كان الرجل الواقف أمامها شديد الشبه بأدريان أوبرون. ولم يكن بينهما اختلاف سوى أمرٍ واحد.
إن كان أدريان يملك شعرًا أسود داكنًا كظلمة الليل، فإن هذا الرجل كان ذا شعر بنيٍ ناعم.
و ذلك وحده جعل ملامحه تبدو ألطف بكثيرٍ من أدريان.
“برايان نورث.”
“أوخ، من فضلكِ لا تناديني باللقب.”
يبدو أنه لا يطيق لقبه كثيرًا. حسنًا، أليس هذا حال كل من وُلد غير شرعيٍ في سيفيا؟
فأصلًا، هم يولدون دون أن يعرفوا اسم آبائهم. ولذلك لم يكن ينبغي أن يكون لهم لقبٌ من الأساس. لكن لأنهم أبناء نبلاء رفيعي المقام، مُنحوا ألقابًا لا تكاد تكون سوى ألقاب ازدراءٍ أو أسماءٍ مستعارة.
“حسنًا. هل تستطيع فتح هذا الباب؟”
لوّح برايان بمفتاحٍ صغير واحد. عندها كانت المفاجأة من نصيب وصيفة الدوقة.
“كـ، كيف تملكه؟! لو علمت الدوقة بذلك.…!”
“شش. إن تظاهرتِ بعدم المعرفة فلن يحدث شيءٌ للدوقة. أنتِ تعلمين ذلك، أليس كذلك؟ لقد أنهكها القلق على ابنها كثيرًا.”
وضع إصبعه على شفتيه وابتسم ابتسامةً دائرية. لم يُعرف أكانت سخريةً أم إغواءً، ابتسامة شابٍ مستهتر.
“كل هذا لأنكَ دخلتَ قصر أوبرون!”
“وأنا أيضًا لم آتِ بإرادتي، تعلمين؟ أوبرون باردةٌ جدًا.”
هزّ برايان نورث كتفيه صعودًا وهبوطًا بخفةٍ مبالغٍ فيها.
“ما الذي تريده؟”
“واو، صراحتكِ مريحة.”
ابتسم ابتسامته الدائرية نفسها نحو إليسا.
“اصطحبيني معكِ إلى البحرية.”
“ولماذا؟”
“لماذا؟”
“ألم يُصب دوق أوبرون بخيبة أملٍ من أدريان إلى حد حبسه في القبو؟ ألا تنتظر أن ترث بيت أوبرون حين يحين الوقت؟”
“أليس كل ذلك قد حُلّ بقدومكِ يا زوجة أخي؟ أبي الآن يضغط على الطهاة ليُعدّوا مأدبةً فورًا إكرامًا لكِ.”
‘زوجة أخي….’
لطالما اعتقدت إليسا أن أدريان هو الوريث الشرعي الوحيد لبيت أوبرون، ولم تتخيل يومًا أن تسمع هذا اللقب.
“لماذا؟ ستتزوجان قريبًا، فلماذا تكرهين هذا اللقب هكذا؟ آه، أم لأنني ابنٌ غير شرعي؟”
“ألم تنسى أنني أيضًا ابنةٌ غير شرعية؟”
“لكن هل تقارَن أعظم أدميرال في المملكة بعاطل يتسكع بلا عملٍ مثلي؟”
“….…”
“ثم إن أبي، لو مات أخي، لربما أقام مراسم منح اللقب على جثته، لكنه لن يورث أوبرون لي أبدًا.”
عند هذه الكلمات، عدّلت إليسا تقييمها له قليلًا.
لم يعد من الممكن اعتباره مجرد شابٍ مستهتر يغازل الوصيفات. كان برايان نورث يتمتع بوعيٍ ذاتيٍ مخيف.
“حسنًا. تعال معي إلى الجنوب.”
حين ابتسم ابتسامةً عريضة، ظهرت غمازةٌ في خده الأيسر.
“إذًا، أعطني المفتاح.”
“لا، ليس بعد. لم تُقنعي أبي بعد.”
“ماذا؟”
“لقد وعدتِ بأخذي إلى البحرية.”
“ولهذا قلتُ تعال معي إلى الجنوب.”
“إلى البحرية؟ هذا شيءٌ يمكن لأي كلب أو بقرة الانضمام إليه.”
“ماذا قلتَ؟”
“الجميع يعلم أن البحرية تعاني نقصًا في المتقدمين، والتجنيد فيها مفتوحٌ دائمًا. ليست مثل فرسان الملك، حيث لا يدخلها إلا خريجو الأكاديمية. ما دمتُ دون رتبة رائد، فلن يسألوا حتى عن أصلي.”
كان هذا صحيحًا، لكن سماعه من فم شاب لا ينتمي للبحرية جعل الغضب يتضاعف.
