لم تقل ديلارا شيئاً. مدت يدها. أعطتها هانا الكتاب. وضعته على المنضدة، وفتحته على صفحة عشوائية.
“اجلسي.”
جلست هانا على الكرسي الخشبي المقابل. كانت يداها على حجرها، تحاول ألا ترتجفا. كانت ديلارا تقلب الصفحات ببطء، عيناها الداكتان تتحركان على السطور. كان صمتها طويلاً و ثقيلاً.
ثم رفعت رأسها و هي تنظر إلى هانا.
“ما هي وظائف الكبد؟”
تنفست هانا بعمق .
“الكبد يقوم بتصفية الدم من السموم، وإنتاج الصفراء التي تساعد في هضم الدهون، وتخزين السكريات على شكل غليكوجين، وتصنيع البروتينات الضرورية لتجلط الدم.”
لم ترفع ديلارا نظرها. كانت تقلب الصفحات.
“كيف يتم تشخيص الحمى الصفراء؟”
“الحمى الصفراء تبدأ بارتفاع مفاجئ في الحرارة، مع صداع شديد وآلام في العضلات. بعد أيام، يظهر اليرقان في العينين والجلد، وقد يحدث نزيف في اللثة أو تحت الجلد. التشخيص المؤكد يكون بفحص الدم .”
كانت ديلارا تقلب الصفحات أسرع الآن و تختار أسئلة من أماكن مختلفة محاولة أن تختبر حدود حفظ هانا .
“ما هي الأعشاب المستخدمة في علاج التهاب المفاصل؟”
“اللحاء الصفصاف يخفف الألم، والزنجبيل يقلل الالتهاب، والبابونج يستخدم كمضاد طبيعي للتشنج. كما تستخدم كمادات من أوراق الملفوف لتخفيف التورم الموضعي.”
“كم عدد عظام الجمجمة؟”
“اثنان وعشرون عظمة. ثمانية في الجزء الدماغي، وأربعة عشر في الجزء الوجهي.”
كانت ديلارا تختار أسئلة أصعب الان و هي تنتقل بين التشريح والوظائف والأمراض والعلاجات. وكانت هانا تجيب. بسرعة و بدقة .
“ما هي مضاعفات كسر عظم الفخذ؟”
“نزيف داخلي قد يؤدي إلى صدمة، وضرر في الأوعية الدموية الكبيرة، واحتمال انسداد رئوي نتيجة انتقال دهون من النخاع العظمي إلى الرئتين.”
“كيف تعالج لدغة الأفعى؟”
“أولاً، تثبيت العضو المصاب وعدم تحريكه لئلا ينتشر السم. ثم وضع رباط ضاغط فوق مكان اللدغة مع إمكانية إجراء شق صغير لتفريغ السم إن أمكن. ثم إعطاء المريض شراباً من لحاء الصفصاف والكركم لتخفيف الألم ومنع الالتهاب، مع مراقبة التنفس والقلب.”
كانت ديلارا تقلب الصفحات بسرعة. وصلت إلى جزء متقدم من الكتاب، حيث تتحدث الأمراض النادرة والعلاجات المعقدة. نظرت إلى هانا.
“ما هي أعراض داء الاختناق الليلي عند الأطفال؟”
توقفت هانا.
كان السؤال واضحاً. كانت تتذكر أنها قرأت عن هذا. في جزء متأخر من الكتاب. لكن الكلمات كانت مختلطة في رأسها. كانت تتصارع مع مصطلحات و معلومات أخرى .
“داء الاختناق الليلي…” بدأت. كانت تحاول أن تتذكر. كانت ترى الصفحة والسطور في خيالها . لكن الكلمات كانت ضبابية. “يحدث… عند الأطفال… بسبب…”
توقفت و نظرت إلى ديلارا. كانت الطبيبة تنظر إليها بعينيها جامدتين لا تعبير فيهما. لم تكن تساعد. لم تكن تلمح. كانت تنتظر فقط.
حاولت هانا مجدداً. كانت تدفع ذاكرتها، تحاول أن تصل إلى تلك الزاوية المظلمة حيث اختفت المعلومات.
“السبب هو… انسداد في المجاري التنفسية العليا… يحدث… أثناء النوم…”
كانت متعثرة و الكلمات لا تأتي. كل شيء عن هذا الجزء بدا مختلطاً في رأسها مع أشياء أخرى. مع أمراض الجهاز التنفسي و مع علاجات مختلفة و آلاف التفاصيل التي دفعتها إلى دماغها في خمسة عشر يوما .
“قد يكون سببه… تضخم… أو التهاب…”
توقفت. لم تستطع أن تكمل . كانت الكلمات عالقة في حلقها،
رفعت عينيها إلى ديلارا في ارتباك.
