه يود في تلك اللحظة بالذات أن يعضّ لسانه ويموت.
***
بينما كانت إليسا تُفرغ توترها في مبارزاتٍ أشبه بالانتقام وتنفّس عن ضغوطها، كان أدريان يتجول في أرجاء القصر الملكي بلا هدف، يبحث بلهفةٍ عن أي أثرٍ لإليسا.
كانت تخرج من غرفتها من دون حتى أن تتناول فطورها، ولا تعود إلا في ساعةٍ متأخرة من الليل.
الوقت الوحيد الذي كان أدريان يستطيع فيه رؤيتها، هو حين تكون غارقةً في نومٍ عميق، فيتسلل إليها خفيةً كقطٍ لص.
تحوّل شكّه في أن إليسا تتعمد تجنّبه، عند هذا الحد، إلى يقينٍ تام.
وفي النهاية، بعدما لم يعد قادرًا على الاحتمال أكثر، قرر أدريان الخروج بنفسه للبحث عنها، لكن القصر الملكي اللعين كان شاسعًا على نحوٍ لا يُطاق.
كم كان الجنوب أفضل. على الأقل آنذاك، ألم يكن يعرف دائمًا أين تكون إليسا وماذا تفعل؟
وعندما لم يُحرز أي تقدّمٍ حتى قاربت الساعة الثانية ظهرًا، اندفع أدريان بلا تفكيرٍ إلى دفيئة الملكة.
كان يستطيع فعل ذلك لأنه يعلم جيدًا أن الملكة آن ماري تقضي هذا الوقت من كل يوم في الاستمتاع بوقت الشاي وحدها.
كانت الملكة تصب الماء الساخن برفقٍ في إبريق الشاي المملوء بشاي الزهور بعناية، لكنها اضطرت إلى سكب الشاي عندما فُتح الباب فجأةً بعنف.
كادت تصرخ متسائلةً عمّا كان يفعله أولئك الذين يحرسون الخارج، لكنها توقفت. فما إن رأت وجه المتطفل الذي تجرأ على مقاطعة وقت راحتها، حتى فهمت كل شيء.
عقدت الملكة ملامح وجهها بقوةٍ وهي تنظر إلى الوقح الذي تجرأ على استخدام مكانته للتعدي على وقت راحة الملكة.
“أهو السيد أوبرون مرةً أخرى؟”
لم تتفاجأ الملكة، فقد كان له سوابق. على الأقل، لن يكون الأمر أكثر صدمةً من تلك المرة التي جاء فيها فجأةً إلى العاصمة بينما كان يفترض أن يكون في الشمال.
“من فضلكِ، اعثري لي على إليسا.”
ربما لأن الأمر كان متوقعًا، شعرت بالملل حتى.
‘أن يضيع شاي الزهور هكذا بسبب شخصٍ تافهٍ كهذا.…تسك’
نقرت الملكة بلسانها نقرة استياء.
“إن كنتَ تبحث عن الأدميرال شوتر، فهي الآن على الأرجح في ساحة تدريب فرسان الحرس الملكي.”
فاتسعت عينا أدريان دهشةً أمام ذلك الجواب الذي لم يحمل أي تردد.
“كيف عرفتِ ذلك بهذه السرعة؟”
“ألم تنتشر الأخبار في القصر كله؟ يقولون أن أدميرال البحرية تسحق فرسان الحرس الملكي واحدًا تلو الآخر. حتى نائب قائد الفيلق الرابع كان يتذمّر غاضبًا، قائلًا أنه سيخسر حتى لو دخل المبارزة بسيفٍ خشبي.”
“إذًا لماذا لم تخبريني بذلك منذ البداية؟!”
صرخ أدريان بظلمٍ واضح، لكن الملكة ردّت عليه بملامح هادئة.
“لم أكن أعلم أنكَ مهتمٌ إلى هذا الحد.”
كان كلامًا لا يُصدّق. فأول من لاحظ هوس أدريان بإليسا كانت الملكة آن ماري نفسها، وابتسامتها الملتوية التي ترتسم على شفتيها وكأن الأمر مسلٍّ للغاية كانت الدليل.
لكن عندما أسرع أدريان إلى ساحة التدريب، كانت إليسا قد حطّمتهم تحطيمًا وغادرت بهدوءٍ منذ زمن.
و كان فرسان الحرس الملكي المنهكون يتحدثون جميعًا بصوتٍ واحد، قائلين انهم لم يروا وحشًا كهذا من قبل.
“الآن فهمت لماذا تمت ترقيتها إلى أدميرال بهذه السرعة.”
“هي محجوبةٌ بظل أدريان أوبرون، لكن حتى في أيام الأكاديمية العسكرية كانت…”
وبينما استمر في الاستماع قليلًا، أدرك أن بطلة حديثهم كانت إليسا.
مجرد أن تُتداول حكاياتٌ عن إليسا لا يعرفها على ألسنة الآخرين كان أمرًا مزعجًا بالنسبة له.
