كان ذلك الأسلوب هو الخيار الذي يتبعه معظم من يتبارزون مع إليسا.
فمن يدرك أن إليسا لا تستخدم السيف القصير السريع الشائع بين المبارزات، بل تمارس أسلوبًا أقرب إلى سيفٍ عظيم يعتمد على ضربة واحدة ثقيلة وقوية، يحاول دفعها بالسرعة.
وكانت جان لا تختلف عنهم.
“هاه!”
أطلقت جان صيحةً وهي تلوّح بالسيف القصير يميناً ويساراً، محاوِلةً إرباك وضعية إليسا بسرعتها.
لكن مهما حاولت جان، فإن الأساسيات المتقنة والخطوات التي صقلها التدريب القاسي كانت ما يُثبّت إليسا في مكانها.
وحين بدأت إليسا تلاحق معظم هجمات السرعة وتصدّها بسيفها العظيم، رفعت جان سرعتها إلى أقصى حدٍ يمكنها بلوغه.
غير أن المشكلة كانت أن الفارق في استهلاك الطاقة بدأ يتسع بشكلٍ حاد بين إليسا التي كانت تصد الهجمات بهدوءٍ وهي ثابتةٌ في مكانها، وبين جان التي كانت تحرّك قدميها بلا توقفٍ بحثًا عن ثغرةٍ تكسر بها توازن إليسا المستقر.
وهكذا، واصلت إليسا تلقّي هجمات جان براحةٍ تامة حتى إنهاكها الكامل، وحين تباطأت سرعتها بشكلٍ ملحوظ، لوّحت بسيفها الثقيل بقوةً وضربت السيف القصير خارج يدها.
“آه.…!”
فنظرت جان إلى يدها التي أفلت منها السيف، وقبضت عليها بفراغ.
كانت الضربة الأخيرة قويةً إلى حد أن إليسا، رغم أنها ضربت السيف فقط، جعلت معصم جان يرتجف وكأن العظم نفسه قد أُصيب.
فتقدمت إليسا نحو جان، و التقطت سيفها وأعادته إليها. والإحساس الذي اجتاح جان لحظة استلامها سيفها منها كان، بلا شك، قشعريرة.
متى كانت آخر مرةٍ خاضت فيها نزالًا أُجبرت فيه على التراجع بهذا الشكل؟ حتى عندما واجهت كبار فرسان الحرس الملكي، لم يحدث قط أن كان الفارق بهذا الحجم.
بدأت عينا جان تتلألآن وهي تنظر إلى إليسا.
كانت مغطاةً بالتراب، والعرق المتصبب لم يكتفِ بإغراق شعرها بل سال على وجهها، ومع ذلك كان شعورها في ذروته.
كانت جان غارقةً في العرق والغبار إلى هذا الحد، بينما بدت إليسا، باستثناء أنفاسها التي ازدادت عمقًا قليلًا، وكأنها لم تتبارز معها أصلًا.
كيف يمكن لإنسانٍ أن يمتلك مثل هذه المهارة؟
عادت جان لتشعر بإجلالٍ جديد تجاه إليسا. و أرادت أن تتعلم أكثر تحت إشراف شخصٍ كهذا.
في الحقيقة، كانت جان ترغب في الالتحاق بالبحرية. لم يكن حب السفن أو البحر هو السبب. لكن جان كانت واثقةً من نفسها. لأنها كانت تحب وتحترم إليسا شوتر أكثر من أي أحد.
غير أن البحرية، التي لا تواجه البحر والعواصف العاتية فحسب بل القراصنة أيضًا، كانت خطيرةً للغاية، و بكاء والديها وحتى شقيقها الأكبر وهم يتوسلون إليها منعها في النهاية، لتلتحق بالحرس الإمبراطوري.
“جان، ما سبب خسارتكِ برأيكِ؟”
“نقص اللياقة البدنية. لقد تعبتُ قبل سيادة الأدميرال، فلم أتمكن من صنع ثغرة هجومٍ حقيقية.”
‘يا إلهي، ليس النزال وحده، بل حتى مراجعة القتال معها.’
كادت جان تفيض تأثرًا.
لكن رغم إجابة جان الواضحة، هزّت إليسا رأسها بهدوء.
“لا. هذا خطأ.”
“ماذا؟ إذاً ما سبب هزيمتي بالضبط؟”
“سبب خسارتكِ هو أنكِ استخدمتِ هجمات السرعة ضد شخصٍ قادرٍ على مجاراتها.”
“إذاً، ماذا كان عليّ أن أفعل؟ أقوى سلاحٍ لدي هو السرعة فقط….”
عند سؤال جان، تذكرت إليسا الشخص الوحيد الذي لم يدفعها بالسرعة.
وبالطبع، مرةً أخرى. رغم أنها جاءت إلى هنا لتحاول التخلص من التفكير في أدريان أوبرون، انتهى بها مسار أفكارها إليه مجددًا.
كان ذلك بعد أول نزالٍ لها مع أدريان أوبرون في أيام الأكاديمية مباشرة.
حين سألت إليسا بغضبٍ كيف تمكن من الفوز، ترك لها أدريان أوبرون، بسوء حظه المعتاد، هذه الكلمات.
“أنتِ سريعة. و أنا لا أستطيع أن أغلبكِ بالسرعة.”
قال ذلك وهو يبدد كل هجماتها الحاسمة التي صبّت فيها قوتها، ثم انتظر حتى تضعف قوة ضرباتها ويخبو زخمها.
