كانت السماء لا تزال مظلمة عندما وصلت هانا إلى البوابة الحجرية. كانت تمطر، والمطر البارد يتساقط على وجهها و يتقاطر من يديها و من على قطعة الخشب الثقيلة التي كانت تمسكها بيدها اليمنى. كانت ترتدي ثوباً رمادياً لا يختلف عن ثياب نساء الهضبة، ولفت وجهها بقطعة قماش سوداء، لا يظهر منها سوى عينيها الزرقاوين. أرادت ألا يعرفها. أرادت أن تكون مجرد ظل. لكن هيئتها كانت تظهر جلياً أنها امرأة. قامتها النحيلة، يداها البيضاء، حركاتها التي لا تخفي ضعفها. كانت امرأة، وكان هذا واضحا رغم تنكرها .
كانت في وقت سابق قد جلست بجانب أنا حتى غفت و هدأ ارتجافها و أصبح تنفسها عميقاً. ثم جلست أمام النار ، تفكر. كانت تفكر في وجه أنا الشاحب و في كدماتها الزرقاء والسوداءو في البصاق الذي غسلته بيديها.
أنا الصغيرة، التي كانت تغني تحت الأشجار. انا المفعمة بأحلام العاصمة والقصور. صعدت إلى هنا تظن أنها ستلمس السماء ثم وجدت الجحيم.
—
الآن كانت تقف أمام البوابة الحجرية و لم يكن هناك مجال للتراجع .
دفعت الباب. كان ثقيلاً. أصدر صريرا مزعجا على مفاصله، ثم انفتح. دخلت و كان الممر طويلاً، مظلماً .
كانت تعلم أن هذا جنون و لن يغير شيئاً. لكنها لم تستطع الجلوس أمام النار أكثر. لم تستطع النظر إلى وجه أنا وهي تعرف أن الرجل الذي فعل ذلك كان سيعود ليعيش حياته و كأنه لم يدمر روحا بريئة و يتركها خلفه .
و الان كانت تمشي و قطعة الخشب ثقيلة في يدها. كانت تعلم أنها ليست قوية كفاية و ليست ندا لرجل مقاتل . مع ذلك واصلت طريقها .
وصلت إلى نهاية الممر. كان الباب مفتوحاً. سمعت صوت حركة رفع أثقال و تنفس ثقيل. كان يتدرب. ليخلف والده، الأميرال و كان بحاجة إلى القبول في أكاديمية سارتوس العسكرية. كان يتدرب هنا، في هذه القاعدة النائية، بينما كانت أنا تنزف على أرضيتها.
دخلت.
كانت الغرفة واسعة، أرضها خشبية، وجدرانها مطلية باللون الأبيض. في وسطها، كان أرثرورو واقفاً. يرتدي قميصاً أبيض مبللاً بالعرق، وشعره البني منسدل على كتفيه. كان يحمل كتلا حديدية ، بدا جسده قوياً و عضلات ذراعه تنتفخ مع كل حركة .
رفعت قطعة الخشب. كانت ترتجف. كانت تعلم أنها لا تستطيع. لكنها رفعتها و حاولت إصابة رأسه .
لكنه شعر بها قبل أن تضرب. استدار بسرعة، أسرع مما توقعت و تفادى الضربة بسهولة. انفلتت قطعة الخشب من يدها وسقطت على الأرض بخشونة.
وقفا وجهاً لوجه. كانت عيناها الزرقاوان تلمعان خلف اللثام الأسود. كانت يداها فارغتان الان كانت تعلم أن فارق القوة بينهما شاسع.
نظر إليها أرثرورو ثم نظر إلى قطعة الخشب على الأرض، إلى وجهها المغطى، إلى عينيها. ثم انطلقت منه ضحكت ساخرة . .. سخر من أن امرأة تجرأت عليه…و هو الذي اعتقد أن ما من أحداً في هذا المكان يعتقد أنه يستطيع مساءلته.
