كان قصر فيرموت يتربع في قلب العاصمة ألغار، شامخاً كقلعة من أساطير الزمن القديم. أضواء آلاف الشموع تتألق في نوافذه الواسعة، تخرج من خلف الستائر المخملية لتختلط بضوء القمر الفضي، فترسم على جدرانه الحجرية الرمادية لوحة من تتقاطع فيها الظلال و النور. كانت الحديقة المحيطة به متألقة بالأضواء الصغيرة المعلقة بين أشجار السرو القديمة، والطريق المؤدي إليه مفروش بالحصى الأبيض الذي كان يعكس ضوء مشاعل النحاس المصفوفة على جانبيه.
عربات النبلاء توالت أمام البوابة الرئيسية، الواحدة تلو الأخرى . كانت العربات من أجود الأنواع، بعضها مطعم بالذهب، وبعضها مزين بشعارات عائلات عريقة، والخدم يقفزون لفتح الأبواب ومد السلالم الفضية للسيدات المتأنقات. أصوات حوافر الخيول، وهمس السائقين، وحفيف الثياب الحريرية كانت تملأ الأرجاء بموسيقى هادئة قبل أن تبدأ الموسيقى الحقيقية داخل القاعة.
كانت الحفلة في بدايتها. النبلاء يتدفقون إلى داخل القصر، الرجال ببدلاتهم السوداء الرسمية، والنساء بثيابهن الزاهية التي تتفاوت بين الأزرق العميق والأحمر القاني والأخضر الزمردي. كانت المجوهرات تتلألأ على الأعناق والمعاصم، والريش يتمايل على التسريحات العالية، والضحكات المتصنعة تتردد في أروقة القصر.
عند بوابات القصر، توقفت عربة سوزانا السوداء اللامعة.
مزينة بشعار عائلة درافور الفضي المصقول ، يجرها حصانان أبيضان نقيان. نزل الخدم لفتح الباب، ونزلت سوزانا أولاً.
كانت متألقة.
ترتدي ثوباً من المخمل الأحمر الداكن، بقصة تغري بالجرأة لكنها تحافظ على الأناقة. خط العنق كان منخفضاً بما يكفي للفت الأنظار، لكنه لم يصل إلى حد الوقاحة. شعرها الكستنائي كان مصففاً بتعقيد، مرفوعاً بالكامل تقريباً، تاركاً خصلات صغيرة تتساقط على وجنتيها لتصقل ملامحها الحادة بعذوبة مصطنعة. تاج صغير من الياقوت الأحمر يتوسط تسريحتها، يتوهج تحت الأضواء كقطرة دم متجمدة. عيناها الخضراوان كانتا تتألقان بثقة مطلقة، تمسحان الحشد بعيون مليئة بالكبرياء .
نزلت بعدها ليديا بسرعة، كالعادة. كانت ترتدي ثوباً وردياً باهتاً، لا يلفت الأنظار، ولا يثير الإعجاب. كانت تعرف مكانها، وكانت تلتزم به.
ثم نزلت هانا.
توقف بعض الخدم للحظة عندما رأوها. لم يكونوا معتادين على رؤية هذه الفتاة ذات الشعر الذهبي والعيون الزرقاء بهذا الثوب الأزرق العميق، بهذه الثقة الهادئة. كانت هانا معروفة في البلاط، لكنها كانت معروفة كالظل، كالتابعة الصامتة خلف سوزانا. لكن الفتاة التي نزلت من العربة الليلة لم تكن ظلاً.
كان شعرها الذهبي ينسدل على كتفيها في تموجات ناعمة، يتلألأ تحت أضواء المشاعل كأنه منسوج من خيوط الشمس. الثوب الأزرق كان يناسب عينيها الزرقاوين بشكل مذهل ، يبرز بياض بشرتها وشعرها الذهبي كأنها لوحة فنية متكاملة. كانت تقف باستقامة و لم تخفض نظرها. بحركات بطيئة بدت واثقة و هي تنظر إلى القصر الفخم أمامها بعينين فيهما فضول وإصرار.