“لم أكن أراكِ هكذا يا زوجة أخي، يبدو أنكِ بارعةٌ في الخداع. طلبتُ منكِ أن تأخذيني إلى البحرية، وأنتِ كنتِ تنوين فقط أخذ المفتاح مجانًا، أليس كذلك؟”
كان هذا صحيحًا تمامًا. دون أي خطأ.
قال برايان ذلك وكأنه يقرأ أفكارها. و لم تكن تتوقع أنه يدرك تلك التفاصيل الصغيرة.
“ما أردته هو أن تُقنعي أبي.”
“….…”
“أبي يريد إبقائي دائمًا تحت ناظريه، يراقبني طوال حياتي. يخشى أن أطمع يومًا في مكان أخي، فيضغط عليّ بلا توقف. وفي الوقت ذاته، يسحبني إلى أوبرون بحجة تهذيب أخي، ليعذبني بالأمل فقط. أليس هذا مثيرًا للشفقة؟”
قال ذلك وهو يعبس بشفتيه، لكن لا يبدو أنه جاء إلى أوبرون يومًا وهو يحمل أملًا حقيقيًا.
“على أي حال، إن أقنعتِ أبي في مأدبة العشاء، سأعطيكِ المفتاح.”
“اتفقنا.”
عندما أجابت إليسا بإيجاز وأومأت برأسها، بدا أن برايان لم يكن لديه غرضٌ من الصعود إلى هنا سوى هي وحدها، فخطا خطواته محاولًا مغادرة الرواق.
“يبدو أنكَ تهتم كثيرًا بأخيكَ؟”
عند كلمات إليسا، استدار برايان ونظر إليها.
“أنا؟”
“وإلا فما السبب الذي يدفعكَ لمساعدتي على دخول هذه الغرفة؟”
في البداية ظنّت أنه يحاول مساعدة الوصيفة، لكن كلما استمعت إلى حديث برايان أدركت أن الوصيفة لم تكن ضمن اهتمامه منذ البداية.
بل كان الاسم الذي لا يفارق فمه هو أدريان فقط.
“وماذا عنكِ يا زوجة أخي؟”
“أنا؟”
“ألا يراودكِ أي فضولٍ حقًا؟ منذ متى يتعرض أخي لمثل هذه الأمور، وهل هذه هي المرة الأولى التي يفعل فيها الأب به شيئًا كهذا، أعني.…”
تهرّب برايان بسلاسةٍ من الإجابة وحوّل دفة الحديث نحوها، لكن إليسا لم تكن مثله.
“وهل عليّ حقًا أن أعرف كل ذلك؟”
أجابت و كأن سؤاله لم يكن بهذه الصعوبة.
في تلك اللحظة اتسعت عينا برايان بدهشة.
“اليوم هو أول يومٍ في حياتي أشفق فيه على أخي. لم أكن أتصور أن يأتي يومٌ كهذا.”
قال ذلك ثم انفجر ضاحكًا بجنون، حتى أنه اضطر لمسح الدموع التي تجمعت في عينيه من شدة الضحك.
“إذاً، أرجو أن تعتني بالأمر جيدًا في مأدبة العشاء. على الأرجح لن أكون مدعوًا إلى هناك.”
***
كان كلام برايان صحيحًا.
لم يكن على الطاولة الواسعة سوى ثلاثة أشخاصٍ فقط. الدوق أوبرون، والدوقة أوبرون، وإليسا.
كان خدم المطبخ ينقلون الأطباق بنشاط، وكانت الدوقة أوبرون تُظهر استياءها من هذا المجلس بوضوح، بينما تظاهر الدوق أوبرون بتجاهلها وأخذ يحدّث إليسا بلا انقطاع.
“حين نجلس متقابلين هكذا تعود إليّ ذكريات الماضي. لم أظن أننا سنلتقي مجددًا بسبب أمرٍ كهذا.”
“هل سبق لي أن زرتُ قصر الدوق أوبرون؟”
“آه، هل كنتِ صغيرةً إلى حد لا يتيح لكِ التذكر؟ لقد خرجتُ للصيد مع والدكِ آنذاك. وكانت هناك طفلةٌ لم تبلغ العاشرة تعرف كيف تطلق النار، لقد أدهشني ذلك حقًا.”
‘آه، تذكّرت.’
كانت تلك أول مرة تلطخت فيها يداها بالدم.
بعد وفاة والدتها، صار قصر روسيريكا بالنسبة لإليسا مكانًا يفوق قسوة مضايقات ديرين وكيينا بكثير.
في كل زاوية من ذلك القصر كانت آثار أمها باقية، وكل مكانٍ يحتفظ بحكايةٍ روتها لها.
