4
كان اليوم الثالث والثلاثون منذ اضراب هانا عن ملاقاة أي كائن كيفما كان.
في صباح ذلك اليوم، توقف المطر أخيراً. كانت السماء لا تزال رمادية، لكن خيوطاً باهتة من الشمس بدأت تشق طريقها بين الغيوم، لتلقي بظلالها على قاعات القصر الرخامية. كان الهواء لا يزال رطباً، يحمل رائحة الأرض المبتلة والورد الذابل في حديقة القصر.
السيدة كلارا لم تنم جيداً منذ أسابيع.
كانت تقف في الرواق الشرقي، أمام باب غرفة هانا، ويداها مقبوضتان على صدرها. نظرت إلى الكرسي الخشبي بجانب الباب، حيث كانت صينية الأمس لا تزال كما هي: كوب الشاي لم يُمس، الخبز بدأ ييبس، قطعة الجبن تقلصت على أطرافها. صينية اليوم كانت لا تزال بجانبها، تحمل طعاماً جديداً، لكن كلارا لم تضعها بعد.
سمعت من الخادمات أن هانا لم تطلب الماء الساخن للاستحمام منذ أسابيع.
” إنها بالكاد تأكل فقط ما يمكن أن يبقيها على قيد الحياة ” همست كلارا لنفسها.
لكن كلارا كانت مدركة أن الماركيز رودريغر عندما يعود ويرى ما آل إليه حال ابنته ، لن يسألها إن كانت قد نفذت أوامرها بأبقاء الجميع بمنأى عنها . سيسألها لماذا لم تفعلي شيئاً حيال الوضع المريب و المأساة القائمة .
تنهدت كلارا تنهيدة عميقة، وقررت.
طرقت الباب برفق. مرة. مرتين. ثلاث مرات.
لا جواب.
“الآنسة هانا؟” نادت بصوت حازم لكنه ليس قاسياً. “إنها كلارا. سأفتح الباب.”
انتظرت لحظة، كأنها تمنح فرصة للرفض. لكن الصمت كان الجواب الوحيد.
أدارت مقبض الباب البارد. كان غير مقفل. دفعت الباب ببطء، ودخلت.
ما رأته جعلها تتوقف عند العتبة.
الغرفة كانت في حالة من الفوضى الهادئة. الستائر مسدلة بإحكام، لا يكسر ظلامها إلا خيط ضئيل من الضوء يتسلل من حافة النافذة. الهواء كان ثقيلاً، راكداً، يحمل رائحة الجسد غير المغسول، ورائحة الطعام القديم الفاسد .
على المنضدة بجانب السرير، كانت هناك أكوام من الأطباق المتسخة، بعضها يحمل بقايا طعام جفت منذ أيام. كأس شاي نصف ممتلئ بسائل أصبح غائماً.. وعلى الأرض، بجانب المرآة الضخمة المغطاة بملاءة سوداء، كانت هناك بطانية ملقاة، كأنها كانت تنام هناك أحياناً.
وفي السرير، تحت غطاء ثقيل، كان هناك جسد صغير منكمش.
اقتربت كلارا ببطء. رأت الشعر الذهبي الغامق منسدلاً على الوسادة، باهتاً، متشابكاً، كأنه لم يلمسه مشط منذ أسابيع بينما تبدت كتف هانا العلري يطل من تحت الغطاء، نحيفاً بشكل مقلق، عظام الترقوة بارزة بوضوح.
“الآنسة هانا.”
لم تتحرك.
جلست كلارا على حافة السرير، بحذر. مدت يدها ولمست كتف هانا برفق. شعرت ببرودة الجسد تحت أناملها، رغم الغطاء الثقيل.
“الآنسة هانا،” قالت مرة أخرى، بصوت أقل حزماً وأكثر دفئاً. “لقد مضى شهر كامل. لا يمكنك البقاء هكذا.”
كانت هناك حركة بسيطة تحت الغطاء. التفت هانا ببطء، ورفعت رأسها قليلاً.
صعقت كلارا مما رأت.
وجه هانا الصغير المشرق كان شاحباً بشكل مرعب، كأن الحياة انسحبت منه تماماً. العينان اللازوؤديتان الجميلتان كانتا غائرتين في محاجرهما، محاطتين بهالات سوداء عميقة، تنظران بذهول إلى كلارا كأنها لا تعرفها. الشفتان الورديتان اللتان كانتا دائماً تبتسمان للخدم أصبحتا جافتين متشققتين. الخدود الممتلئة قليلاً كانت قد ذبلت، وأصبح الوجه كله أرق، أضعف، كأنه يذوب يوماً بعد يوم.
هذه لم تكن هانا التي تعرفها كلارا. هذه كانت شبحاً لهانا.
“آنستي …” همست كلارا، وصوتها ارتجف للحظة الأولى في حياتها.
لم تقل هانا شيئاً. نظرت إلى كلارا بعينين زجاجيتين، ثم حولت نظرها إلى السقف، كأنها لا تملك القوة حتى للكلام.
كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها كلارا أن أوامر هانا لم تعد تهم. ما يحدث هنا ليس نزوة، ليس عناداً، ليس مجرد حزن عابر. هذا شيء آخر. شيء يقتل هانا ببطء.
وقفت كلارا، واتخذت قرارها.
“سأجهز الماء الساخن. سوف تستحمين اليوم.”
لأول مرة، رأت كلارا حركة في وجه هانا. نظرة خفيفة من الذهول، كأنها نسيت معنى كلمة استحمام.
“الآنسة هانا،” قالت كلارا بصوت لا يقبل الجدال، لكنه ليس قاسياً. “لن أسمح لك بتدمير نفسك هكذا. سأعود بعد قليل، وأتوقع أن تكوني قد نهضت من هذا السرير.”
لم تنتظر جواباً. خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب بهدوء.
في المطبخ، كانت الخادمات ينظرن إليها بفضول خائف عندما أمرت سامنتا بتسخين الماء، و شارون بإعداد منشفة نظيفة وملابس جديدة.
“سيدة كلارا،” تجرأت شارون. “هل… هل رأيتها؟ كيف حالها؟”
توقفت كلارا للحظة. نظرت إلى الخادمات الثلاث اللواتي كن ينظرن إليها بعيون مترقبة. عرفت أن ما تقوله الآن سينتشر في القصر كالنار.
“إنها على قيد الحياة،” قالت باختصار. “هذا كل ما تحتاجون إلى معرفته.”
لكن قبل أن تخرج من المطبخ، توقفت وأضافت بصوت خافت: “جهزوا الماء بسرعة. هي بحاجة إليه.”
—
بعد ساعة، عادت كلارا إلى غرفة هانا، ومعها سامنتا تحمل دلوا من الماء الساخن، وشارون تحمل مناشف نظيفة وزجاجة عطر، وثوب نوم جديد من الكتان الأبيض.
طرقت كلارا الباب هذه المرة بقوة أكبر.
“الآنسة هانا، الماء جاهز.”
كان الصمت يخيم على الأرجاء .
فتحت كلارا الباب، ودخلت مع الخادمات. كانت هانا لا تزال في السرير، لكنها جلست هذه المرة، ظهرها متكئاً على اللوح الخشبي للسرير. نظرت إلى الدلاء التي تحملها الخادمات بعينين لا تزالان زجاجيتين، لكن فيها هذه المرة شيئاً من الوعي.
“اخرجوا،” أمرت كلارا سامنتا وشارون. “سأعتني بها.”
ترددت الخادمات للحظة، ثم انصرفن.
وقفت كلارا أمام هانا، ونظرت إليها بعينين حازمتين .
“الآن، آنستي. إلى الحمام.”
لم تتحرك هانا.
تنهدت كلارا، ومدت يدها إليها. “سأساعدك. لا تخافي.”
نظرت هانا إلى يد كلارا الممدودة. نظرت إليها طويلاً، كأنها ترى شيئاً لا تراه كلارا. ثم ببطء، ببطء شديد، رفعت يدها المرتجفة ووضعتها في يد كلارا.
كانت اليد باردة، نحيلة، خفيفة كالريشة. شعرت كلارا وكأنها تمسك بيد طائر مهيض الجناح.
ساعدتها كلارا على النهوض من السرير. تمايلت هانا للحظة، كأنها لم تقف على قدميها منذ زمن. تمسكت بذراع كلارا بقوة، وتنفست بصعوبة.
“ببطء،” قالت كلارا. “لست في عجلة.”
مشت بها خطوة خطوة نحو الحمام الملحق بالغرفة. كان الحمام فاخراً، رخامياً، مع حوض استحمام نحاسي كبير. كانت سامنتا قد ملأته بالماء الساخن، وأضافت إليه بعض الأعشاب العطرية التي كانت هانا تحبها في الأيام الخوالي: لافندر، وإكليل جبل، وبتلات ورد مجففة.
كانت رائحة البخار العطري تملأ المكان، تتسلل إلى الغرفة المغلقة منذ أسابيع.
وقفت هانا تنظر إلى حوض الاستحمام، وعيناها الزجاجيتان تلمعان فجأة. لم تكن دموعاً، لكنها كانت أقرب شيء إليها.
“سأساعدك على خلع ملابسك،” قالت كلارا بهدوء.
خلعت كلارا عنها ثوب النوم المتسخ الذي لم تغيره منذ أسابيع. اشمأزت مما رأت، لكنها أظهرت شيئاً. جسد هانا النحيف الممشوق كان قد ذبل أكثر مما توقعت. أضلاعها كانت تبرز بوضوح تحت الجلد الشاحب، وعظام كتفيها كانت حادة كأنها تريد أن تشق الجلد. كانت هانا تذوب أمام عينيها.