التفتت سوزانا إليهما. ألقت نظرة سريعة على هانا، ثم قالت بصوتها الناعم الحنون الذي يخفي إرادة حديدية.
“حسناً، يا فتيات. لا تبتعدا عني. سأقدمكما لمن يجب أن تقدما له، وستقولان ما أقول لكما أن تقولاه. كما تعودتما.”
كانت تبتسم ابتسامتها المعتادة، الحنونة التي لا تحتمل الرفض. نظرت إلى ليديا أولاً، فخفضت ليديا نظرها وأومأت برأسها بسرعة. ثم نظرت إلى هانا.
هانا نظرت إليها. في عينيها الزرقاوين لم يكن هناك خوف و لا تحدٍ، ولا رغبة في الإرضاء. كان هناك فقط… لا مبالاة. كانت تفكر في الشيء الذي جاءت من أجله، في الإجابة التي تبحث عنها. لم تكن تهتم بمن ستقدمها سوزانا، ولا بما ستقول لها أن تقوله.
لكنها أومأت برأسها ببطء في محاولة الا تلفت الأنظار إليها قبل الأوان.
ابتسمت سوزانا ابتسامة راضية، واستدارت لتتجه إلى مدخل القصر.
سارت في المقدمة، تتمايل بثقة، تعرف أن الأنظار تتجه إليها.
كانت تعرف مكانها في هذا البلاط، وكانت تحبه. خلفها، سارت ليديا بخطوات سريعة، كجرو يخاف أن يتخلف عن صاحبه. وخلفهما، كانت هانا تمشي ببطء، بخطوات واثقة، تنظر حولها بعينين تلتقطان كل التفاصيل.
كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها قصر فيرموت. لكنها لم تشعر بأنها تراه لأول مرة. كان هناك شيء مألوف في كل شيء . الأعمدة الرخامية الطويلة، السقف المقبب المزين بلوحات فنية، الثريات الكريستالية الضخمة التي تتدلى من الأعلى كشلالات من الضوء المتجمد.
ذكريات هانا كانت تتوارد إليها كالهمس البعيد. كانت تتذكر أن هذا الردهة تؤدي إلى قاعة الرقص الكبرى، وأن هناك غرفة صغيرة على اليسار كانت تستخدمها السيدات لإعادة لمسات الماكياج. النافذة الكبيرة في نهاية الممر تطل على حديقة الورود، و في ليالي الصيف كانت الأبواب تفتح لتتحول الحديقة إلى امتداد للقاعة.
كانت تعرف كل شيء.بديهيا و كأنها عاشت هنا .
كان هذا هو السبب الذي جاءت من أجله. كانت تريد أن تفهم. كانت تريد أن تعرف لماذا تعرف ما لا يجب أن تعرفه.
دخلن القاعة الكبرى.
كانت القاعة فسيحة، تتسع لمئات المدعوين. الجدران مغطاة بالرخام الأبيض، والأعمدة الذهبية تعلو إلى السقف المقبب الذي رسمت عليه لوحات تصور انتصارات الملوك القدامى. الثريات الكريستالية الضخمة كانت تضيء المكان بآلاف الأضواء المتلألئة، تعكسها الأرضية المصقولة كالمرآة.
النبلاء كانوا يتجمعون في مجموعات صغيرة، يتبادلون التحيات الباردة والمجاملات المتقنة. الموسيقى الهادئة كانت تنبعث من أوركسترا صغيرة في زاوية القاعة، تعزف ألحاناً كلاسيكية تليق بالمناسبة.
سوزانا كانت تسير في المقدمة، توزع الابتسامات والإيماءات كملكة تعرف مملكتها. هنا انحناءة خفيفة لدوق عجوز، ابتسامة عريضة لفيكونت شاب، تتبادل نظرات مع بارونة مؤثرة. كانت تعرف الجميع، وكان الجميع يعرفونها.