“أتيتِ لتضربيني؟” كان صوته مفعما بالسخرية الجافة .. “أنتِ؟”
لم تجب هانا.
“أتعرفين من أنا؟ أنا ابن أميرال سارتوس. وأنا مستقبل الأسطول. وأنتِ… أنتِ مجرد شيء.”
كانت الكلمة الأخيرة هي ما فتح الجحيم. شيء. كما قال عن أنا. شيء يستخدم ثم يُرمى. شيء يبصق عليه ثم يُنسى.
رفع يده. كانت اللكمة الأولى في بطنها. انحنت، تلهث، تحاول أن تتنفس ..سقطت على الارض و شعرت ان قواها قد خارت . . قبل ان تلتقط نفسا وجه لها ركلة بقدمه على جنبها . شعرت بألم لم تعرفه من قبل. كانت الركلات تتوالى على بطنها مرة بعد أخرى . شعرت انها فقدت القدرة على النهوض.
“موتي أيتها العاهرة اللعينة.”
كان يرددها مع كل ركلة .بينما كانت كلماته تطعنها في الاعماق.
ثم أمسك بشعرها. كانت أصابعه تغوص في شعرها الذهبي، تسحبه و ترفعه. انفلتت الضفيرة، وتدلى شعرها، وانسدل على كتفيها و ظهرها، كان القماش الأسود لا يزال يغطي وجهها، ثابتاً في مكانه. كانت عيناها الزرقاوان تلمعان من بين طياته. كانت ترى من خلاله. كانت ترى وجهه من فوقها، غاضباً، متحكماً، واثقاً. كان يعتقد أنه انتصر.
لكن يدها كانت تتحرك. و تتلمس الأرض الخشبية الباردة. كانت تبحث عن شيء. أي شيء. كانت أصابعها ترتجف، تزحف على الخشب، تتعثر في شقوقه. ثم لامست شيئاً حاداً. كانت قطعة حديد صغيرة، ربما جزء من أداة مكسورة، ربما شظية من سيف قديم. لم تكن تعرف. لم تكن تهتم.
أمسكت بها. كانت صغيرة في يدها. لكنها كانت حادة.
وفي اللحظة التي كان فيها يشد شعرها أكثر، يرفع رأسها إلى الأعلى، ليضربها مرة أخرى، طعنت قدمه.
كانت الطعنة سريعة، عميقة. غاصت الحديدة في لحم قدمه، في العصب حتى العظم. صرخ. كانت صرخة خارقة، لم تكن تتوقعها. انفلت شعرها من يده. تراجع خطوة، وهو يتعثر ثم سقط على الأرض و بدأت يتلوى من الألم . كان يصرخ، يمسك بقدمه، والدماء تتفجر من بين أصابعه. بينما اكتست ملامحه تعبير صدمة و خوف .
نهضت هانا. كانت ترتجف. كان جسدها كله ألماً. لكنها وقفت. نظرت إليه وهو يتلوى على الأرض. رأت بكتلة الحديد الثقيلة التي كان يتدرب بها. كانت ملقاة إلى جانبه، كبيرة، ثقيلة، مصنوعة من الحديد المصبوب .
مدت يدها. أمسكت بمقبضها. كانت ثقيلة. كانت أثقل مما توقعت. كانت عضلات ذراعها تصرخ، لكنها رفعتها. كانت تعلم أنها لن تحصل على فرصة ثانية. كانت تعلم أنه إذا نهض، قد ينتهي الأمر بموتها و دون ان تتردد .رفعتها بكل ما أوتيت من قوة. ثم
هوت بها على ساقه.
صرخ صرخة لم تسمع لها مثيلاً. كانت صرخة من لا يصدق ما يحدث له.
قبل ان يداهمها التردد رفعت كتلة الحديد مرة أخرى هوت بها على ساقه الأخرى.