وفوق ذلك، بدا أن إليسا غادرت منذ وقتٍ طويلٍ بالفعل. فلم يعد هناك أي سببٍ للبقاء في هذا المكان.
وحين كان أدريان، بعد أن فوّت لقاء إليسا، يهمّ بالمغادرة بلا أي تردّد، ظهرت فارسةٌ ذو مظهرٍ أنيق وشعرٍ قصيرٍ مقصوص.
“سيدي نائب الأدميرال! هل جئتَ تبحث عن الأدميرال؟”
“نعم.”
أجاب أدريان باختصارٍ وأومأ برأسه. لكن الطرف الآخر واصل الحديث من دون أن تُظهر أي امتعاض.
“قالت الأدميرال أن المبارزة دون سيفٍ حقيقي غير ممتعة، فعادت اليوم باكرًا.”
“شكرًا لكِ.”
وكان على وشك أن يلوّح لها بيده إشارةً إلى أنه سيغادر، حين وقعت عيناه على ما تحمله.
“ذلك السيف.…”
“آه! يبدو أنكَ تعرفه. إنه سيف الأدميرال.”
“ولماذا يكون السيف بحوزتكِ؟”
حتى في البحرية، لم يكن هناك سوى شخصٍ واحد أوكلت إليه إليسا أمر سيفها، وهو إينوك فيتزجيرالد.
وباستثنائه، لم تسلّم إليسا سيفها لأي شخصٍ آخر ولو لمرةً واحدة. حتى هو، حين كان نائب أدميرال يخدم في البحرية، لم يُمنح يومًا حق الإمساك بسيف إليسا.
فلماذا إذًا؟
“آه، طلبت مني الأدميرال إصلاح حدّ النصل، لذلك تولّيته. كنتُ أنوي إعادته اليوم، لكن يبدو أننا لم نلتقِ….”
لم يدع أدريان كلماتها تكتمل، بل مدّ يده على عجل.
“أعطيني إياه.”
“نعم؟”
“سأوصله بنفسي. إنه غرض خطيبتي.”
“آه، نعم! حاضر!”
شدّ أدريان قبضته على السيف ومضى بخطواتٍ واسعة خارج ساحة التدريب.
و كانت عيناه المشدودتان تشتعلان بوهجٍ حاد. حتى خدم القصر الملكي، والنبلاء الذين صادفوه صدفةً في القصر ويحاولون التقرّب منه، لم يجرؤوا على الاقتراب.
إلى هذا الحد كان الجو المشحون المنبعث من أدريان مخيفًا.
كان يشعر بالغبن. إن كانت بحاجةٍ إلى شريكٍ لتسخين الجسد بالمبارزة، ألم يكن يكفي أن تخبره؟ لكن الآن، لم تعد إليسا تبحث عنه أصلًا.
لقد أصرّ على نقله إلى البحرية، متذرّعًا بكل حيلةٍ ممكنة، فقط ليعاود تقاطع السيوف معها، وليستخدم معها ميدان الرماية من جديد.
لكن إليسا كانت تخبره الآن، بجسدها كله، أن كل تلك الأوقات لم تكن ذات جدوى.
حتى شولتز توغراهن، وحتى إعلان الحرب من إمبراطورية إستروا، كانا يعبثان بأعصاب أدريان ويزيدانها توترًا.
لم يعد يهم. ترك كل شيءٍ ليمضي كما يشاء، ولم يعد يريد سوى العودة مع إليسا إلى الجنوب.
لكن السبب الوحيد الذي منع أدريان أوبرون من فعل ذلك كان واضحًا. لأن إليسا شوتر تحب سيفيا، وتحـب روسيريكا، وتحـب بحريتها.
كانت مختلفةً عنه من الجذور، مختلفةً عن إنسانٍ مثل أدريان أوبرون.
ذلك الإحساس الثقيل بالواجب الذي كان يضغط عليه، لم يكن بالنسبة إلى إليسا سوى علامةٍ على الثقة.
وبخلافه، هو الخفيف حدّ التفاهة، الذي لا يستطيع الاستقرار مثل رقائق الثلج المتساقطة على الشمال، كانت هي شخصًا يُنزل مرساةً ثقيلة، ويصمد بلا تزعزعٍ أمام العواصف.
لم يكن أمرًا غريبًا أن يُسلب بصر أدريان أوبرون أمام إليسا شوتر دون حيلة.
و كل ما كان يتمناه، أن يعود إلى كونه نائب الأدميرال في الجنوب، يتتبع يوميات إليسا كل يوم، ويشاركها كل حركةٍ وكل سكنة.
فتلك الأشهر القليلة كانت، بالنسبة له، أكثر فائدةً من السنوات الطويلة التي قضاها قائدًا لفرسان الشمال.
_________________________
عشان كذا احب اذا جت وجهة نظر ادريان فيه مشاعر واجد ويضحكني المسكين 🤏🏻
وإليسا خساره كان ابي تفاصيل اكثر للتفقيع الي سوته😂
التعليقات لهذا الفصل " 76"