وفجأة، توقفت.
تصلبت ملامحها للحظة. ابتسامتها الناعمة تجمدت على وجهها، ثم عادت بشكل أوسع، لكنها كانت ابتسامة مختلفة.
نظرت هانا في الاتجاه الذي تنظر إليه سوزانا.
كانت هناك امرأة واقفة بجانب إحدى الأعمدة الرخامية، تتحدث مع مجموعة من الضباط الشباب. كانت طويلة، ممشوقة، ترتدي ثوباً من الحرير الفضي ينساب على جسدها كالماء. شعرها أسود كالليل، مصفف ببساطة شديدة، منسدلاً على كتفيها دون زينة تذكر. كانت تحمل في أناقتها رسالة مفادها أنا لا أحتاج إلى زينة، جمالي يكفي.
كانت الليدي إكاتلينا ستناوس.
التفتت إليهم للحظة. نظرت إلى سوزانا، ثم نظرت إلى ليديا، ثم نظرت إلى هانا.
عيناها كانتا سوداوين، عميقتين، فيهما ذكاء حاد وفضول خفي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، مهذبة، ثم عادت إلى حديثها مع الضباط.
كانت تضاهيهن جمالاً. بل كانت ربما أجمل. لكن الأهم من جمالها كان حضورها . لم تكن بحاجة إلى التقدم في الطليعة و التحدث بصوت عالٍ. كانت موجودة فقط، وكان الجميع مبهوراً بحضورها.
سوزانا شعرت بالتهديد. كان واضحاً في عينيها الخضراوين، في الطريقة التي شدت بها كتفيها إلى الخلف قليلاً، في الطريقة التي رفعت بها ذقنها أعلى قليلاً.
“إكاتلينا ستناوس،” همست سوزانا بصوت لا تسمعه إلا ليديا وهانا. “تظن أنها تستطيع أن تسرق الأضواء بمجرد ظهورها.”
لم تكن سوزانا تتحدث معهما. كانت تتحدث إلى نفسها، تطمئن نفسها.
نظرت إلى ليديا وهانا.
“تذكران. لا تبتعدان عني. سأحتاجكما الليلة.”
كانت كلمة “سأحتاجكما” هي ما لفت انتباه هانا. لم تقل “أريدكما”، ولا “سأستخدمكما”. قالت “سأحتاجكما”. وكأنها تعترف بأنها بحاجة إلى حاشية تبرزها، إلى ظل يجعل نورها أكثر وضوحاً.
نظرت هانا إلى إكاتلينا مرة أخرى. كانت المرأة لا تزال تتحدث مع الضباط، تضحك بين الحين والآخر ضحكة خفيفة راقية. لم تكن تبدو وكأنها تتنافس مع أحد. كانت تبدو وكأنها تستمتع فقط.
“من هي؟” سألت هانا بصوت منخفض.
التفتت إليها سوزانا بنظرة حادة. “ابنة الكونت ستناوس. تعتبر نفسها أجمل امرأة في البلاط.” ضحكت ضحكة قصيرة باردة. “دعينا نرَ من سينتصر في النهاية.”
نظرت هانا إلى سوزانا. كانت ترى فيها الآن شيئاً لم ترَه من قبل. لم تكن فقط المتسلطة المتكبرة. كانت أيضاً خائفة. خائفة من أن تطغى عليها امرأة أخرى و تفقد مكانتها و لا تكون الأجمل و الأهم، و الأكثر حضوراً.
كانت هذه اللعبة. لعبة البلاط. لعبة من يظهر أكثر، و من يبتسم بشكل أفضل، من يجذب أنظار ولي العهد.
لكن هانا لم تكن هنا للعبة.
كانت هنا لتجد إجابة. والإجابة، كانت تشعر بأنها قريبة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل "9"