جدًا. ولم يكن ما يدلّ على انسياب الزمن سوى صوت الماء القادم من النافورة الموضوعة في وسط الدفيئة.
حتى أدريان، الذي كان يظنّ بطيشٍ أن أيّ شخصٍ يمكن أن يُضحّى به ما دام الأمر لا يطال حياة إليسا، تردّد للحظة.
لكن أدريان عاد إلى الواقع أسرع من إليسا بقليل. فطالما أن أحدًا لا بد أن يموت، فالمهم فقط أن لا تكون إليسا هي ذلك الشخص. ولا وجود لأي خيارٍ آخر.
وأخيرًا، استعادت إليسا وعيها وفتحت فمها بصعوبة.
“الإمبراطورية لن تُخدع.”
كانت تلك هي الكلمات القليلة التي استطاعت إليسا أن تنطق بها.
كانت تدرك تمامًا كم سيبدو هذا الكلام أحمق في نظر الملكة. فحتى في أذنيها هي، كان ارتجاف صوتها البائس مسموعًا بوضوح.
“إن علمت الإمبراطورية بأنها خُدعت، فإن إمبراطور إستروا-”
“إن دققنا القول، فهذا يُعدّ خداعًا فعلًا. وحتى لو أدركوا لاحقًا أنهم خُدعوا، فلن يكون بوسعهم فعل شيء.”
عندها فقط، لم يكن أمام إليسا إلا أن تدرك الحقيقة.
الملكة لم تكن تنوي تجنّب الحرب. بل الأدق أنها كانت تعلم مسبقًا أن تجنّبها مستحيل.
“أليس من الأفضل، إن وُجدت طريقةٌ لمنع الحرب، أن نحاول منعها قدر الإمكان؟”
“يا أدميرال، لا توجد مثل هذه الطريقة. منذ اللحظة التي تنكّروا فيها في هيئة دبلوماسيين، فقد أعلنوا الحرب فعليًا.”
في هذا الرأي، كانت إليسا متفقةً أيضًا.
لكن، أليس من الممكن على الأقل أن نحاول؟
إليسا رأت بعينيها كيف يمكن حتى للقراصنة أن يدمّروا حياة الناس اليومية. فكيف بحربٍ مع الإمبراطورية؟
سيفيا، حيث توجد القاعدة البحرية، ستتحوّل بلا شكٍ إلى بحرٍ من النيران.
لم يكن بإمكانها أن تقف مكتوفة الأيدي وتراقب ذلك. لم يكن بإمكانها أن تركب موجة التاريخ دون أن تفعل شيئًا.
وفوق كل ذلك، كيف لها أن تزجّ ببرايان البريء في فم الموت فقط لتحفظ حياتها؟
“إن كان لديّ طريقٌ أعود به حيّةً من الإمبراطورية، هل ما زالتِ تُصرّين على دفع ابن دوق أوبرون إلى الهلاك؟”
توجّه زوجان من العيون نحو إليسا في آنٍ واحد. إحداهما للملكة، والأخرى لعيني أدريان الحمراوين.
كانت نظرة الملكة مجرّد فضول، أما نظرة أدريان فكانت غضبًا صريحًا، إلى حدّ أن رغبته في إسكات فمها كانت واضحةً حتى من طرف العين.
كان جبينه معقودًا بشدّة، وكأن أي كلمةٍ ستخرج من فم إليسا لن ترضيه مهما كانت.
لم يكن ذلك الضغط المرعب نفسه الذي بثّه في قاعة الاجتماع ضد كبار النبلاء، لكنه كان يشعّ بهالةٍ تقول لإليسا بوضوح: توقفي عن هذا الجنون.
لكن الطرف المقابل كان إليسا. لم تكن لتعامله كما يعامله كبار النبلاء، ولا لتخشاه.
تجاهلت أدريان بخفّة، ووجّهت نظرها إلى الملكة.
و الملكة، بعد أن سمعت كلام إليسا، أطلقت زفرةً خفيفة مليئةً بالاهتمام.
“دائمًا ما تقولين أشياءَ تثير فضولي.”
كان على شفتي الملكة أثر ابتسامة. و رفعت ذقنها قليلًا، ونظرت إلى إليسا وكأنها تقول: تفضّلي، تكلّمي.