كان أدريان أوبرون ذكيًا للغاية، ومن دون أن تشعر، جعل مجرى النزال كله يسير وفق رغبته.
كانت طريقته في كسر أسلوب إليسا هي الجواب الصحيح. تشتيت هجماتها القوية، والانتظار حتى تفرغ من قوتها.
ولهذا، راحت إليسا تتحداه مرةً بعد مرة، يومًا بعد يوم.
في البداية، فقط لأنها أرادت أن تفوز على أدريان أوبرون ولو مرةً واحدة. كان الأمر بدافع العناد.
لكن بعد نصف عام، ثم عام، ثم عامين…ومع مرور الوقت، لم يعد النزال مع أدريان بالنسبة لإليسا وسيلةً لتحسين مهارتها في المبارزة. بل صار فرصةً لمواجهته.
كانت سعيدةً بمجرد تلقي ضرباته، وبمشاركة السيوف معه في تلك اللحظة.
لم يكن هناك ما يضاهي ذلك شعورًا. ولم تدرك إلا لاحقًا أن أكثر ما كان أدريان يتقنه حقًا هو الهجمات السريعة.
وأنّه، عندما كان يتبارز معها، لم يُخرج سلاحه الحقيقي أصلًا. حتى أدركت أنه كان يعبث بها من البداية حتى النهاية.
كل يوم. كانت قلبها يرتجف بسبب سيف أدريان.
انتشلت إليسا نفسها أخيرًا من شرودها على يد جان التي كانت تنتظر جوابها بعينين تلمعان ترقّبًا.
“كان عليكِ أن تنتظري. أن تستدرجيني لأهاجم أولًا، وتستنزفي قوتي قبل أن تبادري.”
وعندما سمعت ذلك، هزّت جان رأسها.
“حتى لو عرفتُ، لما استطعتُ. كما رأيتِ، قدرتي البدنية….”
أنزلت جان رأسها بخجل، لكن رأي إليسا التي واجهتها بالسيف كان مختلفًا.
“لا، يا جان، قدرتكِ البدنية كافية. عضلاتكِ متماسكة، ويمكنكِ استغلال سرعتكِ تلك جيدًا، ولو أردتِ، فبإمكانكِ حتى استخدام السيف العظيم كسلاحٍ مساعد وتطبيق أسلوبٍ ثقيل. بقوة ذراعيكِ، هذا ممكنٌ تمامًا.”
على كلمات إليسا المشجعة، أضاءت عينا جان.
كانت تصغي بكل ما أوتيت من تركيز، كإسفنجةٍ تحاول امتصاص كل حرف، دون أن تفوّت مقطعًا واحدًا مما تقوله إليسا.
“إذاً ما مشكلتي؟”
“الخطوات.”
“الخطوات؟”
“نعم. أسلوبكِ جميل. لكن الجمال وكثرة الحركات غير الضرورية أمران مختلفان تمامًا.”
“آه….”
عند ملاحظة إليسا، بدا على جان الذهول للحظة، ثم في اللحظة التالية أمسكت بيد إليسا بقوة.
“شكرًا لكِ. شكرًا جزيلًا. طوال هذا الوقت، الجميع كان يقول أن مشكلتي هي القدرة البدنية، ولم يشر أحدٌ قط إلى هذه النقطة. لقد أفدتِني كثيرًا حقًا، يا سينباي.”
وبما أن المبارزة مع جان كانت مرضيةً إلى حد بعيد، همّت إليسا بالنهوض لتغتسل وتغادر.
وفي تلك اللحظة، اندفع الفرسان بعد أن سمعوا خبر مبارزةٍ بين أدميرال البحرية وأحد فرسان القصر الملكي.
لكن القتال كان قد انتهى بالفعل. إليسا بدت مرتاحةً وهادئة، بينما كانت جان مغطاةً بالغبار تمامًا.
كان مشهدًا لا يحتاج إلى تفسيرٍ لمعرفة من انتصر.
ومن بين الحشد الذي اقتحم المكان، صاح أحدهم، ممسكًا بكرة أرزٍ ضخمة في يده.
“جان، هل خسرتِ أمام أشهر ممسحةٍ في الأكاديمية العسكرية؟ هذا عار، عار-!”
لم تعد إليسا تجد الأمر مضحكًا حتى. وانفجر غضبها مجددًا تجاه أدريان أوبرون، أصل كل هذا.
‘نعم، من كنتُ أفكر فيه أصلًا؟ لم يكن يستحق حتى هذا.’
ماذا كدتِ تنسين، يا إليسا شوتر؟ هل نسيتِ حقًا من الذي جعلكِ تبدين بهذا السخف؟
وعندما سمعت جان الإهانة الموجهة إلى إليسا، احمرّ وجهها حتى أذنيها واندفعت تصرخ في وجهه.
“هذه سيدة أدميرال البحرية! كيف تجرؤ أنتَ.…!”
وقفت إليسا أمام جان التي حاولت أن تلقنه درسًا بدلًا عنها.
“إذاً، فليتقدم أيٌّ منكم. إن لم تستطع هزيمة ممسحة، فهل يحق لكَ أن تُدعى فارسًا من فرسان القصر الملكي؟”
كان هذا مثاليًا تمامًا. لا شيء يفرغ الذهن أفضل من تحريك الجسد.
ثم ارتسمت ابتسامةٌ شريرة على شفتي إليسا.
_____________________
سوي بهم زولية تمشين عليها
المهم أدريان مسكين جته التهايم حتى وهو مب موجود 😭😭😭😭
التعليقات لهذا الفصل " 75"