كان الجندي بيتر يرتجف خوفًا عند سماعه كلمة “أمرٍ ملكي” وهو يقود إليسا إلى القبو، لكنه لم يستطع التخلص من شعورٍ مشؤوم.
لذلك، وما إن غاب قائده قليلًا ليتكاسل للحظة، حتى بادر بالإبلاغ عمّا فعله بنفسه، فقوبل بتوبيخٍ وضربةٍ على الرأس مع شتيمةٍ تطال غبائه.
ومهما كان مشهورًا بين جنود قلعة أوبرون بكونه رأسًا حجريًا، فقد فرت دمعةٌ من عينيه.
والآن، كان يقف مرتجفًا أمام دوق أوبرون.
“من الذي سمح لكَ بإدخال شخصٍ إلى هذا القصر من دون إذني؟”
“قالت أنها خطيبة السيد الشاب.…”
قال ذلك بصوتٍ يكاد يختفي، لكن دوق أوبرون قذف كأس الماء الذي كان أمامه.
و تفاداه بيتر لا إراديًا بسرعة، فقرصه قائده في فخذه.
“خطيبة من؟ اطردوها فورًا.”
“ذ، ذلك أن هذا الأحمق هو من أخذ تلك الابنة غير الشرعية بنفسه إلى القبو.”
“ماذا؟”
“تـ، تلك الآنسة رأت بالفعل الحالة التي كان عليها السيد الشاب.”
“أتمزح معي؟! ألهذه الدرجة انعدمت لديكَ القدرة على التمييز حتى تُدخل غريبًا إلى هناك؟!”
ومع صراخ دوق أوبرون، ازداد بيتر انكماشًا.
ثم ألقى الدوق القلم من يده ونهض بعنف.
“سنرى لاحقًا. لن أترك هذا الأمر يمر هكذا.”
كان ذلك أشبه بحكم الإعدام بالنسبة لبيتر.
***
ذلك اللعين أدريان أوبرون أغمي عليه فور أن رآها تدخل القبو.
‘لقد كان يفتح عينيه بوضوح! كيف يُفترض بي أن أحمل هذا الجسد وحدي!’
كانت إليسا تحاول عبثًا أن تسند جسد أدريان المترهل على كتفها.
“يبدو أن فأرًا تسلل إلى بيتي.”
حينها، جاءها صوتٌ باردٌ من خلفها، زحف على عمودها الفقري بشكلٍ مزعج.
“الدوق أوبرون.”
كان ينظر إليها بصمت، وهي تقف بشكلٍ غير متوازن حاملةً ابنه على كتفها، كقطةٍ تحدق بفأرٍ قبل الانقضاض عليه.
“تشرفتُ بلقائكَ. أنا إليسا شوتر، الأدميرال البحرية من الجنوب.”
قدمت إليسا تحيةً مهذبة، لكنها كانت بلا جدوى.
“ما هذه الوقاحة؟ أتجرؤين على اقتحام قصر دوق أوبرون؟!”
“أنا فقط جئت لأنقل رسالةً من جلالة الملكة.”
“و تتوقعين مني أن أصدق ذلك وأنا أراكِ تحاولين اختطاف ابني؟”
“لو كان ابنكَ متروكًا على هذه الحال، أفلا يكون ما أقوم به إنقاذًا لا اختطافًا؟”
تلألأت عينا إليسا الذهبيتان بحدة. كانت نظرةً تُثبت أنها ليست فأرًا.
ثم رفعت زاوية فمها قليلًا ونادت الدوق مجددًا.
“هل تأذن لي أن أرفع إلى جلالة الملكة تقريرًا بكل ما رأيته اليوم، يا دوق؟”
فقبض دوق أوبرون على يده بقوة.
لو وصل هذا التقرير إلى الملكة المتمرسة في السياسة، فلا أحد يعلم متى وكيف سيعود ضعفًا قاتلًا ضده.
وقد كان خنق عنق تلك الابنة غير الشرعية الوقحة أسهل من شرب الماء.
وبهذا القرار، ورغم نظرته الناقمة إلى إليسا، تحدّث،
“….سأوجه لكِ دعوةً رسمية إلى قصر دوق أوبرون.”
“أشكركَ على حفاوة الاستقبال.”
