“لكن كيف نعرف إن كانت الآنسة أغلى من المال أم لا؟ لم نرَ وجهها حتى.”
ومع نكاتهم القذرة، أخذت ملامح أدريان تزداد شراسة. وفي النهاية، لم يحتمل أكثر، فاندفع خارج العربة.
كان برايان يتململ في مكانه، جالسًا في العربة يراقب تعابير إليسا بقلق. لكن إليسا، ما إن خرج أدريان، شبكت ذراعيها بلا اكتراث وأسندت ظهرها، وكأن لا داعي للقلق.
كل مخاوف برايان كانت بلا جدوى، وكأن لديها إيمانًا راسخًا بأن أدريان وحده قادرٌ على القضاء عليهم جميعًا حتى دون تدخلها.
كان من الصعب تصديق وجود مثل هذا الإيمان بين إليسا وأدريان أوبرون، لكنه كان موجودًا بالفعل. ثمة ثقةٌ غريبة وغير مألوفةٍ تجمع بينهما.
إليسا لن تعرف ذلك طوال حياتها، ولن تحاول حتى أن تعرف، لكن بعيني برايان، كانت حقيقة تلك الثقة واضحةً تمامًا.
“اذهبوا قبل أن أقولها مرةً أخرى.”
حتى مع كلام أدريان، واصل زعيم قطاع الطرق ابتسامته الماكرة وهو يتعرض لإليسا.
“رأيتُ امرأةً في العربة قبل قليل. إن سلّمتَ لنا تلك المرأة، سأحفظ ثروة سيدي كما هي. ما رأيكَ؟ عرضٌ مغرٍ، أليس كذلك؟”
ضحكت إليسا بسخريةٍ على رتابة هذا العرض المبتذل.
والأمر المضحك أن أدريان، الذي كان يواجهه في الخارج ويستمع إلى هرائه، شعر بالأمر ذاته.
“إن كنتَ قادرًا، فجرّب.”
“هل تتظاهر بالرجولة أمام امرأة؟ ألا تبالغ في الثقة بقدراتكَ يا سيدي؟”
فانفجر جمع قطاع الطرق بالضحك وهم يسخرون من أدريان.
“لا، فأنا لا أثق بسيفي فقط.”
أدرك برايان فورًا المعنى الحقيقي لتلك الكلمات.
أدريان أوبرون لم يشك يومًا واحدًا في مهارة إليسا شوتر. والثقة التي تحملها إليسا كانت، بطبيعة الحال، موجودةً أيضًا لدى أدريان.
ثقةٌ غريبة بين الاثنين. رابطٌ متين يشدّهما معًا رغم كرههما لبعضهما.
“ما الذي يتباهى به هذا الأحمق في مواجهة مجرد قطاع طرق؟”
همم….كما توقع. إليسا لم تكن تعرف، ولم تكن لديها نيةٌ لأن تدرك.
بدا أن معنى كلام أدريان لم يرق لإليسا، فنقرت بلسانها ومدّت يدها نحو باب العربة.
بدت وكأنها ستضربهم في أي لحظة، فارتبك برايان وأمسك بطرف ثوبها دون وعي.
“ماذا تنوين أن تفعلي الآن؟ لا تقولي أنكِ ستتدخلين بنفسكِ في هذا الوضع؟ ألم تسمعي أنهم يستهدفونكِ أنتِ، يا سيادة الأدميرال؟”
“ولأجل هذا فقط، أخاف من أمثال هؤلاء الأوغاد وأختبئ خلف أدريان أوبرون؟ أُعامَل كأنني امرأةٌ ضعيفة أمام حثالةٍ كهذه؟”
و الذي ارتبك من كلامها كان برايان.
“….لكنكِ على الأقل خطيبة أدريان أوبرون، أليس كذلك.…؟”
أضاف برايان ذلك بدهشة، فحدّقت فيه إليسا بنظرةٍ قاتلة ثم خرجت من العربة بخطواتٍ حازمة.
“إن لم ترغب في أن تكون أول عضوٍ يُطرد من البحرية فور انضمامه، فالزم الصمت وابقَ مكانكَ. من تظن نفسكَ لتعاملني كجبانةٍ غبية؟”
وما إن أنهت كلامها الحاد مع برايان حتى قفزت إليسا من العربة.
عندما سُمِع صوت اهتزاز العربة، ألقى أدريان نظرةً سريعة إلى الخلف. و التقت عيناه بعيني إليسا، لكنه لم يحاول إيقافها.
كان يعلم أكثر من أي شخصٍ أن مهارة أولئك القطاع الطرق لا تكفي حتى لقطع شعرةٍ واحدة من رأسها.
“إن كان لديكَ ما تقوله، فقله لي مباشرة.”
“واو، يا لها من آنسةٍ جريئة. ألا تحتملين رؤية رجلكِ يقاتل وحده؟”
قال زعيم قطاع الطرق ذلك وهو يتفحّص إليسا بنظراتٍ وقحة.
“يا آنسة، هذا الرجل لا يستحقكِ. مقارنةً بكِ، هو خسارة.”
“أعرف ذلك.”
ما إن أنهت إليسا كلامها حتى استدار أدريان، الذي كان يواجه قطاع الطرق، فجأةً إلى الخلف.
بينما بدأ زعيم قطاع الطرق بالثرثرة دون أن يشعر حتى بنظرة أدريان القاتلة المليئة بنية القتل.
كان يظن أن كلام إليسا مديحٌ له، حتى أنه هزّ كتفيه بزهو، في مشهدٍ يبعث على الاشمئزاز.
“صحيح، أليس من الأفضل أن أكون أنا بدل رجلٍ لا يستطيع حتى حماية امرأته؟ في هذه الأيام، لا بد أن تلتقي المرأة برجلٍ وسيمً ورجولي مثلي-”
“الأمر ليس كذلك.”