لكن ديلارا لم تقل شيئاً. كانت تنظر إليها. ثم أغلقت الكتاب.
“داء الاختناق الليلي.” كان صوتها هادئاً، عملياً. “يحدث بسبب تضخم اللوزتين أو الزوائد الأنفية عند الأطفال. يؤدي إلى انقطاع التنفس أثناء النوم لثوانٍ عدة، ثم يعود الطفل للتنفس بشهقة عنيفة. في الحالات البسيطة، ينام الطفل على جانبه. في الحالات المتقدمة، قد نحتاج إلى تدخل جراحي.”
كانت تقولها ببساطة، كأنها تشرح لطالب بطيء.
هانا كانت صامتة .
لكن ديلارا لم تكن غاضبة. بينما تضع الكتاب على الرف بهدوء .
“حفظتِ ألف صفحة في خمسة عشرة يوما ” نظرت إلى هانا. “هذا أكثر مما يستطيعه أي إنسان.”
لم تكن مجاملة. كانت حقيقة.
“لكن الطب ليس حفظاً.” أشارت إلى رأسها. “ما في رأسكِ الآن هو كلمات و معلومات . لكن المرض لا يأتي كجمل في كتاب. يأتي كطفل يختنق في الليل، وأمه تصرخ، وأنتِ لا تعرفين أي جزء من المعلومات التي حفظتها هو ما ينقذه.”
صمتت. نظرت إلى هانا بعينيها الداكتين.
“لم تفشلي. أنتِ فقط لم تبدأي بعد.”
نهضت من كرسيها. مشت إلى الرف، وأخذت كتابا جديدا
” احفظيه ”
قالت مجددا و هي تدفعه نحو هانا
—————————————
“لماذا تنامين في الثكنة كل ليلة؟ الطريق طويل، وغرفتك هناك باردة. تعالي و نامي عندنا الليلة أختي أنا ستكون سعيدة بلقائك.”
كانت سنتيا تعرض ضيافتها بسخاء على هانا .
ترددت هانا لوهلة بعدها وافقت بسرور .
“حسناً.”
ابتسمت سنتيا ابتسامة عريضة. أخذت يد هانا، وقادتها عبر الأشجار. كان الطريق ضيقاً، ممهداً بالحجارة الصغيرة، يمر بين بيوت اللاجئين المتفرقة. كانت الأضواء خافتة من النوافذ، ورائحة الخبز والدخان تملأ الهواء.
توقفت سنتيا أمام منزل صغير من الحجر الرمادي، له باب خشبي قديم ونافذتان تطلان على الوادي.
فتحت سنتيا الباب دون أن تطرق.
“أنا! لقد جئت! ومعي ضيفة!”
من داخل المنزل، جاء صوت ناعم، مختلف عن صوت سنتيا.
“ضيفة؟ من هي؟”
خرجت فتاة من الغرفة الخلفية. كانت في السادسة عشرة تقريباً، أصغر من سنتيا بسنة ونصف. كانت جميلة.
توقفت عندما رأت هانا. نظرت إليها من رأسها إلى أخمص قدميها. كان في عينيها فضول غريب .
“هذه هانا. تساعد في المستوصف. تأخرت، فقلت أن تنام عندنا الليلة.”
اقتربت أنا من هانا. كانت تنظر إلى شعرها الذهبي و عينيها الزرقاوين و وجهها الصغير المشرق.
“أنتِ جميلة،” قالت أنا ببساطة.
ابتسمت هانا. “شكراً لكِ. أنتِ أيضاً جميلة. سنتيا أخبرتني عنكِ.”
توهج وجه أنا قليلاً. نظرت إلى أختها.
“ماذا قالت؟”
“قالت إنكِ أجمل فتاة في الهضبة.”
ابتسمت أنا ابتسامة صغيرة خجولة .
—
أعدت سنتيا العشاء. كان بسيطاً: خبز طازج خبزته في الصباح، وجبن من ماعز يرعونه خلف المنزل، وزيت زيتون يعصرونه بأنفسهم. وضعت كل شيء على قطعة قماش بيضاء في وسط الغرفة، وجلست الفتيات الثلاث حوله.
أكلن بصمت في البداية. كانت هانا تأكل ببطء . كانت تفكر في الغد و منازل اللاجئين، في المرضى الذين ستراهم لأول مرة. كانت سنتيا تأكل بسرعة، تلتهم الخبز والجبن كمن لا يملك ما يكفي منها. بينما أنا كانت تحاول تناول وجبتها برقي .
عندما انتهين من الطعام، فرشت سنتيا أفرشة النوم على الأرض. وضعت ثلاث فرش من الصوف الخشن، وثلاث بطانيات، وثلاث وسائد صغيرة محشوة بالقش. كانت تنام الفتيات بجانب بعضهن، قريبات، تدفئهن حرارة الجسد في ليالي روفينيا الباردة.
