كم مرةٍ كان ذلك حتى الآن؟ و كانوا لا يزالون يكررون الكلمات نفسها.
“أدريان أوبرون لا يمكن أن يذهب.”
“وريث أوبرون هو مستقبل سيفيا.”
“نرجوكِ، فلتأخذي سلامته بعين الاعتبار يا جلالة الملكة.”
لم يكونوا سوى ببغاوات.
و نظرت إليهم إليسا وهي تفكر بشرود. أن ذكاء الببغاء سيكون أعلى من ذكائهم حتى.
وبينما كانت نظرة إليسا تعبر المشهد الممل، وصلت أخيرًا إلى أدريان.
منذ أن تركته في حديقة القصر الملكي، بدا أنه لم ينم جيدًا، فقد اسودّ ما تحت عينيه.
ولم يكن ذلك فحسب، بدا وكأنه لا يتناول طعامه كما ينبغي، فقد نحل جسده، وكان واقفًا في قاعة الاجتماع بوجهٍ شاحب كما في ذلك اليوم، أشبه بشبح.
ومع ذلك، فإن بشرته التي انعكس عليها الضوء الصافي المتسلل عبر الزجاج لقاعة الاجتماع ظلت نقيّة، وازدادت الخطوط التي تصنعها عيناه العميقتان وأنفه الحاد وضوحًا.
وفوق ذلك، كان التباين الذي تصنعه خصلات شعره الأسود المتموجة يجعل خط فكه يبدو حادًا كأنه منحوت.
نعم، كان لا بد من الاعتراف. على الأقل، كان وجه أدريان أوبرون أكثر إثارةً للاهتمام بكثيرٍ من ثرثرة تلك الببغاوات.
الوقت الذي كانت فيه إليسا تطرد مللها، كان بالنسبة لأدريان تعذيبًا. فقد كان يشعر وكأنه سيفقد عقله من الفضول.
أراد أن يعرف بأي تعبيرٍ كانت تنظر إليه وهي تُمعنه.
هل ازدادت غضبًا؟ لو كان الأمر كذلك، ألم تكن لتكره حتى التعامل معه؟ فما السبب الذي يجعلها تواصل النظر إليه هكذا؟
كان أدريان يعرف إليسا شوتر جيدًا. لم تكن أبدًا تلتفت إلى ما تخلّت عنه مرةً واحدة. لذلك، لا بد أنها تركته ولم تمنحه حتى نظرةً واحدة.
لكن، لماذا الآن؟
ورغم أن الأمل سُحق بهذا القدر، بدأ قلب أدريان ينبض من جديد اعتمادًا على سببٍ واهنٍ للغاية.
شعر وكأن قلبه موجودٌ في كل وعاءٍ دمويٍ في خديه، وشعره، وعنقه وكتفيه.
كل موضعٍ تصل إليه نظرة إليسا كان قلبه ينبض فيه بجنون. بينما أراد أن يعرف. بأي تعبيرً كانت تنظر إليه.
وقد كان قلبه منقسمًا إلى شطرين يتقاتلان بعنف. نصفه يريد أن يدير رأسه ليتأكد من تعبيرها، والنصف الآخر قلقٌ من أنه إن فعل ذلك فقد تسحب حتى هذه النظرة التي تمنحها له الآن.
وبعد معركةٍ شرسة، انتصر القلق.
لم يرد أدريان أن يفوّت حتى شظيةٍ واحدة من نظرةٍ تمنحها له إليسا. فقد لا يحصل عليها مرةً أخرى أبدًا.
لم يستطع التفريط بفرصةٍ ثمينة نالها بصعوبة. و أليس من غير المستغرب حقًا لو أنها تركته ورحلت إلى شلريد فوراً؟
وفي خضم ذلك، كان النبلاء الشيوخ يتفوهون حقًا بكلامٍ أحمق لا غير.
كان يمكن تلخيص حديثهم في سطر واحد. إليسا لا بأس أن تكون في خطر، و أدريان لا يجوز.
من دون أن يدركوا أن هذه القضية، بالنسبة لأدريان أوبرون نفسه، كانت معكوسةً تمامًا.