كان الصوت هذه المرة أعلى. كان العظم ينكسر تحت الحديد، يتفتت، يتحول إلى شيء لا يعود يحمل جسداً. صرخ. كانت صرخته الآن مختلفة. لم تكن صرخة ألم فقط. كانت صرخة جنون. كان يصرخ كمن يفقد عقله كمن يرى جسده ينهار أمامه، ولا يستطيع فعل شيء. كان يتلوى على الأرض، ودماء قدمه الأولى لا تتوقف، وساقاه مكسورتان لا تحملانه، ووجهه الذي كان وسيماً متعجرفاً أصبح شاحباً، مشوهاً في تعبير مرعب .
كان يصرخ. كان يصرخ بصوت لا يشبه صوته. كان يصرخ وكأنه طفل صغير ترك وحيدا في الظلام.
وقفت هانا تنظر إليه. كانت كتلة الحديد لا تزال في يدها. فكرت أنها إذا ضربته مرة أخرى سيموت حتما .
لكنها توقفت.
تراجعت خطوة إلى الوراء و ألقت بكتلة الحديد التي سقطت على الأرض بخشونة. كان صوته لا يزال يملأ الغرفة و صراخه لا يتوقف وهو يستغيث و يبكي.
استدارت و مشت إلى الباب. كانت خطواتها غير ثابتة و آلام جسدها لا تحتمل . لكنها كانت تمشي. بينما تسمع صراخه خلفها يعلو و يخفت .
———————————
نزلت هانا من الهضبة بخطوات غير ثابتة. كان جسدها كله ألماً، ويديها ترتجفان، وساقاها تكادان لا تحملانها. كانت الغيوم الكثيفة قد انقشعت أخيرا .
عرفت هانا بالضبط إلى أين يجب أن تتجه.
نزلت بين الأشجار عبر الغابة الكثيفة، وأغصان الأشجار العملاقة تتدلى فوق رأسها كسقف من الظلال. كان ضوء القمر يتسلل من بين الأوراق، يرسم بقعاً فضية على الأرض الترابية المبللة . كان قرص القمر المكتمل هذه الليلة ساطعاً جداً على غير العادة ، ضوؤه الابيض الناصع يضيء الغابة كأنه شمس أخرى. كانت أشعته تخترق الظلام، تجعل كل شيء يبدو مختلفاً.
وصلت إلى الجدول. كان الماء يتدفق بين الصخور، يصدر صوتاً هادئاً، منتظماً. جلست على حجر كبير، واستندت إلى جذع شجرة ضخمة . كانت تتنفس بصعوبة و يداها لا تزالان ترتجفان.
رفعت يدها إلى وجهها. نزعت القماش الأسود الذي كان يغطيها. كان اللثام الأسود ممزقاً قليلاً من الحواف. نظرت إليه للحظة. كان قطعة قماش عادية. لكنها كانت كل ما أخفاها عنه.
ألقت به جانباً. انحنت إلى الماء. كانت باردة، شديدة البرودة. شعرت بها على شفتيها و على لسانها . شربت بشراهة وهي تلهث بين الرشفات، كأنها لم تشرب منذ أيام. كان الماء يتدفق في داخلها، يغسل طعم الدم من فمها و يبلل جفاف حلقها .
ثم غسلت وجهها. غسلت جبينها المتعرق، وخديها الملطخين بالدماء التي لم تكن دماءها، وذقنها الذي كان لا يزال يرتجف. غسلت أذنيها التي كانت لا تزال تسمع الصراخ. غسلت عينيها التي كانت لا تزال ترى.
رفعت رأسها. نظرت إلى انعكاسها في الماء. كان ضوء القمر ساطعاً جداً، لدرجة أنها رأت وجهها بوضوح. رأت وجه هانا. الوجه الصغير
كان سليماً. لم يمسسه سوء. لم تكن هناك كدمات على خديها، ولا جروح على جبينها. كان وجهها كما هو. وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن جسدها كان يتألم من كل مكان. من بطنها التي تلقت اللكمات إلى جنبها الذي لا يزال ينبض بالألم و ظهرها الذي سقط على الأرض الخشبية بعنف.
