كانت إليسا قد جاءت مستعدةً لأن تنصب خيمتها في العاصمة أيامًا طويلة وهي تنتظر. فمقابلة الملكة من دون موعدٍ كانت تتطلب عادةً ذلك القدر من الوقت.
وفوق ذلك، كان عليها أن تكون مستعدةً للرفض في أي لحظة، إذ قد لا تستسيغ الملكة الأمر أصلًا.
لكن نائب شؤون القصر قال لها فقط: “تفضلي بالانتظار قليلًا.” ثم اختفى في أعماق القصر الملكي، قبل أن يعود سريعًا.
“من هنا، من فضلكِ.”
وهكذا قاد إليسا مباشرةً إلى الحديقة التي كانت الملكة فيها.
سهولة الحصول على فرصة المثول جعلت إليسا مذهولةً على نحوٍ معاكس. وكأن الملكة كانت بانتظارها أصلًا، فقد سمحت بزيارتها بلا تردد.
المكان الذي وصلت إليه إليسا خلف نائب شؤون القصر لم يكن قاعة المثول الرسمية، بل مكانًا أعمق من ذلك بكثير، داخل المساحات المعيشية الخاصة بالعائلة المالكة.
وهكذا وصلت إليسا إلى الدفيئة الملكية داخل القصر، الحديقة الزجاجية التي لا يدخلها إلا أفراد العائلة المالكة. و امتزج عبير الزهور برائحة الأعشاب، فاحتواها بالكامل.
وفي نهاية مجال نظرها، رأت الملكة واقفةً أمام شجيرة.
“أدميرال شوتر. من غير المألوف أن تأتي إلى العاصمة في هذا الوقت.”
عندما اقتربت أكثر، رأت الملكة تمسك بنفسها مقص الحدائق، تقص به أغصان شجيرةٍ مشذبةٍ بعناية يصل ارتفاعها إلى صدرها.
ركعت إليسا على ركبةٍ واحدة أمامها وأدّت التحية.
“أتشرف بلقاء شمس سيفيا الأبدية.”
“دعوتكِ إلى هنا لا إلى قاعة المثول كي نتحدث براحة، فلا حاجة لكل هذا التكلف.”
بكلمات الملكة، نهضت إليسا ووقفت باستقامة.
“أليست حفلة الخطوبة وشيكة؟ يفترض أن تكوني منشغلةً بالتحضيرات، فما الذي أتى بكِ إلى هنا؟”
“علمتُ أن خطيبي عقد صفقةً مع جلالة الملكة بشروطٍ مجحفة للغاية تخص هذا الزواج، ولهذا جئت لأقابلكِ.”
ما إن انتهت إليسا من كلامها حتى اشتدت قبضة الملكة، وفي اللحظة نفسها انقطعت ساق الشجيرة بطَقّةٍ حادة.
سقط الغصن على التراب بصوتٍ مكتوم، وترك فراغًا في منتصف الشجيرة يكفي لإدخال قبضة يد.
عندها فقط وضعت الملكة المقص جانبًا. وصوت احتكاك النصل المعدني جعل قشعريرةً تسري في مؤخرة عنق إليسا.
“حقاً؟ إذاً دعينا نسمع. لا بد أن تكون شروطًا فادحةً حقًا. بما أن خطوبةً بأمرٍ ملكي باتت على الأبواب، فلا بد أن يكون السبب كافيًا لأن تجعلكِ تركضين من روسيريكا إلى بيرينكا.”
***
ما إن وطئت قدم أدريان أرض دوقية أوبرون حتى استقبله الجنود الخاصون الذين ربّاهم الدوق بنفسه.
“احبسوا هذا الوغد عديم الفائدة في القبو فورًا!”
بمجرد صدور الأمر من دوق أوبرون، اندفع الجنود رافعين سيوفهم نحو أدريان.