كان البحر الذي ابتلع أمها مخيفًا، لكن البقاء في ذلك المنزل كان أشد رعبًا. فلم يكن أحدٌ يكلّم إليسا، حتى أنها كانت تمر أيام كاملة دون أن تنطق بكلمةٍ واحدة.
وفي المرات القليلة التي ينساب فيها صوتها عبر شفتيها، كان يبدو غريبًا حتى على مسامعها.
لاحقًا، خوفًا من أن تفقد قدرتها على الكلام، كانت تقف أمام الجدار وتهمس بالكلمات التي كانت أمها تقولها لها. و كان أهل قصر روسيريكا يهمسون بأن إليسا مسكونةٌ بروح أمها.
ثم ذات يوم، وبمحض الصدفة، سمعت دوق روسيريكا وهو يحدّث ديرين.
“سنذهب إلى ميدان الصيد في الشمال، اذهب وجرّب إطلاق النار. إن اصطدتَ طائرًا واحدًا ولو صغيرًا، فسأرسلكَ حينها إلى الأكاديمية العسكرية التي لا تكف عن الغناء بها.”
من أحاديث الخدم التي كانت تتنصّت عليها خفية، عرفت أن الأكاديمية العسكرية تقع في العاصمة، وأنها مدرسةٌ داخلية.
كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة للهروب من روسيريكا التي قتلت أمها، ومن هذه المدينة البحرية البشعة، ومن هذا القصر الكابوسي.
فالطفلة إليسا لم تعرف وسيلةً أخرى لمغادرة المنزل.
“أودّ أن أذهب إلى ميدان الصيد أنا أيضًا.”
قالت إليسا ذلك وهي ترتجف، مخاطبةً أباها لأول مرةٍ منذ وفاة أمها.
ولسببٍ ما، ربما نزوة عابرة، أجاب دوق روسيريكا بكلماتٍ مقتضبة: نعم، حسنًا، ثم أنهى الحديث. وهكذا وصلت إلى ميدان الصيد مع بقية النبلاء.
ناول دوق روسيريكا ديرين بندقيةً طويلة، لكن ديرين لم يطلق رصاصةً واحدة في النهاية.
“حسنًا، جرّبي أنتِ.”
قال الدوق ذلك متحديًا ديرين وهو يسلّم إليسا البندقية. لم تكن تعرف حينها، لكنها الآن تفهم مقصده. كان يظن أن ديرين سيثار إن رأى طفلةً أصغر منه بكثير تطلق النار ولو مرةً واحدة.
كانت البندقية الطويلة ثقيلةً جدًا على إليسا الصغيرة. كادت قوة ارتكازها على كتفها أن تُسقطها أرضًا، لكنها عضّت على أسنانها وصمدت.
ضغطت إليسا الزناد، فدوّى صوت الطلقة، وبعد لحظة سقط شيءٌ ما في العشب البعيد. و انطلقت كلاب الصيد التي كانت تدور قريبًا كالسهم.
كان الحظ حليفها، لا يمكن وصف الأمر بغير ذلك.
لقد أطلقت إليسا الرصاص نحو طائرِ مهاجر كان يحلّق في السماء، لكن بطولها الصغير ويديها الغضّتين اللتين تمسكان السلاح لأول مرة، كان من المستحيل تقريبًا أن تصيب طائرًا طائرًا.
لكن بفعل تلك الطلقة، سقط من أعلى الشجرة طائرٌ مجهول كان يحتضن بيضه.
راحت كلاب الصيد تدور حول بركة الدم الصغيرة. و ملأ الطائر الملقى، بجناحيه وساقيه المتهدلتين، مجال رؤية إليسا.
“أحسنتِ، عملٌ رائع. هذه أول فريسةٍ لكِ.”
قال دوق روسيريكا ذلك وهو يضع الطائر الغارق في الدماء على كف إليسا.
كان جسد الطائر لا يزال دافئًا. و سال دمٌ لم تسفكه هي عبر معصمها، وشعرت بنبض قلبه المتسارع واضحًا في راحة يدها.
ثم، وقبل أن تمضي ثلاثون ثانية، انقطع نفسه.
كل ذلك حدث فوق يدي إليسا الصغيرتين، ابنة العشر سنوات.
وكانت تلك أيضًا اللحظة التي رآها فيها دوق روسيريكا لأول مرة على أنها قطعةٌ مفيدة.
_______________________
ياعمري هي وش ذا الصدمه توها ماتخطت امها والحين ذاه 😔
ابي قصص عن امها شكلها كانت حنونه معها خير غش
المهم برايان ذاه شكله كفو؟ وناسه حسبته بيجي واحد غبي ومصدق بياخذ الدوقيه بس طلع بعد هو يبي ينحاش😂
التعليقات لهذا الفصل " 53"