وبعد قليل، صرفت إليسا نظرها عنه. لم تعد عيناها تمسحان ملامح وجهه بعد الآن. وكان ذلك يعني أيضًا أن السبب الذي يجعله يبقى في قاعة الاجتماع قد اختفى.
“جلالة الملكة، أرى أن المزيد من الاجتماعات لم يعد ضروريًا.”
“سيد أوبرون! هل قررتَ أخيرًا أن تصغي إلى رأينا؟”
كان الجرو الذي يتجول حول أسوار القصر طلبًا للطعام أذكى منهم على الأرجح.
“إنهم لا يملكون بديلًا أفضل مني، ويكررون الكلام نفسه أيامًا وليالي. أليس إضاعة المزيد من الوقت غير ضروري؟”
وافقت الملكة الجالسة في المقعد الأعلى، بوجهٍ ضجر، دون تردد.
“أشاركه الرأي. لا تكشفوا عن عجزكم أكثر من ذلك.”
وهكذا، شق أدريان طريقه ليُدخل نفسه في رحلة إليسا المتجهة إلى شلريد.
***
انتهى الاجتماع أخيرًا، لكن النبلاء الشيوخ الذين لم يتخلوا عن أطماعهم ظلوا متشبثين بأدريان.
“أرجوكَ، عليكَ أن تغيّر رأيكَ.”
“لا ينبغي لكَ أن ترتكب هذا الفعل الأحمق من أجل امرأةٍ واحدة.”
“يجب أن تفكر في والدكَ و والدتكَ.”
وعندما ذُكر اسما أوفيليا وإدوين أخيرًا، لم يستطع أدريان كبح ضحكةٍ سخرية قصيرة.
لكن، من دون أن يتاح لهم الوقت ليستمع إلى كلامهم، بدأت إليسا تتحرك بخطواتٍ سريعة، تاركةً إياه مع النبلاء وفي قاعة الاجتماع.
أمام ظهر إليسا وهي تبتعد عنه مرةً أخرى، لم يعد أدريان قادرًا على مجاراتهم مع الحفاظ على الحد الأدنى من المظاهر.
“توقفوا.”
ما إن أصبح موقف أدريان باردًا على الفور، حتى ارتجف بعضهم، لكن بعض كبار السن اعتبروا ذلك مجرد طيش شاب، واستمروا في محاولة استرضائه.
“أنتَ ما زلتَ صغيرًا، ولهذا تتعلق إلى هذا الحد بامرأةٍ لا تعدو كونها امرأة.”
“ستفهم مع مرور الوقت. النساء من هذا النوع كثيرات، ويمكنكَ دائمًا أن تجد علاقةً جديدة.”
كانوا سكارى بصورة أنفسهم وهم يلقون النصح على وريث أوبرون، غير مدركين لحدة التعبير الذي ارتسم على وجه أدريان أوبرون.
“مجرد امرأة؟”
“نعم، مهما كان أصلها من سلالة دوق روسيريكا، فإليسا شوتر في النهاية ليست سوى ابنةٍ غير شرعية. أما أنتَ، فأنتَ الابن البكر لدوقية أوبرون الكبرى. عليكَ أن تقدّر حياتكَ أكثر-“
“أعد ما قلتَ. بماذا وصفت خطيبتي الآن؟”
كادت هالة القتل التي تحوم حوله أن تجعل النبلاء الشيوخ يبدأون بالتحفظ والتراجع.
ولو كان في يده سيفٌ أو مسدس، أيًّا كان، لربما لم يكونوا موجودين في هذا العالم الآن فعلًا.
كانت هالته مريبةً إلى درجة أن ذلك التهديد كان ينتقل إليهم كما هو.
“سـ، سيد أوبرون.…”
“ألم تسمعوني؟ أم أنكم تتظاهرون بعدم السماع؟ إن أعدتُ كلامي، فهل ستفهمون حينها؟”
“….…”
“هذا تحذيري الأخير. لا تستخفوا بخطيبتي أمامي مرةً أخرى.”
“….…”
“لأنني حينها قد لا أعرف أنا نفسي ما الذي سأفعله.”
وما إن أنهى كلماته، حتى كأن معجزةً قد حدثت، إذ انشق النبلاء الذين كانوا يسدون الطريق، وفُتح ممرٌ أمام أدريان.