“ما يقلق جلالتكِ هو احتمال ألا أعود من إمبراطورية إستروا، أليس كذلك؟”
“وبصورةٍ أدق، ألا تعودي وتقعي في الأسر، وتفشي جميع الأسرار العسكرية للبحرية.”
تفوهت الملكة بهذه الكلمات المرعبة دون أن يتغيّر لون وجهها.
و أظهر أدريان امتعاضه الصريح من تشكيك الملكة في إليسا، لكن الملكة تجاهلته بخفّةٍ وكأنها كانت تتوقّع ذلك.
وقد تجاهلت إليسا كلمات الملكة الأخيرة، وتعمّدت أن تسعل سعالًا خفيفًا.
“لديّ طريقةٌ للخروج من الإمبراطورية بسلام.”
“وما هي؟”
“ألا أستخدم الطريق البرّي.”
ضاقت عينا الملكة عند سماع كلام إليسا.
“لكن الإمبراطورية لا تملك ساحلًا جنوبيًا، فكيف؟ لا تقولي أنكِ تنوين الإبحار عبر الساحل الشمالي؟”
قاطعت الملكة كلامها وكأن الفكرة عبثية.
“مهما بلغت براعتكِ في الملاحة، فهذا مستحيل. بحر الشمال بحرٌ مجهولٌ لم تُشقّ فيه طرق بحريةٍ حقيقية. حاولت الإمبراطورية لعقودٍ فتح مساراتٍ فيه لكنها تخلّت بسبب كثرة الأنهار الجليدية والشعاب الصخرية. أتقولين أنكِ ستخرجين حيّةً من هناك الآن؟”
لوّحت الملكة بيدها وكأنها تقول كفى هراءً. لكن إليسا هزّت رأسها بخفّة. فلم تكن خطتها تلك الفكرة المجنونة بافتتاح بحر الشمال.
“لا. سأدخل الإمبراطورية عبر الساحل الجنوبي، ثم أعود إلى سيفيا مباشرةً عبر ذلك البحر.”
“أتعنين….؟”
“نعم، صحيح. سأعبر عبر شلريد.”
“…….”
“وسأعود عبر شلريد.”
حين سمعت الملكة كلام إليسا غرقت في تفكيرٍ طويل.
لكن مهما أعادت التفكير، فإن إرسال جثة الابن غير الشرعي وتحمّل غضب الإمبراطورية بنفسها كان أقل احتمالًا لمنع الحرب من إرسال قائدة الأسطول البحري لإقناع الإمبراطورية.
و لم يدم تردد الملكة طويلًا.
“هل تستطيعين إقناع شولتز توغراهان؟”
“بالطبع. ملك شلريد لن يكون أمامه خيارٌ سوى الموافقة.”
وبصرف النظر عن تعتيم ملامح الملكة، بدت إليسا واثقةً ومعتزةً بنفسها، كأنها تؤكد أن الأمر في غاية السهولة، وكأنها قد حصلت بالفعل على موافقة شولتز توغراهان.
ولم ينزعج من هذا اليقين الذي لا بداية له ولا نهاية سوى أدريان أوبرون وحده.
وبعد تفكيرٍ قصير، فتحت الملكة فمها،
“استعدوا لإرسال رسالةٍ إلى شلريد. سنستمع أولًا إلى رده، ثم نتخذ القرار.”
“شكرًا لثقتكِ، يا صاحبة الجلالة.”
في تلك اللحظة، اندفعت من طرف الدفيئة طفلةٌ صغيرة لا يبدو أن عمرها تجاوز العاشرة.
“أمي صاحبة الجلالة!”
ما إن خرج هذا اللقب المضحك الذي يمزج بين “الملكة” و“الأم” من شفتي الطفلة الوردية الفاتحة، حتى لان الجو المتصلب في لحظة.
الأميرة، الابنة الوحيدة للملكة، ارتمت في حضن أمها مختبئةً في ثنايا تنورتها.
ولم يدم الابتسام على شفتي الملكة سوى لحظةً قصيرة، إذ سرعان ما أبعدت الأميرة عنها بصوتٍ صارم.
