وفي فم الرجل، الذي تفوح منه رائحة ملحٍ نفاذة، كان هناك كمّام، بينما كانت يداه وقدماه مشدودات بسلاسل حديدية تطبق عليه بإحكام.
كانت ملابسه بلا شك مصنوعةٌ من قماشٍ فاخر، لكنها الآن متسخةٌ وممزقة إلى حدٍّ يرثى له. ومع بلورات الملح العالقة بها هنا وهناك، كانت آثار الدم تتسرب منها.
حين وقف إينوك أمامه، تقدم الجندي الذي كان يراقب الرجل، وقدم له كل ما وُجد معه من جواهر وأموال، إلى جانب بطاقة هويته.
“هذا كل ما خرج من التفتيش الجسدي.”
لم يكن بحاجةٍ حتى إلى التحقق من بطاقة الهوية؛ فمن الواضح أنها مزورة.
رمى إينوك اللوح الخشبي تحت قدميه، ثم داسه بقسوة. و ترافق صوت انكسار الخشب المبتل بصوتٍ أجوف مع ارتجاف كتفي رويل. وبدأت ذراعاه المتصلتان بالسلاسل ترتجفان، فيما لم يتوقف الصوت المقزز لاحتكاك الحديد بالأرض.
ثم نظر إينوك إلى الرجل نظرةً باردة.
‘هل كان خائفًا حقًا، أم يتظاهر بالخوف؟’
نقر إينوك لسانه في داخله، ثم أمر الرائد الواقف إلى جانبه.
“انزعوا الكمّام.”
ما إن أُزيل الكمّام عن فمه حتى انفجر صارخًا بلهجةٍ مظلومة.
“ما الذي تفعلونه بي—”
لكن قبل أن تكتمل الجملة، أدخل إينوك أصابعه في فم رويل وعبث بداخله بعنف.
نفض يده المبتلة باللعاب، ثم تحدّث ببرود.
“لا سمّ.”
“ألا يحق لي أن أسأل لماذا تفعلون بي هذا؟ ما الذي ارتكبته من خطأ! هل هكذا تتعامل بحرية سيفيا مع المدنيين؟!”
وأمام صراخ رويل، الذي كان يحتج بأن لا بحرية في العالم تعامل ناجيًا من غرقٍ على هذا النحو، ابتسم إينوك ابتسامةً ساخرة.
“أي تاجر هذا الذي يعرف سفينة القراصنة أكثر مما يعرف البضائع المحملة على سفينته؟”
أي مدني؟ هذا مستحيل.
تردد صوت إينوك ببرودةٍ داخل السجن، وترددت أصداؤه في الهواء القارس الذي لفّ الرجلين.
كانت لحظةً قصيرة جدًا، لكن إينوك لمح اهتزازًا في عيني رويل. ولم يفوّت تلك اللحظة.
“أنتَ تعرف من أكون، أليس كذلك؟”
ساد صمتٌ أثقل من السابق. و لم يعد رويل يرتجف، ولم يعد يجر سلاسله مصدِرًا ذلك الصوت المعدني المزعج.
اختفت تمامًا ملامح الظلم والغضب والخوف التي كانت تملأ وجهه قبل لحظات.
“قل. من أكون؟”
“….إينوك فيتزجيرالد، عقيد.”
كما لو كان يتوقع ذلك، خرج من فم إينوك ضحكٌ قصير ساخر. لكن سرعان ما ارتفعت زاوية فم رويل، وكأنه يسخر من إينوك نفسه.
“وهل معرفة اسم الضابط البحري الذي أنقذني جريمةٌ إلى هذا الحد؟”
قالها رويل ذلك وهو ينظر مباشرةً في عيني إينوك. فتجعدت ما بين حاجبي إينوك قليلًا.
“من أين كنتَ قادمًا؟”
“ألم أقل هذا مرارًا؟ كنتُ على متن سفينةٍ تجارية، هاجمها القراصنة فغرقت! لماذا تفعلون بي هذا؟”
“نعم، هكذا يكون التمثيل المقبول.”