“اتبعيني.”
“دوق أوبرون، ابنكَ ثقيلٌ جدًا. لا أستطيع حمله وحدي. من فضلكَ استدعِ أحدهم.”
‘تلك الوقحة!’
ومع ذلك، أشار دوق أوبرون إلى الجنود.
“ضعوه على السرير وأحضروا طبيبًا فورًا. حالته لا تبدو جيدة.”
لم تكن تلك الكلمات من فم دوق أوبرون، بل من فم إليسا.
وبينما كان الجنود يراقبون ردود الفعل، أومأ الدوق برأسه بخفة، عندها فقط أخرجوا أدريان أوبرون من القبو.
ثم قاد دوق أوبرون إليسا إلى غرفة الاستقبال على مضض.
وما إن قُدم الشاي الساخن، حتى أسرعت إليسا تضع يديها حول الفنجان لتدفئهما. عندها فقط شعرت بأن البرد بدأ يخف.
“إذًا، ما رسالة جلالة الملكة؟ ما الذي يستحق هذه الزيارة الوقحة؟”
سحبت إليسا يديها من الفنجان بأسف، ثم أخرجت من صدرها الوثيقة المختومة بختم الملكة، تلك التي استخدمتها قبل قليل لتهديد الجندي الصغير.
“هذا هو المقابل الذي وعدت به جلالة الملكة دوقية أوبرون لقاء خطوبتي من ابنكَ.”
مدّ الدوق يده إلى الوثيقة بملامح غير راضية.
في البداية بدا كمن يطالعها على مضض، لكن مع التقدم في القراءة، تحولت ملامحه إلى دهشةٍ وإعجاب.
“هل وعدت جلالة الملكة أوبرون حقًا بكل هذا؟”
كانت امرأةً خبرت دهاليز السياسة حتى النهاية. لم يكن من المعقول أن تمنح كل هذا بسخاء.
وكاد الدوق، ناسيًا هيبته، أن يتحقق بنفسه مما إذا كانت الوثائق مزورة، لولا أن كلمات إليسا أنقذته من ذلك.
“نعم، هذا صحيح.”
ربما، لو أُحسن استغلال هذه الأمور فعلًا، لكان بيت دوق أوبرون كمن يكنس أموال سيفيا بالمجارف.
“بهذا القدر، هل ستسمح لابنةٍ غير شرعية وضيعةِ بأن تتجرأ وتصبح عروس دوق أوبرون المستقبلي؟”
قالت إليسا ذلك وهي تنظر مباشرةً في عيني دوق أوبرون. و تلألأت عيناها الذهبيتان كأنهما ستخترقانه.
كانت تعلم أكثر من أي أحدٍ أن هذا عرضٌ لا يستطيع رفضه. لقد دخلت هذه اللعبة وهي تملك أوراق الفوز.
تلك الابنة غير الشرعية التي ستعقد خطوبتها على ابنه، أعادت من الملكة منجمًا قدّمه ابنه العاجز بيده، بل وانتزعت أيضًا حق الترسية لمشاريعٍ مهمة.
خرجت ضحكةٌ جوفاء من فمه من فرط العبث. فقد كانت فرصةً لن يضيعها إلا أحمق.
“هاها، يبدو أن سعة أفق زوجة ابني أعظم بكثيرٍ من ذلك الابن الذي ربيته وريثًا طوال حياتي.”
أمام هذا التحول السريع في الموقف، لم تستطع إخفاء السم المتدفق في كلماته، فاكتفت بخفض رأسها وتقديم عبارات الشكر الشكلية.
“إذًا، هل تأذن لي بالذهاب لرؤية خطيبي الآن؟”
“بكل تأكيد. لكن الطبيب قال أنه لم يستعد وعيه بعد.”
“شكرًا لإبلاغي.”
ورغم إخباره بذلك، ظل دوق أوبرون ينظر إليها باستغرابٍ وهي تنهض، وكأن في عينيه سؤالًا يقول: ما الفائدة من الذهاب لرؤيته وهو لا يستطيع حتى فتح عينيه؟
لكن إليسا أرادت فقط أن تغادر ذلك المكان بأسرع ما يمكن.