“لا، لا! ماذا تفعلون بابني! توقفوا فورًا! إدوين أوبرون! حتى أنتَ، مهما كنتَ—!”
صرخت الدوقة محاولةً التدخل، لكن نظرةً واحدة من الدوق كانت كافيةً لإسكاتها.
“سامحينا على قلة الأدب، سيدتي.”
وفي النهاية، اقتيدت الدوقة شبه مُجبرةٍ إلى الطابق الثاني على يد الجنود.
لفّ أدريان جسده بخفةٍ متفاديًا الجندي الذي اندفع نحوه، فسقط الآخر أرضًا بعدما فقد توازنه.
“أدريان أوبرون! أتجرؤ على بيع مناجم هايلو للملكة من دون إذني؟ لأنهم يلقبونكَ بابن دوق أوبرون المدلل، ظننتَ نفسكَ فوق رأسي؟!”
كان رأسه يؤلمه. لم يكن يهمه اسم ابن دوق أوبرون من الأساس. فتجاهل أدريان صراخ أبيه، وأمسك بذراع الجندي المندفع نحوه ولوّاها ثم طرحه أرضًا بقسوة.
“اليوم سأقوم بتهذيب تلك الوقاحة التي تربّيتَ عليها!”
وقعت عينا أدريان على سيفٍ معلق على الجدار.
كان سيفًا للزينة، لكنه في الحقيقة سيفٌ حقيقي، بل سيفٌ مُسمّى مُنح اسمه من ملك سيفيا السابق.
و من دون ذرة تردد، انتزع أدريان السيف بغمده من الحائط.
وفي تلك اللحظة، اندفع أحد الجنود خلف الدوق مطلقًا صيحةً قتالية نحو أدريان. وكان عددهم أكثر من ذي قبل.
“ها!”
لكن الهجوم أُحبط بسهولةٍ مثيرةٍ للسخرية. مع كل ضربةٍ يلوّح بها أدريان، كان الجنود يسقطون وهم يقبضون على بطونهم.
المؤسف الوحيد أنه لم ينزع الغمد ليقطعهم فعلًا.
غير أن خصمه كان دوق أوبرون، الرجل الذي يعرف قوة أدريان أكثر من أي شخصٍ آخر.
مهما أسقط منهم، ظل الجنود ذوو الأقنعة السوداء يتدفقون بلا نهاية. وكانوا جميعًا يحملون سيوفًا حقيقية، لا سيوف تدريب.
ومع اقتصار أدريان على الدفاع، بدأت حدوده بالظهور.
تمزق قميصه الأبيض في مواضع عدة، وشُق جلده هنا وهناك تحت حدّ السيوف. و بدأ نَفَسه يضيق تدريجيًا.
كم واحدًا أسقط؟ وكم بقي؟
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب واندفعت مجموعةٌ جديدة من الجنود المخفيين.
رُسمت دائرةٌ واسعة حول أدريان، وطُوّق بالكامل. و لم يعد القتال بسيفٍ داخل غمده ممكنًا.
وما إن قدّر عددهم حتى اتخذ قراره سريعًا. و رفع السيف الأسطوري لينزع غمده— فدوّى صوت دوق أوبرون الغليظ في القاعة.
“إن نزعتَ الغمد الآن، فسأعدّها تمردًا عليّ.”
“فكّر كما تشاء.”
ارتسمت ابتسامةٌ سامة على شفتي أدريان. أليس هذا كافيًا ليعني أن والده يريد قتله أصلًا؟
ماذا سيتغير إن نزع الغمد الآن؟ ماذا سيتغير إن خالف ذلك التهديد المتأخر؟
سقطت قطرةٌ باردة، لا يُدرى أهي عرقٌ أم دم، على مؤخرة عنقه.
طَنّ— وسقط غمد السيف على الأرض.
وكأنها كانت إشارة، اندفع الجنود المحيطون به دفعةً واحدة.
“غخ—.”