“ماذا؟”
“أغلق فمكَ قبل أن أقطع لسانكَ.”
وقبل أن تنتهي إليسا من كلامها، اندفع جسدٌ ثقيل إلى الخلف وطار بعيدًا.
تفاجأ زعيم قطاع الطرق بما حدث في لحظة، فأخذ ينظر حوله ببلادة، ثم أدرك متأخرًا أنه تلقى ركلةً من امرأة، فاشتعل غضبًا، ونهض صارخًا وسحب سيفه واندفع.
“آااه!”
لكن إليسا أوقفت قاطع الطريق المندفع نحوها بكل خفة. و ما كان في يد إليسا سيفًا لم يُسحب حتى من غمده.
منذ تلك اللحظة، أدرك قطّاع الطرق أن هذا الجمع ليس عاديًا، وبدأوا يهاجمون جماعات. وفي غفلة، كان أدريان قد تخلّص من كل قطاع الطرق القريبين منه ووقف إلى جانب إليسا.
ثم أخذ زعيم قطّاع الطرق، الذي ركلته إليسا، يصرخ بجنونٍ مطالبًا بالقبض عليهما فورًا.
“أمسكوا بهذين الاثنين وسأكافئكم! هاجموا فورًا!”
“لا تقلق، سأقتلع عينيكَ اللتين تجرأتا و ألقت نظرةً على خطيبتي.”
و التي ردّت على كلام أدريان كانت إليسا.
“سأحوّلكم إلى أشلاء، وبعدها سأمزّق فمكَ أنتَ أولًا، أدريان أوبرون.”
بدت محادثتهما لزعيم قطاع الطرق وكأنها مزحة تسلية. فاحمرّ وجهه وازرقّ من شدة الغضب وهو يشعر بأنه يُسخر منه.
“اهجموا جميعًا هيّا كما أمركم!”
لكن قبل أن تُكمل إليسا نطق الأمر، كان قطاع الطرق قد استلّوا سيوفهم دفعةً واحدة واندفعوا نحوهما.
بدأت المواجهة، وأُحيط بإليسا وأدريان من كل جانب. فأسندت إليسا ظهرها إلى أدريان بهدوءٍ تام. كان ذلك إجراءً طبيعيًا جدًا بالنسبة لها، فهي مدرّبةٌ على القتال الحقيقي.
مهما كان الخصم تافهًا، فإن كثرتهم كانت كبيرة. وفي مثل هذا الوضع، كان الاعتماد على الحليف لحماية الظهر من الأساسيات.
لكن كل شيءٍ بدا مختلفًا بالنسبة لأدريان.
شعر بحرارة جسد إليسا خلفه مباشرة. وكان شعرها الأحمر المتمايل يدخل مجال رؤيته باستمرار.
إليسا شوتر أسندت ظهرها إلى أدريان أوبرون. كان ذلك أشبه بعلامة ثقة، حتى شعر أدريان أن قلبه على وشك الانفجار، وأن جسده كله سيتوهج احمرارًا في أي لحظة.
رفع قطاع الطرق أسلحتهم بتوترٍ وهم يواجهونهما، لكن تعبير إليسا كان مملًا إلى حد السأم. فمن الواضح أن أسلحة قطاع الطرق لم تُصنَع ولم تُصن جيدًا.
حتى طريقة إمساكهم بالسيوف كانت في غاية الركاكة في نظر إليسا وأدريان.
وبعد قليل، وكما هو متوقع، لم يتمكن قطّاع الطرق، رغم تفوقهم العددي، من الاقتراب، وقد دبّ الخوف في قلوبهم أمام مهارة إليسا وأدريان.
“أتعجزون عن الإمساك بشخصين فقط وتُحدثون كل هذه الجلبة؟ وتدّعون أنكم سادة هذا الجبل؟!”
حتى صراخ الزعيم الجهوري لم يستطع دفع أولئك الذين رأوا بعينهم مهارة إليسا وأدريان الساحقة إلى التقدم خطوة.
وفي داخل العربة، كان هناك برايان، يطلّ برأسه من بين ستارةٍ صغيرة مفتوحةٍ قليلًا، يراقب كل شيء.
وما إن رأى برايان أسلوب قتال إليسا وأدريان حتى انفتح فمه دون أن يشعر.
كان مشهدًا لا يمكن إلا أن يبعث على الإعجاب. لم تتقاطع تحركاتهما، ولم تتشابك. كانا يقاتلان بتناظرٍ تام، دون أي خطئٍ واحد، وكأنهما يرقصان معًا وهما يسندان ظهريهما لبعضهما.
من الذراعين الممدودتين حتى نصل السيف، كانت الخطوط انسيابية، وخطواتهما لم تعق مسار الآخر ولو مرةً واحدة.
وبينما كان برايان يحدّق فيهما شارد الذهن، اندفع فجأةً أمام عينيه وجهٌ ضخم لأحد قطاع الطرق.
وجه ذو ندبة طويلةٍ على الخد. اقتحم المشهد دافعًا أثر رقصة السيوف من خلف زجاج العربة.
فارتعب برايان وسقط من مقعد العربة. وفي اللحظة نفسها، انفتح باب العربة بعنف.
“يبدو أننا وجدنا هنا فأرًا صغيرًا واحدًا مختبئًا.”
_____________________
الموضوع واو وثقة وكذا
أدريان في عالم ثاني: شعر إليسا! ظهر إليسا! والله ينرحم😭
علاقتهم كذا مره عاجبتني باقي بس سوء فهم عصير التفاح ثم ابيهم يكملون كذا يعني مثلاً تتهاوش معه عشانه ما علمها بدري وكذا✨
التعليقات لهذا الفصل " 61"