“….…”
“آه، لم تفهم بهذه الطريقة؟”
تقدم إينوك خطوةً أخرى نحوه، وملامحه قاتمة. فامتد ظله طويلًا فوق جسد رويل.
“إذًا دعني أسألكَ هكذا. من أرسلكَ؟ جاسوس أي جهةٍ أنتَ؟”
في اللحظة التي نطق فيها إينوك بتلك الكلمات، اختفت المظلومية تمامًا من وجه رويل. تغير تعبيره في طرفة عين، حتى بدا كشخصٍ آخر.
“هيا، لنسمع. أي نوعٍ من الروايات يكتبها عقيدنا الموقر؟”
“….…”
“تفضل، أيها العقيد العظيم. برأيكَ، جاسوس لمن أكون؟”
“هل أرسلكَ إمبراطور الإمبراطورية؟”
عندها انفجر رويل ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، ضحك حتى كاد السجن يهتز، ثم قطع ضحكته فجأةً وأجاب.
“تعرف شيئًا واحدًا وتجهل اثنين، أيها العقيد.”
“….…”
“الإمبراطورية ليست دولةً صغيرة مثل سيفيا. يبدو أن عقيدنا، الذي تعفن عمره كله في بلدٍ ضئيل كهذا، لا يدرك كم شمسًا تشرق ليكون هناك سماءٌ واحدة.”
“ماذا تريد؟”
“أين إليسا شوتر؟ سمعت أن مغادرة أدميرال بحرية سيفيا للبحار الجنوبية أمرٌ نادرٌ جدًا.”
كان رويل يبتسم ويدور بنظره حول إينوك، دون أن يجيب إجابةً حقيقية عن أي سؤال.
وما إن خرج اسم إليسا من فمه، حتى شدّ إينوك قبضته بقوة، وقد توتر جسده كله، لكنه بالكاد حافظ على هدوء ملامحه.
“لن تتاح لكَ فرصةٌ لرؤيتها.”
“حقًا؟”
ابتسم رويل ابتسامةً مائلة مستفزة.
“تعرف واحدًا وتجهل اثنين، أيها العقيد.”
لم يستطع إينوك أن يتنبأ بما ينوي قوله، فاستنفر حواسه كلها، ومد يده بحذرٍ نحو المسدس عند خصره.
لكن ذلك كان بلا جدوى.
“الحرب….قد بدأت بالفعل.”
عند تلك الكلمات، تجهم وجه رويل، ثم سال الدم من فمه سيلًا.
“لا!”
اندفع إينوك نحوه كأنه قُذف، وأدخل يده في فمه يفتش بعنف، لكن قطعة اللحم التي فقدت أصلها تركت في يده إحساسًا لزجًا مقرفًا وهي تسقط.
وبينما كان يبصق الدم المتفجر من لسانه المبتور، ظل رويل يضحك ضحكةً ملتوية.
كان يبدو كأنه يقول لإينوك بهذا المشهد: أنتَ من سيدفع إليسا شوتر إلى ساحة الحرب.
في تلك اللحظة، اندفع أحد جنود البحرية إلى السجن تحت الأرض على عجل.
“سيدي العقيد، جميع السفن التي عبرت المضيق الجنوبي مؤخرًا كانت سفن قراصنة مرخّصةٌ تابعة للإمبراطورية. ذلك الرجل جاء من الإمبراطورية….”
لكنه لم يتمكن من إكمال تقريره. كان رويل قد أصبح جثةً بالفعل، ولم يبقَ سوى الدم الأحمر العالق بيد إينوك، ولعابٌ لزج، وقطعة لحمٍ حمراء تتدحرج على الأرض.