ساعدتها كلارا على الدخول إلى حوض الاستحمام. حين لامس الماء الساخن جسدها، ارتجفت هانا ارتجافة طويلة. تنهدت تنهيدة عميقة، كأن الماء كان يذيب شيئاً تجمد داخلها منذ أسابيع.
جلست كلارا على حافة الحوض، وبدأت تغسل شعر هانا الطويل المتشابك. كانت تعمل بصمت، بحرفية، كأم تعتني بطفلتها المريضة. فككت العقد بلطف، وصبت الماء على الشعر البني الغامق، ودلكت فروة الرأس بأطراف أصابعها.
لأول مرة منذ شهر، رأت كلارا هانا تغلق عينيها. الارتخاء البطيء يعتري ملامحها المنهكة حتى التنفس يصبح أعمق و أكثر انتظاماً.
“هكذا،” همست كلارا. “فقط استرخي. أنا هنا.”
بعد أن انتهت من غسل الشعر، مدت كلارا يدها إلى قطعة الصابون المعطر. كانت هانا تنظر إليها بعينين نصف مغمضتين، كطفلة تنتظر أن تعتني بها أمها.
“هل تريدين أن تغتسل بنفسك؟” سألت كلارا.
هزت هانا رأسها ببطء. لا.
فغسلتها كلارا. مررت الاسفنحة الناعمة علىمل جزء من جسدها النحيل بدقة وصبر، كأنها تغسل شيئاً ثميناً كاد ينكسر. . فقط فعلت ما كان يجب أن تفعله منذ أسابيع.
عندما انتهت، ساعدتها على الخروج من الحوض، ولفتها بمنشفة كبيرة ناعمة. كانت هانا ترتجف، و لأول مرة استرجعت الإحساس بالحياة بعد كانت قد فقدت الشعور.
جلستها كلارا على الكرسي بجانب النافذة، وبدأت تجفف شعرها بمشط عريض. كانت تعمل بصمت، بينما هانا تنظر من خلفها إلى النافذة المغلقة. لأول مرة، نظرت إلى الضوء المتسلل من بين الستائر ثم السماء الرمادية التي بدأت تشرق.
“غداً،” قالت كلارا بصوت هادئ، “سأفتح هذه النافذة. الهواء النقي سيفيدك.”
لم ترد هانا. لكنها لم تعترض.
عندما انتهت كلارا من تمشيط شعرها، ساعدتها على ارتداء ثوب النوم الجديد من الكتان الأبيض. كان فضفاضاً على جسدها النحيل، لكنه كان نظيفاً، كان يشم رائحة الخزامى.
أعادتها إلى السرير. لكن هذه المرة، غيرت كلارا الملاءات المتسخة، وأبدلتها بأخرى نظيفة. فتحت نافذة صغيرة في زاوية الغرفة، لتسمح بدخول القليل من الهواء النقي.
“سأحضر لك طعاماً خفيفاً،” قالت كلارا. “حساء دافئ. و و لن انصرف حتى تكملي وجبتك .”
لم تعترض هانا.
وقفت كلارا عند الباب، ونظرت إلى هانا للمرة الأخيرة. كانت مستلقية على السرير النظيف، شعرها منسدلاً على الوسادة، وجهها الشاحب يواجه السقف. ايا ما كان يحدث معها . لقد كلن أمرا فظيعا حولها إلى ما هي عليه الان. لكنها كانت على الأقل نظيفة.
“سأعود بعد قليل،” قالت كلارا. “لا تغلقي الباب.”
خرجت، وتركت الباب مفتوحاً قليلاً. لأول مرة منذ شهر، كان باب غرفة هانا ليس مغلقاً تماماً.
—
في المطبخ، كانت الخادمات يهمسن بينهن عندما عادت كلارا.
“سيدة كلارا،” سألت سامنتا بخوف. “كيف كانت؟”
“لقد استحمت،” قالت باختصار. “هذا بداية.”
“هل تحدثت؟” سألت شارون.
“لا.”
صمت. ثم قالت مريام بصوت خافت: “لكنها استحمت. هذا كل شيء.”
“هذا كل شيء،” أكدت كلارا. ثم التفتت إلى سامنتا “حضري حساء دافئا. وخبزاً طرياً. وشاياً بالعسل. سأصعد به بنفسي.”
في غرفتها، استلقت هانا — أو بالأحرى، سيو يوجين في جسد هانا — على السرير النظيف، تشم رائحة الخزامى التي كانت كلارا تركتها على الوسادة.
كانت منهكة. لكنها كانت منهكة بطريقة مختلفة هذه المرة. لم يكن التعب تعب الجسد المهمل، ولا تعب الروح المنكسرة. كان تعب شيء بدأ يتحرك بعد سكون طويل.
أغمضت عينيها، واستسلمت لنوم لم تنمه منذ أسابيع. نوماً ثقيلاً، هادئاً، دون كوابيس.
لأول مرة منذ أن استيقظت في هذا الجسد، شعرت أن شيئاً ما بدأ يتغير.
التعليقات لهذا الفصل " 4"