***
كانت إليسا تسير في ممر الطابق الثاني المؤدي إلى غرفة أدريان برفقة أحد خدم الدوق، حين تصادف أن خرجت دوقة أوبرون من تلك الغرفة.
و ما إن رأت الدوقة إليسا مجددًا حتى بدأت تشير إليها بأصابعها، وكأنها تنتقم لإهانةٍ سابقة.
“أتدرين ما الذي حل بابني بسببكِ؟! هل جئتِ إلى هنا لتقتليه مرةً أخرى؟! أيتها التي تجري في عروقها دماءٌ وضيعة، تريدين قتل ابني العزيز….”
أمام ذلك الغضب الذي لم يُعرف أهو نشيجٌ أم صراخ، لم تجد إليسا ما تقوله سوى جملةٍ واحدة.
“أنا من أخرج أدريان أوبرون من ذلك القبو المجنون.”
صححت إليسا سوء الفهم بإخلاصٍ تام.
“نعم، أنتِ تهينينني هكذا!”
لكن ما عادها لم يكن إلا مظلومية الدوقة.
لم تستطع إليسا فهم منطقها على الإطلاق. كانت تصرخ متهمةً إياها بقتل ابنها، وحين أخبرتها أنها أنقذته، أمسكت بعنقها متهمةً إياها بالإهانة.
“سيدتي، سيدتي! أرجوكِ تمالكي نفسك.”
“ألم تكوني قَلِقةً على السيد الشاب لدرجة أنكِ لم تتناولي شيئًا منذ أيام؟ لا يجوز لكِ الانفعال هكذا.”
حين ترنحت الدوقة، اندفعت الوصيفات من حولها وأمسكن بها. ومع ذلك، لم يهدأ غضبها تجاه إليسا.
“أرأيتِ؟! ألا تحتقرني هكذا؟! تلك الوضيعة لا تصلُح. ابني لا يمكنه أن يرتبط بابنةٍ غير شرعية كهذه….”
صرخت وعيناها تنقلبان بياضًا، ثم سقطت إلى الخلف.
“سيدتي! سيدتي!”
فأمسكت الوصيفات بجسد الدوقة الساقط.
بعد أن أطلقت لعنةً لا تكاد تُعد لعنة، فقدت وعيها. و حملتها بعض الوصيفات وهرعن لطلب الطبيب.
أما انطباع إليسا وهي تشاهد المشهد، فلم يتجاوز سطرًا واحدًا.
‘يا لضعف هذا الجسد.’
تجاهلت إليسا اللعنة الأخيرة، ووضعت يدها على مقبض باب غرفة أدريان.
لكن الباب لم يُفتح. و دار المقبض عدة مراتٍ مصدِرًا صوت طقطقة فارغ.
ثم انحنت الوصيفة التي كانت تحرس الباب معتذرة.
“نعتذر، لا يمكننا مخالفة أوامر دوقة أوبرون.”
“لكن دوق أوبرون سمح لي برؤية وجه خطيبي.”
“نعتذر، لا يمكن.”
“أتنوين مخالفة أوامر الدوق؟”
حين قالت إليسا ذلك، شحب وجه الوصيفة. كلمةٌ واحدة خاطئة، وكانت ستُطرد فورًا من هذا البيت.
سواءً طُردت بيد الدوق أو بيد الدوقة، فالمستقبل واحد.
“لذا، إن لم تكوني تنوين مخالفة إرادة الدوق، فافتحي الباب حالًا.”
وبينما كانت الوصيفة ترتجف وهي تخرج المفتاح من جيبها،
“كفى مضايقةً للخادمات المسكينات.”
كان صوت شاب.
وحين التفتت إليسا، رأت شابًا نحيل القوام يقف هناك. وكانت له عينان حمراوان تشبهان عيني أدريان تمامًا.
______________________
لايكون برايان ذاك؟ الي هو الدوقه مجنونه دامهت توصي وصيفاتها على كيفها طيب من زمان وصيهم يودون له اكل على الاقل؟ حتى وهو بزر ماسوت شي!
والدوق اشوا انه مصلحجي ماجاب لنا صداع✨
المهم اليسا تضحك اول ماشافته ماقالت يويلي وش حالته ذاه لا قعدت تسب انه ايه يغمى عليه ماتقدر تشيله😭
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 52"