في كل مرة كان أدريان يلوّح بسيفه، كان الجنود يتساقطون كأوراق الخريف. نصفهم أفلت سيوفهم، ولم يستطع أيٌ من الجنود أن يمس جسد أدريان بحد نصل واحد.
بدأ نَفَس أدريان يضطرب تدريجيًا. الذراع التي كان يقبض بها على السيف أخذت تخدر، ومع كل اصطدام للسيوف كانت جراحه تنبض بالألم.
لكن أدريان أوبرون لم يترك سيفه يسقط من يده. و في كل مرةٍ كان النصل الفضي يشق الهواء، كان الجنود ينهارون وسط الصرخات.
ركل بأقدامه الجنود الساقطين الذين كانوا يعيقون حركته، ومع ذلك لم يتوقف أدريان عن التلويح بسيفه.
مجرد أنه لم يطعن نقاطهم القاتلة ليقتلهم كان في حد ذاته ذروة الرحمة التي أبداها أدريان.
وبعد قليل، كان جميعهم قد أفلتوا سيوفهم وسقطوا على الأرض وهم مثخنون بجراح سيف أدريان.
و لم يبقَ واقفًا سوى شخصين فقط. أدريان أوبرون، ودوق أوبرون.
“يبدو أنكَ استصغرتني.”
“مستحيل. أنا من ربّاك.”
قال دوق أوبرون ذلك وهو يشهر سيفه.
كان سيفًا ذا حدين يُمسك بكلتا اليدين، أثقل وأثخن بمرتين على الأقل مقارنةً بالسيف النفيس الذي في يد أدريان.
رفع دوق أوبرون سيفه بكلتا يديه وضرب به أدريان مباشرة. فأسرع أدريان ليصدّ— تصادمت السيوف، ودوّى صوتٌ كأن الهواء نفسه قد تحطم.
لكن سيف أدريان، الذي كان يصد الضربة بالكاد، أخذ يرتجف بعنف.
“لهذا الحد فقط وقد بدأت قوتكَ تخونك؟ يبدو أنكَ تحتاج إلى المزيد من التدريب، أدريان.”
قال ذلك بابتسامة ودودة، كأنه لا يرى الدم الجاري من ذراع أدريان، وكأنها نصيحةٌ يوجهها حقًا لابن يحبه.
ومع ذلك، واصل صب الهجمات الثقيلة فوق رأس أدريان بلا توقف، ينظر إليه بازدراء وهو يكافح فقط لصد سيفه. وعندما همّ بتوجيه الضربة الأخيرة، تفاداه أدريان بسرعة.
بينما شق السيف ذو الحدين الهواء، وترنح جسد دوق أوبرون واهتز لعدم قدرته على تحمل وزنه. وعندها رفع أدريان سيفه عاليًا فوق الدوق.
“كيران!”
كان دوق أوبرون ينادي على فارس حراسته الخاص، كيران، الذي أبقاه مخفيًا حتى اللحظة الأخيرة.
كان ينبغي أن يدرك أدريان منذ وقتٍ طويل أنه لم يكن ظاهرًا. لكن الندم جاء متأخرًا.
دوّى صوت ارتطامٍ مكتوم، وانقلب جسده إلى الأمام. وكيران، الذي وجه الضربة، أمسك بجسد أدريان المتهاوي.
“سيدي الشاب، أعتذر. أرجوكَ سامحني.”
ثم سرت آلامٌ حادة ممتدة من رأسه حتى عموده الفقري.
‘أين أُصبتُ؟’
وقبيل أن يفقد وعيه، كان الصوت الذي سمعه أدريان قرب أذنه هو صوت والده.
نفض يديه، ثم ألقى بأدريان على الأرض بعنف.
“اقتادوه.”
___________________
بغا يقتله عشان زواج؟ حشا تراه امر من الملكة يعني خلاص
التعليقات لهذا الفصل " 48"