استلقت سنتيا على فراشها أولاً. تنهدت تنهيدة راضية، وأغمضت عينيها. في دقائق، كانت نائمة. كانت تنام بسرعة، كمن يعمل طوال النهار وينام دون أحلام.
بقيت هانا وأنا مستلقيتين في الظلام. كانت النار في الموقد قد خمدت تقريباً، ولم يبقَ منها إلا جمرات حمراء تتصاعد منها رائحة الدخان. كان الهواء بارداً، والبطانيات خشنة، لكن دفء الجسد كان كافياً.
كانت هانا على وشك أن تغفو عندما سمعت صوت أنا. كان هامساً، خفيفاً، كأنها تخشى أن توقظ سنتيا.
“هل رأيتِ العاصمة؟”
فتحت هانا عينيها. نظرت إلى أنا في الظلام. كانت الفتاة مستلقية على فراشها، وعيناها الخضراوان مفتوحتان، تنظران إلى السقف الخشبي.
“نعم. رأيتها.”
صمت. كان صوت النار يختلط بأنفاس سنتيا المنتظمة.
“كيف تبدو؟”
كان صوت أنا مختلفاً الآن. لم يكن فيه فضول عابر. كان فيه شوق يشبه الجوع .
تذكرت هانا العاصمة ألغار و قصورها الرخامية، وثرياتها الكريستالية، وحدائقها التي تزهر في كل الفصول. تذكرت شوارعها الواسعة المصفوفة بأشجار النخيل، وأسواقها التي تبيع أفخر البضائع من كل أنحاء الإمبراطورية. و قصر فيرموت حيث أقيمت الحفلة، وأضواء المشاعل التي تتلألأ على جدرانه الحجرية، والنبلاء يتدفقون من عرباتهم الذهبية.
“قصورها كبيرة. كبيرة جداً. كأنها شيدت لتكون أوسع من الجبال و أعمق من الاودية “
كانت أنا تستمع بينما عيناها الخضراوان تتسعان في الظلام.
“والنبلاء؟ كيف يعيشون؟”
“يعيشون في قصورهم و يسعون لكل أنواع المباهج و الملذات و يتنافسون على من يظفر بأكبر عدد منها “
“وهل يغني لهم المغنون؟” كان صوت أنا متحمساً. “في الحفلات الكبيرة التي يقيمونها في قصورهم ؟”
“نعم. في الحفلات الكبيرة يعزف الموسيقيون حينها يرقص النبلاء حتى الصباح.”
كانت أنا صامتة للحظة بينما تتخيل و تحلم.
“أريد أن أرى ذلك. العاصمة و القصور و اختلط بالنبلاء رفيعي المقام “
كانت تتحدث بسرعة الآن. كان صوتها يرتفع قليلاً، ثم تخفضه خوفاً من إيقاظ سنتيا .
“أتخيل نفسي واقفة على مسرح كبير. أرتدي ثوباً من الحرير الأحمر. والمجوهرات تتلألأ في عنقي. والجميع ينظر إليّ. و أغني بصوت لم يسمعه أحد من قبل.”
استدارت على فراشها، ونظرت إلى هانا. كان وجهها قريباً، وعيناها الخضراوان تتألقان في الظلام
“ألا تحسدينهن؟” سألت أنا فجأة. “فتيات العاصمة. اللواتي يملكن كل شيء. الثياب الجميلة، والمجوهرات، والقصور. ألا تشعرين بالحسد عندما ترينهن؟”
صمتت هانا . كانت تفكر في حياتها السابقة. في الثياب الحريرية التي ارتدتها، والمجوهرات التي وضعتها، والتاج الذي وضع على رأسها. كانت تفكر في كل ذلك، وفي الشعور بالفراغ الساحق الذي كان يملأ صدرها رغم كل شيء.
“لا.” قالت هانا. “لا أحسدهم.”
نظرت إليها أنا بدهشة. “لماذا؟”
“لأنهم لا يملكون ما تظنين.”
صمتت أنا. كانت تنظر إلى هانا بعينيها الخضراوين، تحاول أن تفهم. لم تكن تفهم كيف لا يحسد أحد فتيات العاصمة. كيف لا يحلم أحد بما تحلم به.
نظرت هانا إلى أنا. كأنها كانت ترى فيها نفسها القديمة .
” أتمنى أن تحققي حلمك يا أنا “
” اشكرك يا هانا ، لكن عليك ان تأتي لتشاهديني على المسرح ”
ضحكت هانا أخيرا
“سآتي بالتأكيد “
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 20"