لم يكن غبيًا إلى الحد الذي لا يفهم فيه ما يجري. الناجي من الغرق كان جاسوسًا إمبراطوريًا، والإمبراطورية، الدولة الوحيدة في القارة، كانت تنوي شن حربٍ على سيفيا.
وما حدث هنا الآن كان سيقدم ذريعةً مثالية لإعلان الحرب.
لم يبقَ سوى رعبٍ جامد، كدمية بلا تعبير، يلف إينوك.
حاول أن يغسل وجهه بيديه الجافتين، لكنه توقف حين رأى يديه الملطختين بالدم. فانفرجت شفتاه، وخرج صوته منخفضًا، متعبًا للغاية.
“يجب أن نذهب إلى العاصمة. علينا أن نبلغ القصر الملكي بهذه الحقيقة في أسرع وقتٍ ممكن، ولو بيومٍ واحد.”
***
للوصول من إقليم أوبرون إلى العاصمة، كان لا بد من عبور جبل هيغن.
و عبور ذلك الجبل بعربة كان يستغرق أسبوعين كاملين. أما على ظهور الخيل، فحتى على مهل، يمكن قطعه في عشرة أيام. وربما، لو كانت السرعة بسرعة إليسا وأدريان، لكان أسبوعٌ واحد كافيًا.
لكن بدل إعادة العربة في آخر محطة بريد قبل الجبل واستئجار الخيول، دسّ أدريان مزيدًا من المال في يد السائق وسأله إن كان بإمكانهم متابعة عبور الجبل بالعربة.
“لن نذهب على ظهور الخيل؟”
حتى إليسا لم تعترض بكلمةٍ واحدة على قرار أدريان.
و أدرك برايان فورًا أن السبب هو نفسه. فإليسا وأدريان كانا من أولئك الذين يفضلون الخيل على العربة. لولا وجوده، لما كان هناك داعٍ لأن يتكبدا عناء الطريق الجبلي الوعر داخل عربةٍ متأرجحة.
“أنا أجيد ركوب الخيل أيضًا.”
تفحصته إليسا من أعلى إلى أسفل عند صرخته الجريئة.
أما أدريان فلم ينظر إليه أصلًا، وكأنه لا يستحق السمع. عندها انكمش كبرياء برايان قليلًا تحت نظرات عدم الثقة في عينيهما.
“هل سبق لكَ أن عبرت جبلًا وأنتَ على ظهر حصان؟ لا ميدان فروسية مستوٍ، ولا طريق صيدٍ ممهد؟”
بهذه الجملة، سحقت إليسا ما تبقى من كبريائه بيدها وألقته في سلة المهملات.
“…….”
كان وجه إليسا وهي تنظر إلى برايان العاجز عن الرد يقول بوضوح: لم أكن أتوقع شيئًا أصلًا.
وأشارت بذقنها نحو العربة.
“لا نريد زيادة حمولةٍ بلا فائدة، فاصعد إلى العربة بهدوء.”
في النهاية، لم يكن أمام برايان سوى أن يصعد العربة متثاقلًا. ولحق به أدريان بعد أن أنهى التفاوض مع السائق.
فهم برايان الأمر فورًا. كان ذلك لمنع جلوس إليسا إلى جواره، ولو عن طريق الصدفة.
فأخوه رجلٌ يفضّل أن يتخلى هو نفسه عن الجلوس بجانب إليسا، على أن يجلس رجلٌ آخر إلى جانبها.
أي نوع من العقول يمتلكه؟ أم لأنه شخصٌ اعتاد التخلي عن مشاعره منذ زمن؟
هز برايان رأسه سريعًا. أيجرؤ لقيطٌ مثله على القلق بشأن دوق المستقبل؟
لكن هذه الأفكار المترفة لم تدم طويلًا. فما إن انطلقت العربة على الطريق الجبلي المتمايل حتى انقطعت تمامًا.
عن من كان يقلق أصلًا؟ بدا وكأن ظهره سينكسر من شدة اهتزاز العربة.
التعليقات لهذا الفصل " 57"