لم يرَ أدريان سوى مؤخرة الرأس الحمراء المستديرة أمامه، فتقدم بخطى مستقيمة نحوها.
وفي تلك الأثناء، وقف أمام إليسا التي خرجت وحدها من قاعة الاجتماع بعد أن تركت أدريان خلفها، ظلٌ طويلٌ واحد.
كان الانطباع اللطيف لشعره البني لا يزال كما هو، لكن بدا أن معاناةً نفسية طويلة قد أنهكته، فكانت هناك ظلالٌ عميقة معلّقةٌ على وجهه لا يمكن إخفاؤها.
“أنا آسف.”
لم تكن الكلمات التي خرجت من فمه بصوتٍ خافتٍ ومتراجعٍ سوى تلك.
“إينوك.”
حين نادت إليسا اسمه، خفّض وجهه أكثر كأنه لا يجرؤ على رفع رأسه.
“إينوك فيتزجيرالد. ألا تسمعني؟”
وعندما نادت إليسا اسمه للمرة الثانية، كان أدريان قد وصل بالفعل، بعد أن تخلص من النبلاء الشيوخ الذين كانوا يلتصقون به، ووقف خلفها بوجهٍ مشتعِلٍ بالغضب.
“لا بد أنك أدركتَ جيدًا كم كان ما فعلته متهورًا.”
لم يستطع إينوك أن ينطق بكلمة، واكتفى بتلقي توبيخ أدريان بصمت، لكن أدريان بدا وكأنه ازداد غضبًا من هذا التصرف، فرفع صوته في النهاية.
“بسبب الحماقة التي ارتكبتها يا إينوك فيتزجيرالد، اضطرت إليسا-!”
“نائب الأميرال أوبرون.”
لكن إليسا استطاعت أن تُسكتَه بكلمةٍ واحدة فقط.
اهتزت عينا أدريان الحمراوان كما لو أن زلزالًا قد ضربهما، ونظر إلى إليسا بقلقٍ ظاهر. بينما جفّ فمه تمامًا واشتد قلقه.
‘لا، لا يمكن أن يكون ذلك.’
لا يعقل أنها في هذا الموقف أيضًا ستقف إلى جانب ذلك العقيد ذو الشعر البني، لا إلى جانبه.
من أجل من كان عليها أن تتجه إلى أرض العدو؟ وبسبب من كانت تخوض هذا الخطر كله.…؟
‘لا يمكن أن يحدث ذلك.’
“نائب الأميرال، لدي ما أتحدث به مع العقيد، فتفضل بالانسحاب قليلًا.”
‘آه….كان أمرًا.’
طلبت منه إليسا أن يبتعد، فقط لتتحدث مع إينوك فيتزجيرالد لا غير.
مع أن خطيبها واقفٌ هنا، طلبت منه أن يفسح المجال.
ولم تكتفِ بذلك، بل أصدرت له أمرًا. كأن حتى إضاعة الوقت في جدالٍ معه أمرٌ لا يستحق.
نادته بنائب الأدميرال، واستخدمت مكانتها لتأمره.
‘ليتها طلبت فقط. لو فعلت ذلك فقط.’
شعر وكأن حبلاً مشدودًا بإحكامٍ قد انقطع فجأة. وكأن الأرض التي كان يتشبث بها بصعوبةٍ قد انهارت إلى هاويةٍ سحيقة.
“حسنًا.”
ومع ذلك، كان جسد أدريان يطيع أوامرها بإخلاص.
لم يكن هناك خيارٌ آخر. فكيف له أن يجرؤ على رفض أوامرها؟
‘كيف لي أن أجرؤ.’
_____________________
وتستمر معنا سلسلة دهس آمال ادريان😭😭😭😭😭
ومن من؟ من حبيبة قلبه ام عياله
اليسا ادري ان اينوك خويس وكذا بس ترا سوا غلط لا تصيرين حبيبه بزياده ولا طاح زود
مع انه لو طاح زود ادريان بيغار ونشوف سلسلة مثير للشفقة مره ثالثه✨😘
ويمكن عاد تمشي عليها ذا المره
المهم حتى الملكة ماصدقت تخلص الاجتماع نشبه ذا العجايز
التعليقات لهذا الفصل " 73"