“سينثيا، ماذا قلتُ لكِ أن تفعلي عندما يكون هناك ضيوف؟”
عند كلمات الملكة، اعتدلت الأميرة التي كانت مترهلةً كثلجٍ صيفي، وشدت تنورتها بيدها، ثم مدت يدها الأخرى نحو إليسا.
“لقد ارتكبتُ تصرفًا فظًّا، فهلّا تسامحينني؟”
أمام مظهر الأميرة الصغيرة اللطيف، انحنت إليسا وقبّلت ظهر يدها بسرور.
“بالطبع، يا صاحبة السمو.”
وعندما انزاح شعر إليسا المنسدل كستارةٍ من الدانتيل وانكشف وجهها، فاحمرّت وجنتا سينثيا أكثر مما كانتا عليه قبل قليل.
“جَـ….جميلة!”
كانت تفتقد إحدى أسنانها الأمامية، فخرج نطقها مشوشًا.
ضحكت الملكة، وإليسا، وحتى الوصيفات اللواتي اندفعن خلف سينثيا متأخراتٍ وهن يضربن الأرض بأقدامهن، جميعهن ضحكن.
والوحيد الذي لم يضحك في ذلك المكان كان أدريان.
ثو التفتت الملكة إلى الوصيفات وسألت،
“أين كارلو؟”
“ها أنا هنا.”
دخل إلى الدفيئة متأخرًا رجلٌ ذو شعرٍ بلون القش وملامح ودودة، بخطواتٍ واسعة. وكان يرتدي زيًا رسميًا يليق بقامته الفارعة.
كان الزوج الوحيد للملكة، ملك سيفيا.
وعلى عكس آن ماري التي كانت تمارس نفوذها في الساحة السياسية بنشاط، لم يكن كارلو يُظهر نفسه كثيرًا حتى أمام النبلاء. وكان من النادر جدًا بين النبلاء من رآه شخصيًا لا في لوحةٍ رسمية.
ولهذا انتشرت حتى شائعاتٌ سخيفة تقول أن الملكة كانت تحتجز زوجها بدافع الغيرة من النساء اللواتي يقعن عليه بأبصارهن. وحين رأت إليسا وجهه، فهمت سبب انتشار تلك الشائعات.
ما إن دخل الدفيئة حتى توجه بخطواتٍ سريعة نحو سينثيا، ثم رفعها بين ذراعيه.
“قلتُ لكِ أنه لا يجوز الدخول إلى هذا المكان دون إذن.”
ثم أدى التحية للملكة بانحناءةٍ مهذبة.
“صاحبة الجلالة، أعتذر عن مقاطعة وقتكِ الثمين. سأتولى إعادة الأميرة بنفسي.”
وحين أومأت الملكة برأسها موافقة، غادر كارلو الدفيئة برفقة الوصيفات.
وحتى وهي محمولةٌ بين ذراعيه، ظلت سينثيا تلوّح لإليسا بيدها بحماس.
“أعتذر عن ذلك، فلنعد إلى حديثنا. الأطفال وحدهم لا أستطيع ضبطهم وفق مشيئتي، للأسف.”
“لا بأس، يا صاحبة الجلالة.”
“سنرسل رسالةً إلى شلريد أولًا. لكنني لا أفهم كيف لكِ كل هذا اليقين. أي صورةٍ أظهرها لكِ شولتز توغراهان في روسيريكا حتى تكوني واثقةً إلى هذا الحد؟”
و بدلًا من الإجابة، اكتفت إليسا بابتسامةٍ واثقة.
“سأحقق النجاح حتمًا.”
وعند تلك الكلمات، ازداد وجه أدريان قتامة.
__________________
يسسسس كنت متوقعه شولتز بيدخل معهم في السالفه وادريان من الحين غار وناسه انه ينفجر ويعلم اليسا بكل شي مسألة وقت✨
الاميره تدنننننننننن ذوقها حلو حتى وابوها وناسه يجنن بس كأنه خيخه او مستانس بوضعه حالياً؟ كول
المهم ماقالت عاد في الاخير ادريان بيروح معها ولا؟ لأن لو ماراح معها احتمال يلحقها لو سباحه في البحر مب بعيد😂
التعليقات لهذا الفصل " 71"