فجأة اقترب منها شبح أسود من الوراء . لم تشعر به إلا عندما كان خلفها مباشرة. قبل أن تستوعب ما يحدث، اطبق عليها من الخلف. شعرت بذراع حديدية تضغط على صدرها، وبيد باردة تغلق فمها. ثم شعرت بخنجر حاد و بارد يلامس عنقها من جهة اليمين. كان يلامس جلدها برفق، كأنه ينتظر. كانت تعلم أن ضغطة واحدة كافية ليقطع عروق رقبتها.
تجمدت. كان قلبها يدق بسرعة، لكن جسدها لم يتحرك. كانت تعلم أن الحركة قد تعني الموت و الخنجر قريب جداً من شريانها. كانت تسمع أنفاسه خلفها، ثقيلة و سريعة . بدا مذعورا يائ كمن يلتمس الخلاص بيأس و لا يجد مخرجاً.
“لا تتحركي.”
كان صوته مبحوحاً، يرتجف بينما يضغط الخنجر بتردد . شعرت هانا بالبرد يتسلل إلى عنقها و بدمها يقطر قليلاً . تجمدت مكانها ، فأبسط حركة تعني الموت .
لكنها سمعت شيئاً آخر. كانت أصوات خطوات. خيل سريعة و منظمة خلف الأشجار، من كل اتجاه كانت تحاصرهم.
توقف الرجل. كان ينظر إلى الظلام. كانت عيناه تبحثان عن مصدر الصوت. كانت هانا ترى ما يراه. كانت ترى أشكالاً تتحرك بين الأشجار و. ظلالاً تتقدم بثبات.
ثم سمعت الصوت. كان صوتاً لم تكن تتوقعه في حياتها أن تسمعه. كان يأتي من بين الأشجار، بارداً، جامداً، لا يحتمل النقاش . كان صوتاً تعرفه جيدا . صوتاً سمعته في ذكرياتها، في كوابيسها، في مستقبلها الذي عاشته. كان صوت كايدن.
” اذن …لقد حوصرت بالنهاية “
كان على فرسه يرتدي زيه العسكري الأسود، وسيفه الطويل في غمده، ووجهه مضاء بضوء القمر. كان خلفه نورمان وإيفان، مساعداه الدائمان . وجنود آخرون ينتشرون ببين الأشجار كانوا هناك. كانوا في روفينيا يطاردون هذا الرجل بالذات .
كان الرجل ينظر إليهم بعينين خائفتين . كان يعلم أنه حوصر وأنه لن يفلت. لكنه كان يمسك بهانا بقوة أكبر. كان الخنجر يضغط على عنقها. بينما انسلت قطرات من الدم لتستقر على صدرها .
“دعوني أذهب! دعوني أذهب أو سأقتلها!”
كان صوته يعلو في ارتياع جنوني و يرتجف، كان يصرخ كمن يرى الموت أمامه بينما يدفع هانا أمامه كدرع و يتوارى خلفها. كانت هانا لا تتحرك. كانت تنظر إلى كايدن. كانت تراه بوضوح تحت ضوء القمر. وجهه الجامد و عينيه السوداوين الباردتين، لا تعبير فيهما. كانت ترى أنه لا يرى فيها شيئاً. كانت مجرد امرأة في يد هارب و في هذه اللحظة بالذات كانت مجرد عائق مزعج له .
نظر كايدن إلى الرجل. نظر إليه طويلاً. كان وجهه لا يتحرك و عيناه لا ترمشان. كان صوته عند
ما تحدث بارداً، جامداً، كمن يتحدث عن شيء لا يعنيه.
“اقتلها.”
——————————-
لقطة اليوم 🙂🌝🌝
هانا و هي محاصرة بعد ان تلقت مليون ضربة سابقا ، بالنهاية مصيبة تلو مصيبة تقع على راسها ” المصائب لا تأتي فرادى ”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 25"